من تجديد الولاية إلى تعثر مجلس الأمن في التوافق على مستقبل البعثة.. تحولات دبلوماسية تعكس انتقال ملف الصحراء المغربية إلى مرحلة مفصلية

ريتاج بريس : صفاء ايت حوسة

يشكل انتهاء ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء (المينورسو)، يوم 31 أكتوبر 2026، محطة بارزة في تاريخ النزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية، ليس فقط باعتباره نهاية لولاية أممية استمرت لأكثر من ثلاثة عقود، وإنما بالنظر إلى السياق السياسي والدبلوماسي الذي رافق هذا التطور، وما كشف عنه من تحولات في مواقف القوى الدولية، ومن صعوبات متزايدة في التوصل إلى توافق داخل مجلس الأمن بشأن مستقبل البعثة والإطار الذي ينبغي أن يحكم العملية السياسية.
ويأتي هذا التطور بعد جلسة مجلس الأمن المنعقدة في 30 أكتوبر 2026، التي أخفق خلالها الأعضاء في اعتماد مشروعي قرار متنافسين، أحدهما أمريكي والآخر روسي، لتنتهي بذلك ولاية المينورسو دون صدور قرار جديد بتمديدها.
القرار 2797.. محطة مفصلية في مسار الملف
لفهم دلالات التطورات الأخيرة، لا بد من العودة إلى القرار 2797، الذي اعتمده مجلس الأمن في 31 أكتوبر 2025، ومدد بموجبه ولاية بعثة المينورسو إلى غاية 31 أكتوبر 2026.
وقد حمل القرار أهمية سياسية خاصة، من خلال دعمه لجهود الأمين العام ومبعوثه الشخصي الرامية إلى تيسير المفاوضات، مع اتخاذ مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب سنة 2007 أساساً لهذه المفاوضات، بهدف التوصل إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول من الأطراف، وفقاً لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة.
كما دعا القرار الأطراف إلى الانخراط في المباحثات دون شروط مسبقة، على أساس المبادرة المغربية، وأشار إلى أن الحكم الذاتي الحقيقي يمكن أن يشكل إحدى أكثر النتائج قابلية للتحقق.
ولم تقتصر أهمية القرار على تجديد ولاية البعثة، بل شملت أيضاً طلب إجراء مراجعة استراتيجية لمستقبل مهامها، مع الأخذ بعين الاعتبار نتائج المفاوضات السياسية. وهو ما فتح الباب أمام نقاش أوسع بشأن طبيعة الدور الأممي في المرحلة المقبلة، ومدى ملاءمة استمرار الصيغة التقليدية للبعثة مع التحولات التي يعرفها المسار السياسي.
30 أكتوبر 2026.. مجلس الأمن أمام مشروعين متعارضين
شكل اجتماع مجلس الأمن المنعقد في 30 أكتوبر محطة غير مسبوقة في مسار التجديد السنوي لولاية المينورسو.
فقد قدمت الولايات المتحدة مشروع قرار اقترح إدخال تغييرات جوهرية على طبيعة البعثة ومهامها، من بينها تغيير تسميتها إلى بعثة الأمم المتحدة للحل السياسي في الصحراء، بما يؤدي إلى حذف الإشارة إلى الاستفتاء من اسمها، وإعادة توجيه دورها نحو مواكبة المسار السياسي.
كما تضمن المشروع الأمريكي تأكيداً على أن الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية يمثل الحل الوحيد القابل للتفاوض، مع اقتراح إنهاء الصيغة الحالية لعمليات حفظ السلام ابتداءً من 30 أبريل 2027، والتحول بعد ذلك إلى بعثة سياسية خاصة لفترة انتقالية.
وحصل المشروع على تأييد 11 عضواً من أصل 15، غير أن استخدام روسيا حق النقض حال دون اعتماده، رغم حصوله على أغلبية الأصوات.
في المقابل، تقدمت روسيا بمشروع مضاد يهدف أساساً إلى تمديد ولاية المينورسو لمدة سنة إضافية، إلى غاية 31 أكتوبر 2027، دون إدخال التغييرات المقترحة على طبيعة البعثة أو تسميتها.
لكن المشروع الروسي لم يحصل بدوره على الأصوات التسعة المطلوبة لاعتماده، إذ حظي بثلاثة أصوات مؤيدة، مقابل صوت أمريكي معارض، وامتناع 11 عضواً.
وهكذا وجد مجلس الأمن نفسه أمام وضع استثنائي: مشروع أمريكي لم يمر بسبب الفيتو الروسي، ومشروع روسي لم يحصل على الأغلبية اللازمة، وهو ما أدى إلى عدم تجديد ولاية البعثة عند حلول موعد انتهائها.
المغرب.. من منطق تدبير النزاع إلى منطق تغيير معادلاته
في أعقاب هذا التطور، اعتبر بلاغ الديوان الملكي الصادر في 30 أكتوبر 2026 أن عدم تجديد ولاية المينورسو يشكل تطوراً مهماً وخطوة ذات دلالة في اتجاه الإغلاق النهائي لملف الصحراء المغربية داخل الأمم المتحدة.
وأكد البلاغ أن هذا التحول يتزامن مع الاحتفاء بعيد الوحدة، الذي أقره الملك محمد السادس، باعتباره تعبيراً عن الانتقال من منطق تدبير الملف إلى مقاربة تستهدف تغيير معاييره ومحدداته بشكل عميق.
كما شدد على أن عدم تجديد ولاية البعثة يعني أن وجودها في الأقاليم الجنوبية للمملكة، بما يشمل أفرادها ومركباتها ومعداتها ورموزها، ينبغي أن ينتهي خلال الأيام المقبلة.
وفي المقابل، أكد المغرب تشبثه بوقف إطلاق النار، وحرصه على صيانة وحدته الترابية وأمنه الوطني وسلامة مواطنيه، مع مواصلة الدينامية الدبلوماسية التي يقودها الملك محمد السادس على المستويين الثنائي والإقليمي.
وسجل البلاغ أن هذه الدينامية استطاعت حشد دعم أكثر من ثلثي الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، بما فيها دول دائمة العضوية في مجلس الأمن وقوى دولية مؤثرة، لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتبارها الإطار الوحيد لتسوية هذا النزاع الإقليمي.
نهاية ولاية البعثة.. هل تعني نهاية المسار الأممي؟
رغم الأهمية السياسية لانتهاء ولاية المينورسو، فإن القراءة الدقيقة للتطورات تقتضي التمييز بين انتهاء الولاية القانونية للبعثة وعدم تجديدها، وبين الحسم النهائي في النزاع على المستوى الدولي.
فعدم اعتماد أي من مشروعي القرار لا يعني أن مجلس الأمن تبنى قراراً جديداً بإغلاق الملف، كما لا يعني صدور قرار أممي صريح ينهي بشكل نهائي جميع أشكال الانخراط الأممي في القضية.
بل إن ما وقع يعكس، في جانب منه، تبايناً واضحاً بين القوى الكبرى حول مستقبل البعثة وطبيعة الحل السياسي، خاصة في ظل تمسك واشنطن بإعادة صياغة دورها، مقابل اعتراض موسكو على ما اعتبرته توجهاً أحادياً، وحرصها على استمرار الوجود الأممي وفق الصيغة السابقة.
وقد عبّرت فرنسا والمملكة المتحدة عن مخاوفهما من التداعيات التي قد تترتب على الإغلاق المفاجئ للبعثة، خصوصاً في ظل استمرار التوترات الميدانية، والحاجة إلى آليات تساهم في بناء الثقة ومنع التصعيد.
كما أن استمرار الخلاف حول مستقبل المينورسو يعيد إلى الواجهة سؤال الضمانات الدولية المرتبطة بمراقبة الوضع الميداني، ودور الأمم المتحدة في الحفاظ على الاستقرار الإقليمي.
رهانات المرحلة المقبلة
يضع انتهاء ولاية المينورسو مختلف الأطراف أمام مرحلة جديدة تتطلب إعادة تقييم الخيارات السياسية والدبلوماسية المتاحة.
فبالنسبة للمغرب، يمثل هذا التطور فرصة لتعزيز المقاربة التي يدافع عنها منذ سنوات، والقائمة على جعل الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أساساً واقعياً وعملياً للتسوية السياسية، والاستفادة من التحولات التي شهدتها مواقف عدد متزايد من الدول.
أما على مستوى الأمم المتحدة، فإن فشل مجلس الأمن في التوافق يطرح تحدياً يتعلق بكيفية الحفاظ على قنوات الوساطة السياسية، وضمان عدم تحول غياب التجديد إلى عامل إضافي لعدم الاستقرار.
كما أن مستقبل المسار السياسي سيظل مرتبطاً بمدى استعداد الأطراف المعنية للانخراط في مفاوضات جدية، وبقدرة القوى الدولية على تجاوز خلافاتها بشأن آليات الحل، دون التفريط في مقتضيات الاستقرار الإقليمي.
إن انتهاء ولاية بعثة المينورسو بعد 35 سنة من إنشائها لا يمثل مجرد محطة إدارية في تاريخ عمليات حفظ السلام الأممية، بل يعكس لحظة سياسية مفصلية تفرض إعادة التفكير في طبيعة التدخل الدولي في النزاع حول الصحراء المغربية.
وبين التحولات التي حملها القرار 2797، وتعثر مجلس الأمن في أكتوبر 2026، تبرز حقيقة أساسية مفادها أن المرحلة المقبلة لن تكون امتداداً آلياً لما سبقها، بل ستتحدد وفق موازين دبلوماسية جديدة، ومدى قدرة الأطراف على الانتقال من إدارة نزاع طال أمده إلى تسوية سياسية نهائية ومستدامة.

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد