بقلم رزاق عبدالرزاق
اهتم علماء النفس بالظواهر البشرية وبالسلوك الإنساني، حيث قسموه إلى نوعين متناقضين. الأول يسمونه ب الانتروڥيرتي(introverti) ، أي المتقوقع. والصنف الثاني يطلقون علية تسمية الاكستروڥيرتي (extroverti) ، أي نقيض الانتروڥيرتي. وهذا الصنف من البشر يحب الظهور حبا جما، لدرجة الحماقة، ويفرط في كل شيء يقوم به أو يتلفظ به. فإذا كان الانتروڥيرتي خجولا، يسمح في حقه، ويكاد لا يسمع له صوت و لا أنين، حتى ولو أخد سوطا مبرحا، أو حرم من رزقه، وكذلك يمشي “حويطة حويطة” بين الأزقة، خوفا أن يراه أحدا، فالاكستروڥيرتي يتصرف بطريقة مخالفة، في كل الحالات يكون التعالي، والاستفزاز، و”دفيع بخ” هو القاسم المشترك. كلما مر من مكان ما، إلا وترك وراءه ضجيجا، كالبرميل الفارغ، ورائحة نتنة، كالجراد الذي يقتات من المستنقعات. إذا ركب دراجة نارية، أزال عنها القطعة الحديدية، التي تخفف من ضجيج المحرك، والتي يسمونها أصحاب الميكانيك ب “الشاگما”(échappement) ، يعلم السائق المغمور أن “الطرطرة” تزعج الناس، لكن يتمادى في ذلك، لأنه مسكون بنزعة الانتقام، فإن لم يجد شرطيا عاقلا، (ويا أسفا على قلة العقلاء في هذا البلد) لإيقافه عند حده، نراه يستمر في ضوضائه، ويستبد بساديته المرضية، بين الطرقات والأزقة الأهلة بالسكان. لو كان هو صانع الدراجة النارية التي يمتطيها، لتفهمنا أمره، وقلنا :”عفا العبد عما سمع، لأن المخترع الموهوب يجرب اختراعه”، لكن ما هو بصانع أو بمخترع، وإنما هو مخرب بيئي، يستعمل الدراجة النارية كرشاشة حربية، يرشق بها أذان المارة. ما يهمه هو التمظهر، والاستفزاز، والاشمئزاز. والمفارقة العجيبة أن حتى “صحاب لعقل”، كممتهني القلم أصبحوا أكثر تمظهرا من الذين سبقوهم . يعتنون بصورهم الشخصية، أكثر من اعتنائهم بالمقال الصحفي، أو بالأقصوصة الإخبارية المقدمة للقراء. وهم يعلمون أن الصورة لا تغني ولا تسمن من جوع، خاصة إذا كان التناول للمادة الصحفية غير سليم. عكس ذلك، هناك أدباء من فطاحلة الشعر القديم، حفظنا كتاباتهم عن ظهر قلب، دون أن نرى وجوههم، كالفرزدق، وطرفة ابن العبد، وزهير بنو أبي سلمى، والمتنبي.
إن الاكستروڥيرتي عنيد، و مشاكس. لا يعترف بالخطأ ولو “طارت معزة” كساستنا . إذا أقام عرسا، “يكسر” الدنيا بالديسبيل، و”يقطع” الطريق عن السيارات والمارة، لكي يعرف أهل المدينة أنه فرحان، ولكن من كثرة بخله، لا يستضيف حتى جيرانه، بل”يشنتف” (عكس يشنف) أسماعهم بوابل من الضجيج المقزز للخواطر والأذن ، و يحرم هؤلاء الجيران المغلوبين عن أمرهم من النوم. وحتى لو تجرؤوا وقدموا شكاية جماعية للسلطات المعنية، لإيقاف الضرر، قيل لهم أن الأعراس جزء من العادات الموروثة. لكن يا سادة يا كرام : في عهد قدور العلمي والجيلالي لمتيرد، (العصر الذهبي لفن الملحون ) لم تكن مكبرات صوت صاخبة ومدوية كالتي نراها ونسمعها اليوم ، ولم تكن التجمعات السكنية بهذا الحجم.
“لمدينة كبرات وبدينا نصغاروا بين العمارات”: هكذا يقول الزجال الغنائي علي الحداني، حول الفوضى المعمارية التي تعرفها البلاد. وبما نحن بصدد الحديث عن الغناء، واعتبارا للضجة التي أثيرت ، من طرف بعض الفنانين اليقظين، حول دور مكتب حقوق المؤلف، لماذا لم يبادر هذا الأخير بالقيام بحملة تطهير، كما هو ساري المفعول في دول تحترم مبدعيها، وتصون حقوقهم الفكرية، من ظاهرة القرصنة، الهدف من ورائها هو ضبط حالات التسيب التي تعرفها الأعراس والملاهي الليلة، حيث الارتماء على أغاني في ملكية الغير، يتم تكرارها بإفراط، دون طلب الإذن من المبدعين الأصليين، أو استشارتهم؟
كل العالم تغير ايجابيا، إلا نحن. نتغير، لكن “بالمقلوب”. بين الإفراط والتمسك، وبين الصبيانية والتعقل، يكمن الحل في السلوك المتزن. إن الانتروڥيرتي مضر، لأنه يخاف من خياله، و الاكستروڥيرتي مضر، لأنه يتجاوز حدوده. هل نسي كلاهما أن أحسن الناس خلقا، هو الإنسان الذي يسلك مسلكا وسطا؟