الرباط :زينب الدليمي
دق خبراء وباحثون ناقوس الخطر بشأن قدرة منظومات التعليم على مواكبة التحولات المتسارعة التي يفرضها الذكاء الاصطناعي، داعين إلى مراجعة اليات ضمان الجودة والتقييم وتجاوز المقاربات التقليدية التي لم تعد قادرة على الاستجابة للتغيرات المتلاحقة في المعرفة وأساليب التدريس ومتطلبات سوق الشغل
وشدد المشاركون في المؤتمر الدولي للجودة والتقييم، الذي احتضنته المدرسة الوطنية العليا للفنون والمهن بالرباط يومي 28 و29 أكتوبر ، على أن التحول الرقمي يفرض إعادة التفكير في أسس جودة التعليم المدرسي والعالي والهندسي، بما يضمن تطوير الممارسات التربوية وتعزيز الإنصاف وتكافؤ الفرص، مع الحفاظ على التفكير النقدي والقيم الإنسانية في مواجهة التوسع المتزايد لاستخدام التقنيات الذكية ، مشيرين إلى الإشكالات التي تطرحها الفجوة بين التطور التكنولوجي المتسارع وبطء أنظمة ضمان الجودة والتقييم المعتمدة في المؤسسات التعليمية، و أن عمليات المراجعة والاعتماد لا تزال، في كثير من الحالات تخضع لمساطر طويلة لا تتلاءم مع السرعة التي تتغير بها المعارف وطرق التدريس وأدوات القياس والتقييم
واعتبر نفس المصدر ، أن تجاوز هذه الإشكالية يستدعي إحداث تحول في مفهوم الجودة، من خلال الانتقال من التركيز على احترام المعايير الثابتة إلى اعتماد مقاربة تقوم على مدى قدرة المؤسسات التعليمية ، على تحقيق أهدافها ومراجعة أدائها باستمرار، بما يتيح لها التكيف مع التحولات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية
كما ناقش الخبراء مستقبل التدريس الجامعي في ظل التحولات الرقمية، وسبل تفعيل التقييم الذاتي للمؤسسات التعليمية، والعلاقة بين الذكاء الاصطناعي واللغة والتعلم، إلى جانب تكوين أساتذة التعليم العالي للتعامل مع التعقيد والأزمات وامتدت النقاشات إلى هندسة التكوين وتطوير مسارات تعليمية مرنة وشهادات تكيفية، وإمكانات توظيف الذكاء الاصطناعي التوليدي لتوسيع فرص الإدماج في التعليم ما بعد الثانوي
و حدد المشاركون أربعة مرتكزات أساسية، تشمل مراعاة الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمعرفية للتعليم، واعتماد تحول تكنولوجي يتمحور حول الإنسان، وترسيخ العدالة المعرفية والإنصاف، وتعزيز التكامل بين المدرسة والتعليم العالي والتكوين المهني والمجتمع
مؤكدين أن إدماج الذكاء الاصطناعي في التعليم ينبغي أن يخضع لضوابط أخلاقية وبيداغوجية واضحة، تضمن استمرار الرقابة البشرية على القرارات الصادرة عن الأنظمة الذكية، وتتيح إمكانية الاعتراض عليها والمطالبة بتبريرها. كما دعت إلى حماية البيانات التعليمية من مخاطر الخوصصة والاستغلال، وتفادي اتساع الفوارق الرقمية والاجتماعية بين المتعلمين
و حذر المشاركون من اعتماد نماذج بيداغوجية دولية موحدة دون مراعاة الخصوصيات الاجتماعية والثقافية، ومن اختزال جودة التعليم في نتائج الاختبارات والمؤشرات الكمية للأداء، مشيرين إلى ضرورة إخضاع طرق التدريس والتقييم وآليات اعتماد المؤسسات لمراجعة نقدية تأخذ بعين الاعتبار الغايات الأساسية للتعليم والسياقات التي تشتغل ضمنها المؤسسات
ودعا المؤتمر إلى مراجعة معايير الجودة التعليمية وتقليص المدة الفاصلة بين عمليات التقييم والمراجعة، مع إرساء آليات لليقظة المستمرة تمكن المؤسسات من مواكبة التطورات التكنولوجية والاستجابة لها دون تأخر، وشملت التوصيات تطوير نماذج لتقييم الكفايات والقيم وقياس الأثر التعليمي، وتعزيز تكوين المدرسين والباحثين في الذكاء الاصطناعي والكفايات الرقمية والبيداغوجيا النقدية، بما يمكنهم من التعامل مع التحولات التكنولوجية واستثمارها في تحسين التعلم دون المساس بالأبعاد الإنسانية والتربوية ، بالإضافة إلى الاستثمار في تحليلات التعلم وأنظمة التقييم الذكي، شريطة إخضاعها لتقييم علمي يقيس تأثيرها على التحصيل الدراسي ودافعية المتعلمين وقدراتهم المعرفية، تفاديا لاعتماد أدوات تكنولوجية دون التحقق من فعاليتها داخل المؤسسات التعليمية
و شدد المصدر ذاته على ضرورة معالجة الفوارق المرتبطة بالنوع الاجتماعي وإمكانية الولوج إلى التكنولوجيا، وضمان استفادة جميع الطلبة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي، حتى لا تتحول هذه التقنيات إلى مصدر جديد لعدم المساواة داخل المنظومة التعليمية
كما أوصى بتطوير مسارات تعليمية وتكوينية أكثر مرونة، تقوم على الشهادات الصغرى والمسارات التكيفية وإقامة جسور بين مختلف التكوينات، بما يتيح مواكبة تطور المهن والكفايات المطلوبة في سوق الشغل ، داعيا كذلك إلى توسيع الشراكات بين الجامعات والمدارس والمقاولات والمجتمع المدني، وتعزيز التعليم المقاولاتي وتطوير بيئات مفتوحة للتعلم
وخلص المؤتمر إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد وسيلة تقنية تضاف إلى الأدوات التعليمية التقليدية، بل أصبح تحولا بنيويا يستدعي إعادة النظر في العلاقة بين المعرفة والتكوين والتقييم وسوق الشغل، مع وضع أطر واضحة للحكامة والمساءلة واعتماد التقويم المستمر ، مضيفا أن التحدي الأساسي يتمثل في توجيه التطور التكنولوجي نحو بناء منظومة تعليمية أكثر جودة وإنصاف وإنسانية، بدل السماح له بتوسيع الفوارق التعليمية والاجتماعية وأن تقييم مستقبل التعليم يتطلب تجاوز المؤشرات التقنية ونتائج الاختبارات إلى مساءلة أعمق بشأن الجهات التي تحدد معايير الجودة، والفئات المستفيدة من السياسات التعليمية، والأطراف التي تتحمل كلفة التحولات الجارية
وللذكر فقد شمل البرنامج العلمي للمؤتمر 20 محاضرة رئيسية، إلى جانب جلسات للنقاش وورشة تطبيقية وطاولة مستديرة وأربع جلسات موازية لعرض البحوث العلمية وتناولت المداخلات تأثير الذكاء الاصطناعي على الاقتصاد والتشغيل، وإمكانية إدماج الثقافة والأخلاق والتفكير النقدي في تدريس العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، وتطوير آليات لتقييم الكفايات والقيم وقياس جودة التعليم