الدلالات الجيوسياسية والجيوستراتيجية للخطاب الملكي من الشراكة المفروضة إلى الشراكة المختارة المبادرة المغربية وإعادة هندسة التوازنات الجيوستراتيجية في غرب المتوسط 3/3

بقلم الدكتور محمد محاسن

يختتم هذا المقال سلسلة من ثلاث دراسات تناولت الدلالات الجيوسياسية والجيوستراتيجية للخطاب الذي ألقاه الملك محمد السادس بمناسبة افتتاح الدورة التشريعية للبرلمان المغربي في 9 أكتوبر 2026، في سياق التوترات المرتبطة بأزمة الهجرة بسبتة وتطور العلاقات المغربية الإسبانية والأوروبية. وإذا كنت قد تناولت في المقال الأول مفهوم «الصرامة الهادئة» بوصفه تعبيراً عن القيادة التي تجمع بين وضوح الموقف وضبط ردود الفعل، وخصصت المقال الثاني إلى مساءلة نموذج التعاون في مجال الهجرة وإعادة توزيع المسؤوليات بين الشركاء، فإنني في هذا المقال الثالث أبحث في الشروط التي تسمح بتحويل الاستقلال في اتخاذ القرار إلى قدرة فعلية على المبادرة والتأثير في التوازنات الإقليمية. هذا وأنطلق في التحليل من فرضية مفادها أن السيادة لا تستمد قوتها من رفض الضغوط وحده، بل تتعزز بامتلاك بدائل استراتيجية ذات مصداقية، وبالقدرة على تنويع الشراكات الاقتصادية والطاقية والتكنولوجية والأمنية دون الوقوع في منطق الاستقطاب أو القطيعة. في هذا السياق، يستعرض المقال دلالات التعاون الطاقي المغربي البرتغالي، وتطور العلاقات الاقتصادية مع الولايات المتحدة، وتنويع الشراكات في مجالات الصيد البحري والاستثمار والتكنولوجيا، مع التمييز بين المشاريع المعلنة والقدرات التي دخلت حيز التنفيذ. وأقترح هنا مفهوم «هندسة هامش المناورة الاستراتيجية» باعتباره امتداداً نظرياً للصرامة الهادئة والقدرة على المبادرة الاستراتيجية. لأخلص إلى أن الشراكة المتوازنة لا تقوم على قدرة أحد الأطراف على الاستغناء عن الآخر، وإنما على امتلاك كل طرف من الخيارات ما يجعل تعاونه نابعاً من الاقتناع بالمصلحة المشتركة لا من الإكراه أو غياب البدائل.
الكلمات المفاتيح: المغرب، إسبانيا، الاتحاد الأوروبي، غرب المتوسط، الجيوستراتيجية، القيادة السياسية، الصرامة الهادئة، المبادرة الاستراتيجية، الاستقلال الاستراتيجي، تنويع الشراكات، الأمن الطاقي، الدبلوماسية الاقتصادية، السيادة، هندسة هامش المناورة.
توطئة: حين تصبح المبادرة اختباراً حقيقياً للاستقلال الاستراتيجي
في المقال الأول من هذه السلسلة، انطلقنا من سؤال يتعلق بالقيمة الاستراتيجية للهدوء في القيادة السياسية، وخلصنا إلى أن ضبط ردود الفعل لا يعبر بالضرورة عن ضعف الموقف، بل قد يشكل اختياراً واعياً يسمح بالمحافظة على وضوح الأهداف دون الانجرار إلى مواجهة غير محسوبة. وفي المقال الثاني، انتقلنا من تحليل أسلوب القيادة إلى مساءلة البنية التي تحكم التعاون المغربي الإسباني الأوروبي في مجال الهجرة، مبرزين أن الأزمات المتكررة قد تكشف اختلالات لا تكفي الإجراءات الأمنية الظرفية لمعالجتها. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه في ختام هذه السلسلة يتجاوز الهدوء والحزم وتوزيع المسؤوليات. إنه يتعلق بالقدرة على تحويل المبادئ المعلنة إلى خيارات عملية. فما قيمة الاستقلال في اتخاذ القرار إذا لم تكن الدولة تمتلك الوسائل الاقتصادية والدبلوماسية والمؤسساتية التي تسمح لها بممارسة هذا الاستقلال؟ وما جدوى المطالبة بإعادة النظر في شروط الشراكة إذا ظلت الخيارات المتاحة محصورة في قبول النموذج القائم أو تحمل كلفة القطيعة؟ هنا يظهر الفرق بين السيادة باعتبارها مبدأ قانونياً وسياسياً، والاستقلال الاستراتيجي باعتباره قدرة عملية على الاختيار. فجميع الدول ذات السيادة تتمتع، من حيث المبدأ، باستقلال القرار. لكنها لا تتساوى في قدرتها على تحويل قراراتها إلى أفعال مؤثرة. وتتحدد هذه القدرة، إلى جانب عناصر أخرى، بحجم الاقتصاد، وتنوع الشركاء، والتحكم في الموارد، والكفاءة المؤسساتية، والقدرة على الابتكار، والموقع داخل شبكات التجارة والطاقة والأمن. ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة المبادرة المغربية التي أعلن عنها الخطاب الملكي بوصفها مناسبة لطرح سؤال أوسع: هل بلغ المغرب مرحلة تسمح له بالانتقال من التكيف مع قواعد الشراكة إلى المساهمة بصورة أكبر في صياغتها؟ لا يتعلق الأمر بإعلان تحقق هذا الانتقال، وإنما بتحديد شروطه واختبار مؤشراته.
أولاً: الشراكة المختارة لا تعني الاستغناء عن الشريك
قد يوحي عنوان هذا المقال بوجود تعارض بين الشراكة المفروضة والشراكة المختارة. لكن المقصود ليس أن العلاقات المغربية الإسبانية كانت، في أصلها، علاقات مفروضة، أو أن المغرب يعتزم التخلي عن شراكاته التقليدية. إنما يتعلق الأمر بالتمييز بين نمطين من العلاقات الدولية. في النمط الأول، تتقلص قدرة أحد الأطراف على مراجعة شروط التعاون بسبب محدودية البدائل المتاحة أمامه. أما في النمط الثاني، فيحتفظ كل طرف بإمكانات أوسع للاختيار والمفاوضة، مما يجعل استمرار التعاون نتيجة لتقاطع المصالح لا لغياب الخيارات الأخرى. وهذا التمييز نسبي بطبيعته.
فلا توجد دولة مستقلة استقلالاً مطلقاً عن محيطها، كما لا توجد شراكة تخلو تماماً من تفاوت القدرات والمصالح. حتى الدول الكبرى ترتبط بشبكات من الاعتماد المتبادل تحد من حريتها في بعض المجالات. ولذلك فإن الاستقلال الاستراتيجي لا يعني التحرر من جميع أشكال الاعتماد، وإنما القدرة على إدارة هذا الاعتماد ومنع تحوله إلى تبعية أحادية. ومن هذه الزاوية، لا ينبغي فهم تنويع الشراكات المغربية بوصفه مشروعاً موجهاً ضد إسبانيا أو الاتحاد الأوروبي. فإسبانيا شريك اقتصادي وأمني وإنساني أساسي للمغرب، والاتحاد الأوروبي يمثل فضاءً رئيسياً للتبادل والاستثمار والتعاون. ولا توجد مصلحة استراتيجية واضحة في تحويل هذه العلاقات إلى خصومة دائمة. لكن المحافظة عليها لا تستلزم قبول كل شروطها دون مراجعة. فالشراكة الأكثر استدامة هي التي يستطيع أطرافها مناقشة اختلالاتها دون أن يشعر أحدهم بأن مجرد المطالبة بالتعديل يهدد وجود العلاقة برمتها. إن الشراكة المختارة ليست شراكة خالية من الالتزامات، بل شراكة لا تتحول فيها الالتزامات إلى أدوات إكراه.
ثانياً: هندسة هامش المناورة الاستراتيجية
اقترحنا في المقالين السابقين مفهومين مترابطين: الصرامة الهادئة والقدرة على المبادرة الاستراتيجية. وهي ثنائية تستدعي إضافة مفهوم ثالث يمكن أن يمنحها أساساً عملياً أكثر وضوحاً. إنه مفهوم».هندسة هامش المناورة الاستراتيجية« ونقصد به العمل المنهجي الذي تقوم به الدولة لتوسيع خياراتها القابلة للتنفيذ، وتقليل تعرضها للضغوط الناتجة عن الاعتماد المفرط على شريك أو قطاع أو مورد بعينه. إن الأمر لا يتعلق بمجرد تكثير العلاقات الدبلوماسية أو توقيع الاتفاقيات. فقد تمتلك دولة شبكة واسعة من الشراكات دون أن تستفيد منها فعلياً عند مواجهة أزمة. كما قد تعلن مشاريع كبرى لا تتحول إلى أدوات استراتيجية بسبب غياب التمويل أو البنية التحتية أو الجدوى الاقتصادية. ولذلك ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات. المستوى الأول هو تنويع العلاقات، أي توسيع شبكة الشركاء المحتملين. والمستوى الثاني هو بناء القدرات، أي تحويل العلاقات إلى استثمارات ومهارات وبنيات تحتية ومصالح متبادلة. أما المستوى الثالث فهو قابلية توظيف هذه القدرات عند الحاجة، دون إلحاق أضرار غير متناسبة بالمصالح الوطنية. وهذا المستوى الأخير هو الذي يمنح البدائل قيمتها الاستراتيجية. فالبديل الذي لا يمكن استخدامه في الوقت المناسب لا يوسع هامش المناورة إلا بصورة نظرية. ومن هنا تتضح العلاقة بين هذا المفهوم والمِيتيس والكايروس. فالمِيتيس تساعد على تحديد الوسائل المناسبة وتطوير الخيارات. والكايروس يساعد على تقدير اللحظة التي يصبح فيها توظيف تلك الخيارات ملائماً. أما هندسة هامش المناورة الاستراتيجية فتعمل على ضمان وجود خيارات حقيقية عندما تحين تلك اللحظة.
ثالثاً: غرب المتوسط من مجال عبور إلى فضاء لإعادة تشكيل المصالح
يكتسب غرب البحر الأبيض المتوسط أهمية جيوستراتيجية تتجاوز وظيفته التقليدية باعتباره مجالاً للعبور بين إفريقيا وأوروبا. فهو فضاء تتقاطع فيه طرق التجارة البحرية، وشبكات الطاقة، والربط الكهربائي، وحركة الأشخاص، والمصالح الأمنية، والاستثمارات الصناعية واللوجستية. ويمنح الموقع المغربي، عند ملتقى المتوسط والأطلسي، إمكانات خاصة للمشاركة في هذه التحولات. غير أن الجغرافيا لا تنتج القوة تلقائياً. فالموقع الاستراتيجي لا يصبح مورداً فعلياً إلا عندما يرتبط بموانئ فعالة، وشبكات نقل، وقدرات إنتاجية، ومؤسسات قادرة على استقطاب الاستثمار وإدارة المشاريع العابرة للحدود. وقد أظهر تطور البنيات المينائية والصناعية المغربية أن الموقع الجغرافي يمكن تحويله إلى عنصر من عناصر الجاذبية الاقتصادية. لكن هذا التطور لا يلغي الحاجة إلى مواصلة بناء القدرات وتجاوز الاختلالات الداخلية. فالاقتصاد الذي يريد تعزيز استقلال قراره الخارجي يحتاج أيضاً إلى تحسين إنتاجيته، وتكوين موارده البشرية، وضمان أمنه المائي والطاقي، والرفع من فعالية مؤسساته. ومن ثم، فإن إعادة هندسة التوازنات الإقليمية لا تتحقق بالتحركات الدبلوماسية وحدها. إنها تتطلب تكاملاً بين السياسة الخارجية والتحول الاقتصادي الداخلي.
رابعاً: المغرب والبرتغال … الطاقة باعتبارها مجالاً لتوسيع الخيارات
يقدم التعاون الطاقي المغربي البرتغالي مثالاً واضحاً على كيفية ارتباط المشاريع الاقتصادية بهندسة هامش المناورة الاستراتيجية. ففي يوليو 2026، أعلن المغرب والبرتغال عزمهما إعادة إطلاق مشروع الربط الكهربائي بين البلدين، مع بحث إمكان تعبئة تمويل أوروبي واستثمارات خاصة. وتكمن أهمية هذا المشروع في أنه قد يضيف، إذا اكتملت دراساته وتوافرت شروط تنفيذه، مساراً جديداً للتبادل الكهربائي بين ضفتي المتوسط والأطلسي. ومن شأن تعدد مسارات الربط أن يعزز مرونة الشبكات ويسهم في تنويع خيارات التبادل الطاقي. غير أن من الضروري تجنب المبالغة في تفسير هذه المبادرة. فالمشروع لم يكن، عند الإعلان عن إعادة إطلاقه، بنية تحتية دخلت الخدمة بالفعل. كما أن الخيارات التقنية المتعلقة بمساره وتمويله وتنفيذه لا تزال عناصر حاسمة في تحديد أثره المستقبلي. ولا يصح بالتالي تقديمه باعتباره وسيلة جاهزة لتعويض التعاون الكهربائي المغربي الإسباني أو الاستغناء عنه. لكن أهميته الاستراتيجية المحتملة تكمن في مبدأ آخر. فكلما تعددت الروابط والشبكات، تقلصت مخاطر الاعتماد على مسار وحيد. وهذا لا يعني بالضرورة إضعاف إسبانيا أو تقليص مكانتها. بل قد يؤدي إلى تعزيز مرونة المنظومة الطاقية الإقليمية برمتها، بما يخدم مصالح المغرب والبرتغال وإسبانيا والاتحاد الأوروبي. وهنا يظهر الفرق بين تنويع الخيارات بقصد المواجهة وتنويعها بقصد تعزيز الاستقرار. فالأول ينظر إلى البديل باعتباره أداة لإلحاق الضرر بالشريك. أما الثاني فينظر إليه باعتباره وسيلة لتقليل الهشاشة وتحسين القدرة على التفاوض والتعاون. وفي هذا المعنى، لا يصبح المشروع المغربي البرتغالي ذا قيمة جيوستراتيجية لمجرد إمكان تجاوز مسار قائم، وإنما لأنه قد يسهم في بناء منظومة أكثر تنوعاً ومرونة.

خامساً: الولايات المتحدة … من التقارب السياسي إلى الاستثمار المنتج
تقدم العلاقات المغربية الأمريكية زاوية أخرى لفهم العلاقة بين الدبلوماسية وبناء القدرات. فالشراكة مع الولايات المتحدة تشمل أبعاداً أمنية وعسكرية واقتصادية وتكنولوجية متعددة. غير أن أهميتها الاستراتيجية لا تقاس فقط بمستوى التقارب السياسي أو بحجم التعاون الدفاعي. بل تتحدد أيضاً بمدى تحول هذا التقارب إلى استثمارات منتجة، ونقل للمعرفة، وتطوير للبنيات الصناعية والتكنولوجية. وفي يوليو 2026، أعلنت الوكالة الأمريكية للتجارة والتنمية دعم دراسة هندسية أولية لمشروع لإنتاج الأمونيا في العيون باستخدام تكنولوجيا أمريكية. ويكتسب هذا التطور دلالة اقتصادية وسياسية في آن واحد، بالنظر إلى موقع المشروع وحساسية السياق الدولي المرتبط بالصحراء. لكن التمييز بين الدراسة الأولية والاستثمار المنجز يظل ضرورياً. فتمويل الدراسات التقنية لا يعني أن المصنع قد شُيّد، ولا أن جميع الاستثمارات اللازمة أصبحت مضمونة. إنه يمثل مرحلة تمهيدية يمكن أن تفتح الطريق أمام قرارات استثمارية لاحقة إذا توافرت شروط الجدوى والتمويل والتنفيذ. ومن منظور جيوستراتيجي، تكمن أهمية مثل هذه المشاريع في إمكان مساهمتها مستقبلاً في تنويع القاعدة الإنتاجية وتعزيز ارتباط الاقتصاد المغربي بسلاسل قيمة دولية جديدة. غير أن تحويل هذه الإمكانات إلى قدرات فعلية يتطلب استثمارات مستدامة، وكفاءات تقنية، وتكاملاً صناعياً محلياً، وتقييماً دقيقاً للآثار البيئية والاجتماعية. فالاستثمار الأجنبي لا يعزز الاستقلال الاستراتيجي بصورة آلية. وقد يؤدي، إذا لم يُحسن تدبيره، إلى أشكال جديدة من الاعتماد على التمويل أو التكنولوجيا أو الأسواق الخارجية. لذلك ينبغي أن يكون معيار النجاح هو مقدار القيمة المضافة المحلية والقدرات التي يكتسبها الاقتصاد الوطني، لا مجرد عدد الاتفاقيات الموقعة أو حجم المشاريع المعلنة.
سادساً: تنويع الشراكات لا يعني استبدال تبعية بأخرى
يطرح توسيع العلاقات مع الولايات المتحدة وروسيا والصين واليابان وشركاء آخرين سؤالاً يتعلق بطبيعة التنويع ذاته. فالمطلوب ليس الانتقال من اعتماد مفرط على شريك أوروبي إلى اعتماد مماثل على قوة دولية أخرى. إنما بناء شبكة علاقات تتيح للمغرب الاستفادة من فرص متعددة مع المحافظة على قدرته على اتخاذ القرار. وهنا ينبغي التمييز بين الانفتاح الاقتصادي والاصطفاف الجيوسياسي. فالتعاون مع دولة في مجال الطاقة أو التكنولوجيا أو الصيد البحري لا يعني بالضرورة تبني جميع مواقفها السياسية أو الدخول في خصوماتها الدولية. كما أن تطوير العلاقات مع قوة دولية لا يستلزم إضعاف العلاقات مع شركاء آخرين. ويقدم قطاع الصيد البحري مثالاً مناسباً على هذه المسألة. فقد انتهى البروتوكول التنفيذي الأخير لاتفاق الصيد البحري بين المغرب والاتحاد الأوروبي في يوليو 2023، وبقي الاتفاق دون بروتوكول نشط يتيح استئناف نشاط الأسطول الأوروبي في الإطار السابق. وفي المقابل، استمر المغرب في تطوير علاقاته مع شركاء آخرين، ومنهم روسيا، في مجالات مرتبطة بالموارد البحرية. غير أن هذه التطورات لا ينبغي اختزالها في انتقال بسيط من شريك إلى آخر. فالعلاقات البحرية تخضع لاعتبارات قانونية واقتصادية وبيئية، كما تتأثر بالخلافات المتعلقة بالمجالات البحرية وبالتزامات الاستدامة. ومن ثم، فإن تنويع الشركاء لا يعفي من ضرورة ضمان شفافية الاتفاقيات، وحماية الموارد، واحترام الأطر القانونية المعمول بها. والأهم أن القيمة الاستراتيجية للتنويع لا تكمن في استبدال اسم شريك باسم آخر. إنها تكمن في امتلاك القدرة على التفاوض مع أكثر من طرف دون أن تصبح العلاقة مع أي منهم شرطاً حصرياً لاستمرار النشاط الاقتصادي.
سابعاً: الشراكات الأمنية بين الردع وضبط التصعيد
لا يمكن تناول هامش المناورة الاستراتيجية دون التطرق إلى البعد الأمني والدفاعي. فقدرة الدولة على حماية أراضيها ومصالحها ومجالاتها البحرية والجوية تشكل أحد عناصر استقلال قرارها. غير أن امتلاك الوسائل الدفاعية لا ينبغي الخلط بينه وبين الرغبة في استخدامها. فمن وظائف الردع تقليل احتمال المواجهة عبر رفع كلفتها المتوقعة. وتصبح هذه الوظيفة أكثر اتساقاً مع مفهوم الصرامة الهادئة عندما تقترن بالانضباط السياسي والدبلوماسي. فالدولة التي تطور قدراتها الدفاعية تستطيع، من حيث المبدأ، أن تدعم قدرتها على اتخاذ القرار دون أن تجعل التصعيد خيارها الأول .لكن هذا الأثر يتوقف على طبيعة القدرات المتاحة ودرجة جاهزيتها والتوازنات الإقليمية وكيفية إدراك الأطراف الأخرى لها.كما ينبغي التمييز بين الموافقة على صفقة تسليح، وتوقيع العقد، وتسليم المعدات، وبلوغها الجاهزية العملياتية. فهذه مراحل مختلفة لا يجوز جمعها في استنتاج واحد عن ميزان القوة. ففي الحالة المغربية الإسبانية، لا تبدو المصلحة الاستراتيجية المشتركة قائمة على تحويل الخلافات إلى سباق مواجهة. فالبلدان يرتبطان بتحديات أمنية مشتركة تتعلق بالإرهاب والجريمة المنظمة والتهريب والهجرة والأمن البحري. ولذلك فإن تطوير القدرات الوطنية يمكن أن يتعايش مع استمرار التعاون الأمني، شريطة أن تظل قنوات الاتصال مفتوحة وأن تُدار الخلافات وفق آليات تقلل مخاطر سوء التقدير. إن الصرامة الهادئة لا تستمد مشروعيتها من التلويح بالقوة، وإنما من القدرة على جعل القوة المحتملة سنداً للاستقرار لا سبباً لتقويضه.
ثامناً: من أمن الحدود إلى أمن المصالح المتبادلة
إذا كان المقال الثاني قد ركز على ضرورة إعادة توزيع المسؤوليات في مجال الهجرة، فإن المقال الثالث يدعو إلى توسيع زاوية النظر نحو مفهوم أشمل للأمن الإقليمي. فأمن الحدود ليس سوى أحد أبعاد العلاقة بين المغرب وإسبانيا والاتحاد الأوروبي. وهناك أيضاً أمن الطاقة والأمن الغذائي وأمن سلاسل الإمداد والأمن البحري والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. وقد أظهرت الأزمات الدولية المتعاقبة أن اضطراب أحد هذه المجالات يمكن أن ينعكس سريعاً على المجالات الأخرى. ومن ثم، فإن الاقتصار على التعاون الأمني في ملف الهجرة يجعل الشراكة عرضة للتوتر كلما وقعت أزمة حدودية. أما توسيع التعاون ليشمل المصالح الاقتصادية والاستراتيجية المتبادلة فيمكن أن يخلق حوافز أقوى للمحافظة على استقرار العلاقة. وهذا لا يعني أن كثافة المصالح الاقتصادية تمنع النزاعات بصورة حتمية. فالتاريخ يقدم أمثلة عديدة على استمرار الخلافات الحادة بين دول تربطها علاقات تجارية واسعة.
لكن الاعتماد المتبادل، حين يكون متوازناً ومصحوباً بمؤسسات فعالة، قد يزيد كلفة التصعيد ويدفع الأطراف إلى البحث عن حلول تفاوضية. ومن هنا يمكن النظر إلى المبادرة المغربية المعلنة باعتبارها فرصة محتملة للانتقال من تعاون يتمحور حول ضبط التدفقات إلى شراكة أوسع تتناول أسباب عدم الاستقرار ومصادره الاقتصادية والاجتماعية والأمنية.
تاسعاً: المبادرة الاستراتيجية ليست إعلاناً بل مساراً مؤسساتياً
يقتضي التحليل العلمي التمييز بين الإعلان عن رؤية استراتيجية وبين تحقق آثارها. فالخطاب الملكي أعلن نية تقديم تصور جديد للشركاء. لكن الحكم على نجاح هذه المبادرة يتطلب معرفة مضمونها، وطبيعة الالتزامات المقترحة، ومواقف الأطراف المعنية، وآليات التنفيذ والتقييم. ومن ثم، فإن الحديث عن إعادة هندسة العلاقات لا ينبغي أن يتحول إلى افتراض مسبق بأن قواعد الشراكة قد تغيرت بالفعل. الأدق أن نقول إن المبادرة تفتح احتمالاً لإعادة التفاوض حول بعض هذه القواعد. ويتوقف تحقق هذا الاحتمال على عوامل متعددة. منها مدى قدرة المغرب على تقديم تصور يجمع بين المصالح الوطنية والمنافع المشتركة. ومنها استعداد إسبانيا والاتحاد الأوروبي لمناقشة اختلالات النموذج الحالي دون اختزالها في المسؤوليات الأمنية. ومنها قدرة المؤسسات المعنية على تحويل المبادئ العامة إلى برامج واتفاقات قابلة للتنفيذ. كما يتوقف الأمر على مدى وضوح الأهداف وتحديد الأولويات والموارد والآجال. فالاستراتيجية التي لا تتضمن آليات للتنفيذ والتقييم تظل أقرب إلى إعلان النوايا. أما المبادرة التي تنجح في إنشاء ترتيبات مؤسساتية جديدة، فإنها قد تؤثر فعلياً في قواعد التعاون. وهنا تتضح أهمية الانتقال من الخطاب إلى الهندسة المؤسسية. فالمبادرة الاستراتيجية لا تكتمل بمجرد اقتراح تصور جديد. إنها تحتاج إلى القدرة على تحويل التصور إلى التزامات ومؤسسات ونتائج قابلة للقياس.
عاشراً: هل يمكن للمغرب أن يصبح شريكاً في صياغة القواعد؟
يشكل هذا السؤال جوهر التحول الذي تسعى هذه السلسلة إلى استكشافه. ففي العلاقات الدولية، توجد فروق مهمة بين الدولة التي تتكيف مع قواعد يضعها غيرها، والدولة التي تشارك في التفاوض حول تلك القواعد، والدولة التي تمتلك من الموارد والنفوذ ما يسمح لها بالتأثير في صياغتها. لا يتعلق الأمر هنا بتصنيف جامد للدول. فقد تكون الدولة مؤثرة في مجال معين وأقل تأثيراً في مجال آخر. وقد تمتلك قدرة تفاوضية مرتفعة في قضية أمنية دون أن تتمتع بالمكانة نفسها في المجالات المالية أو التكنولوجية. لذلك ينبغي تقييم القدرة المغربية على المبادرة بحسب القطاعات والملفات، لا باعتبارها خاصية عامة تتحقق بمجرد إعلانها. ففي مجال الهجرة، يمتلك المغرب أهمية جغرافية وأمنية تجعل تعاونه مؤثراً في السياسات الأوروبية. وفي مجالات الطاقة والربط اللوجستي والتجارة، تتطور إمكاناته تبعاً للمشاريع والاستثمارات والبنيات المتاحة. أما في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والتمويل الدولي، فتظل الحاجة إلى تطوير القدرات وتقليل التبعية قائمة. ومن ثم، فإن التحول من شريك يستجيب إلى شريك يشارك في صياغة القواعد يقتضي الجمع بين القوة التفاوضية القطاعية وبناء قدرات وطنية طويلة الأمد. ولا ينبغي قياس هذا التحول بعدد المبادرات المعلنة وحده، بل بمدى انعكاسها على طبيعة الاتفاقيات وآليات اتخاذ القرار وتوزيع المنافع والمسؤوليات.
حادي عشر: الصرامة الهادئة بين القوة والشرعية والمصداقية
تسمح لنا هذه القراءة بالعودة إلى أحد المحاور الكبرى في التفكير في القيادة السياسية: العلاقة بين القوة والشرعية. فالقوة قد تتيح للدولة فرض كلفة على الآخرين، لكنها لا تضمن وحدها بناء تعاون مستدام. أما الشرعية والمصداقية فتسهمان في جعل التعاون مقبولاً ومفيداً للأطراف المعنية. ومن هنا فإن القدرة على المبادرة لا ينبغي أن تختزل في امتلاك وسائل الضغط. فالدولة قد تملك أدوات مؤثرة لكنها تستخدمها بطريقة تضعف الثقة بها وتدفع شركاءها إلى البحث عن بدائل. وفي المقابل، قد تنجح دولة في تعزيز موقعها التفاوضي عبر تقديم مشاريع تحقق مصالح مشتركة وتجعل التعاون معها أكثر جاذبية. وهذا هو المعنى الذي يربط الصرامة الهادئة بفكرة القوة دون إكراه. فالقوة الأكثر استدامة ليست بالضرورة تلك التي تُظهر قدرتها على إلحاق الضرر بالآخر. قد تكون تلك التي تستطيع جعل التعاون معها خياراً عقلانياً ومفيداً. غير أن هذا لا يلغي وجود التنافس والخلاف في العلاقات الدولية. بل يعني أن القيادة الاستراتيجية الرشيدة تسعى إلى إدارة التنافس دون تحويله إلى خصومة شاملة، وإلى الدفاع عن المصالح الوطنية دون افتراض أن مصلحة الشريك نقيض لها بالضرورة. ومن هذه الزاوية، يصبح التحدي المغربي في علاقاته مع إسبانيا والاتحاد الأوروبي هو الجمع بين استقلال القرار ومصداقية الالتزام. فالاستقلال دون مصداقية قد يؤدي إلى العزلة. والمصداقية دون استقلال قد تتحول إلى قبول غير متوازن لشروط التعاون. أما الجمع بينهما فيؤسس لشراكة أكثر نضجاً.
ثاني عشر: غرب المتوسط بين منطق التنافس وإمكانات التكامل
تتداخل في غرب المتوسط مصالح دولية وإقليمية متعددة. فإلى جانب المغرب وإسبانيا والبرتغال، يحضر الاتحاد الأوروبي وقوى دولية أخرى من خلال التجارة والاستثمار والطاقة والتكنولوجيا والتعاون الأمني. وقد يؤدي تعدد الفاعلين إلى زيادة التنافس على الموارد والأسواق والمواقع الاستراتيجية. لكنه قد يفتح أيضاً فرصاً لبناء ترتيبات تعاون جديدة. ومن الخطأ افتراض أن كل مكسب يحققه المغرب يمثل بالضرورة خسارة لإسبانيا، أو أن كل مشروع يربط المغرب بشريك جديد يستهدف تقليص مكانة الشركاء التقليديين. فهذه القراءة الصفرية لا تستوعب الطبيعة المركبة للعلاقات الاقتصادية المعاصرة. قد يستفيد المغرب من تنويع روابطه الطاقية، وتستفيد إسبانيا والبرتغال من زيادة مرونة الشبكات الإقليمية. وقد يؤدي تطوير الموانئ والبنيات اللوجستية المغربية إلى تعزيز المنافسة في بعض الأنشطة، لكنه قد يخلق في الوقت نفسه فرصاً جديدة للتكامل التجاري والصناعي.
كما يمكن لتوسيع التعاون الاقتصادي بين ضفتي المتوسط أن يسهم في معالجة بعض العوامل المرتبطة بالهجرة، دون الادعاء بأنه سيقضي عليها. ومن ثم، فإن إعادة هندسة التوازنات الجيوستراتيجية لا ينبغي أن تعني بالضرورة إعادة توزيع الخسائر والمكاسب وفق منطق الغلبة. بل يمكن أن تعني أيضاً تطوير قواعد جديدة تسمح بتوسيع المنافع المشتركة وتقليل مصادر الهشاشة. وهذا الاحتمال هو الذي يمنح المبادرة الاستراتيجية بعدها البنّاء.
عود على بدء عام للسلسلة: من الصرامة الهادئة إلى هندسة القدرة على الاختيار
انطلقت هذه السلسلة من قراءة جيوسياسية وجيوستراتيجية للخطاب الملكي في سياق أزمة الهجرة بسبتة وتطور العلاقات المغربية الإسبانية والأوروبية. لم يكن الهدف منها إعادة شرح الخطاب أو تقديم تعليق سياسي على عباراته، وإنما استكشاف ما يتيحه من أسئلة تتعلق بفلسفة القيادة وإدارة الأزمات وبناء الاستقلال الاستراتيجي. في المقال الأول، تناولنا الهدوء باعتباره اختياراً قد يعكس قدرة على ضبط ردود الفعل وتحديد أولويات الاستجابة. وقمنا بربطه بمفهوم الصرامة الهادئة، الذي يجمع بين وضوح الغايات ومرونة الوسائل وحسن تقدير التوقيت. وفي المقال الثاني، انتقلنا إلى مساءلة نموذج التعاون في مجال الهجرة، مبرزين أن الشراكة المستدامة تحتاج إلى توزيع واضح للمسؤوليات، واحترام الالتزامات القانونية والإنسانية، وتجاوز توظيف الأزمات في الصراعات السياسية الظرفية. أما في المقال الثالث، فقد حاولنا تحديد الشروط التي تجعل الصرامة الهادئة والمبادرة الاستراتيجية قابلتين للتحول إلى ممارسة مؤثرة. ووجدنا أن هذه الشروط ترتبط ببناء القدرات الوطنية، وتنويع الشراكات، وتطوير البنيات الاقتصادية والطاقية والتكنولوجية، وإنشاء ترتيبات مؤسساتية تسمح بتحويل الرؤى إلى نتائج. فمن خلال هذه المستويات الثلاثة، تتضح العلاقة بين مفاهيم المِيتيس والكايروس والصرامة الهادئة والقدرة على المبادرة الاستراتيجية. فالمِيتيس تمنح القيادة ذكاء الوسائل. والكايروس يمنحها حساسية التوقيت. والصرامة الهادئة تضبط أسلوب ممارسة القرار. أما القدرة على المبادرة الاستراتيجية فتسمح بالانتقال من الاستجابة إلى التأثير في شروط العلاقة. لكن هذه القدرة تظل محدودة إذا لم تسندها هندسة واعية لهامش المناورة. ومن هنا نقترح أن تشكل هندسة هامش المناورة الاستراتيجية الحلقة التي تصل بين فلسفة القيادة وبناء القدرة الفعلية على الاختيار. فالدولة التي تمتلك خيارات متعددة لا تصبح بالضرورة أكثر حكمة في استخدامها. لكن الدولة التي تفتقر إلى البدائل قد تجد نفسها مضطرة إلى قبول شروط لا تنسجم تماماً مع مصالحها. فمهمة القيادة الاستراتيجية تتمثل في الجمع بين الأمرين: بناء الخيارات وحسن توظيفها. ففي الحالة المغربية، لا ينبغي أن يكون الهدف إضعاف العلاقات مع إسبانيا أو الاتحاد الأوروبي، بل تطويرها على أسس تجعل التعاون أكثر توازناً واستدامة. فالشراكة التي تقوم على المصالح المتبادلة لا تحتاج إلى إنكار الخلافات التاريخية أو السياسية، كما لا تحتاج إلى تحويلها إلى مواجهات دائمة. إنها تحتاج إلى الثقة والمصداقية ووضوح الالتزامات والقدرة على مراجعة الاختلالات. وعليه، فإن التحول الذي يستحق المتابعة ليس مجرد انتقال المغرب من موقف هادئ إلى موقف أكثر حزماً، ولا من شريك تقليدي إلى شركاء جدد. إنه احتمال انتقال أعمق: من إدارة الاعتماد المتبادل وفق قواعد قائمة إلى المساهمة في تطوير تلك القواعد بفضل اتساع الخيارات والقدرات. ولا يمكن اعتبار هذا التحول منجزاً قبل أن تؤكده السياسات والاتفاقيات والمشاريع التي تدخل حيز التنفيذ.
لكن الخطاب الملكي، وما تلاه من تطورات، يتيحان طرحه بوصفه فرضية جيوستراتيجية جديرة بالبحث. ويمكن اختزال الأطروحة التي تنتهي إليها هذه السلسلة في العبارة التالية: “لا تكتمل السيادة بالقدرة على رفض ما لا نريده، بل تتعزز بالقدرة على بناء الخيارات التي تسمح لنا باختيار ما نريده” ذلك أن الصرامة الهادئة لا تبلغ أفقها الاستراتيجي بمجرد التحكم في ردود الفعل، وإنما حين تسندها قدرة فعلية على المبادرة، وتمنحها هندسة متجددة للخيارات. وهنا تتحول الشراكة من علاقة تفرضها محدودية البدائل إلى علاقة يختارها الشركاء عن اقتناع بمصالحهم المشتركة.
.

.

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد