ريتاج بريس :محمد الدريهم
لم يكن ما احتضنته قاعة المحاضرات بجامعة الأخوين بإفران مساء يوم الإثنين 02 نونبر 2026 مجرد حفل موسيقي عادي، بل كان بيانا حقيقيا للدبلوماسية الثقافية، حيث تحاورت الموسيقى الكلاسيكية الغربية العريقة مع التراث الأمازيغي الأصيل.
ففي إطار فعاليات الدورة الثانية من مشروع “أصوات من أجل المغرب – Sons pour le Maroc”، قدمت مؤسسة أوركسترا الشباب العالمية World Youth Orchestra، التي تحتفل هذه السنة بمرور 25 سنة على تأسيسها، عرضا فنيا استثنائيا جمع بين الموسيقى والسرد الحكائي، تحت شعار “الموسيقى والسرد الشعبي، جسر بين إيطاليا والمغرب”.
هذا المشروع الطموح، المنظم بتعاون مع سفارة إيطاليا بالرباط، والمعهد الثقافي الإيطالي بالرباط، والمعهد الوطني العالي للموسيقى وفن الرقص INSMAC، والمعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي ISADAC، وبدعم من وزارة الرياضة والشباب الإيطالية ومؤسسة CDP، يندرج بالكامل ضمن أهداف “خطة ماتيي” التي أطلقتها الحكومة الإيطالية، والتي تهدف إلى جعل الشباب محركا للحوار والتعاون بين إيطاليا والمغرب ومنطقة المتوسط.
عرض فني منسوج بخيوط الموسيقى والحكاية
بعيدا عن كونه مجرد تتابع لمقطوعات موسيقية، جاء الحفل كعرض متكامل صممه المايسترو داميانو جيورانا” Damiano Giuranna”القيادة الموسيقية والعزف على الكمان و فاليريا ألميريغي Valeria Almerighi الإخراج المسرحي، مع الاستشارة العلمية لـ سارة أوتمامات Sara Outamamat، ليكون بمثابة نسيج فني راق يزاوج بين الموسيقى والسرد الشعبي. فمن جهة، تجلت روعة التراث الغربي من خلال أداء السداسي الوتري لبرامز Brahms Sextuor en si bémol majeur op.18 n.1 بأجزائه الأربعة الشهيرة. ومن جهة أخرى، حضرت الذاكرة الحية لضفتي المتوسط من خلال باقة من الأعمال المستوحاة من التراث الشعبي الإيطالي والمغربي، بتوزيع موسيقي للمبدعين محسن خنوس وداميانو جيورانا، تناوبت مع حكايات أمازيغية وإيطالية، وهي : رجال البلاد Rijal Lablad, موي هانا ,Moi Hana, روزايال Rozaya, تارانتيلا: حب من ذهب في صدر متواضع Tarantella Amor d’oro in umil pett, أطبير Atbir, مجد ميلاد الملك Natalis Regis Gloria – قصيدة غير منشورة و بالوميلا Palummella
وقد تخللت هذه المقطوعات حكايات أمازيغية خالدة مثل “غربال الخير والشر” و “عطوش وفاضل”، وحكايات إيطالية من تراث جيامباتيستا بازيل Giambattista Basile.
شباب متعدد الثقافات يصنع الحدث
هذا اللقاء الفني الفريد لم يكن ليتحقق لولا مجموعة استثنائية متعددة الأجيال والثقافات فمن الجانب الإيطالي (أوركسترا الشباب العالمية) : جيونا ماسون Giona Mason – كمان، ماتيو فيرزالي Matteo Verzari – آلة الفيولا، فرانشيسكو تشانكاليوني Francesco Ciancaleoni – فيولا، ميكيلي فيسكي Michele Vischi – تشيلو، إنريكو إفغيني زامبون Enrico Evgenij Zambon – تشيلو. ومن الجانب المغربي (معهد INSMAC) : وردة رضا – كمان، عبد الرحمان الوحيدي – كمان، مجدولين الشهيدي وزاني – آلة الكيبورد، محمد الكايدي – القانون، ياسين زفتاري ورياض شاش – الدربوكة.صوت الحكاية (معهد ISADAC) : سارة منصور، المهدي زريولي، عبد الرحمان السنوسي، يسرى ادريبلة، عبد الصمد برايمالي.
وقد سبق هذا الحفل الختامي تنظيم ندوات تكوينية مكثفة في الرباط، شكلت مختبرا إنسانيا وفنيا حقيقيا للتبادل بين الشباب.
تصريحات رسمية تؤكد عمق الشراكة
لخصت تصريحات المسؤولين روح هذه الدورة :السيدة سيرينا تشينكويغرانا Serena Cinquegrana عن المعهد الثقافي الإيطالي بالرباط / سفارة إيطاليا أكدت :”نحن سعداء جدا بتنظيم هذه الحفلات الليلة في جامعة الأخوين. ليس هذا أول مشروع تعاون ثقافي نقوم به هنا في الجامعة، التي تربطنا بها منذ مدة طويلة علاقات تعاون ممتازة، وقد جلبنا إليها من قبل مواهب شابة. هذه الليلة أيضا، هذا الحفل موجه للجمهور المغربي. إنه حفل يجمع مواهب شابة من إيطاليا والمغرب، أوركسترا الشباب العالمية بستة موسيقيين إيطاليين، وطلبة خريجين من المعهد الوطني للموسيقى وفن الرقص وشباب ممثلين من المعهد العالي للفن المسرحي. الليلة، هذا الحفل سيقرب التقاليد الإيطالية من التقاليد المغربية. سنستمع إلى بعض الموسيقى، وأيضا إلى قصائد من الأدب الإيطالي ومن التراث الأمازيغي لهذا البلد الرائع.”
السيد الشرايبي، عميد مكلف بالشؤون الطلابية بجامعة الأخوين بإفران :” نحن سعداء جدا باستقبال هذه التظاهرة الفنية اليوم. نتمنى أن يكون يوم عيد وفرح في جامعة الأخوين. كما تعلمون، جامعة الأخوين مبنية على النموذج الأمريكي القائم على الفنون الحرة والعلوم Liberal Arts.Beyond التكوين التقني الذي يتلقاه طلبتنا، نود أن يطوروا معارفهم في العديد من المجالات والتخصصات الأخرى. تظاهرتنا اليوم مميزة، لأنها منظمة بشراكة مع سفارة إيطاليا بالمغرب. وتكمن أهمية هذا الحدث في العمل الفني الذي تم إنجازه، والذي يجمع مدارس ومؤسسات مغربية مكرسة للفنون والمسرح.” وهو ما أكده السفير الإيطالي بالمغرب باسكوالي سالزانو Pasquale Salzano بقوله : “الثقافة فضاء مميز للقاء بين الشعوب، قادرة على خلق روابط عميقة ودائمة”، وكذا رئيس مؤسسة WYO أدولفو فانوتشي Adolfo Vannucci : “الموسيقى هي اللغة العالمية الوحيدة التي تُقرأ وتُعزف وتُغنى بنفس الطريقة في كل أنحاء العالم. إنها توحد الشعوب”.
في تلك الليلة بإفران، تحدثت تلك اللغة العالمية بالأمازيغية والعربية والإيطالية والفرنسية، لتؤكد حقيقة واحدة لا غير : الموسيقى تصنع الأخوة.
