صليحة بجراف.. امرأة من ذاكرة الريف، تكتب بجرأة وتشاكس الواقع بسخرية، ولا تتنازل عن حقها، ويظل قلبها معلقا بالناظور
الكاتب عمر بعلي كندا
من مقاعد الدراسة بمدرسة للا حسناء، مرورا بالإعدادية والثانوية الكندي بالناظور، إلى مدرجات الجامعة بفاس، ثم رحاب العاصمة الرباط.. رحلة امرأة جعلت من الكلمة قدرا، ومن الصحافة شغفا، ومن السخرية أسلوبا لمساءلة الواقع، دون أن تفقد يوما صلتها بجذورها الأولى.
ليست كل الشخصيات التي تستحق الكتابة عنها تصنع حضورها بالأضواء، ولا كل الحكايات الجميلة تختصرها الألقاب والمناصب. فهناك نساء تتجاوز سيرتهن حدود المهنة، لأن في تجاربهن ما يستحق أن يروى، وفي شخصياتهن ما يستحق أن يكتشف، وفي علاقتهن بالناس والأمكنة ما يكشف عن معدن إنساني لا تصنعه الشهادات ولا تمنحه المناصب.
ومن هذه الحكايات تبرز تجربة الصحفية المغربية صليحة بجراف، ابنة الريف، التي نسجت علاقتها بالكتابة منذ سنوات الدراسة، وانتقلت بين محطات علمية ومهنية متعددة، دون أن تفقد ذلك الخيط الرفيع الذي يربطها بالبدايات، حب الكلمة، وفضول الصحفية، ووفاء ابنة المنطقة التي لم تنس يوما الطريق المؤدي إلى بيتها الأول.
لكن الكتابة عن صليحة بجراف لا ينبغي أن تتوقف عند حدود ما نشرته من مقالات، أو المنابر التي اشتغلت بها، أو الأسماء المستعارة التي وقعت بها بعض نصوصها، فمن يعرفها عن قرب يكتشف أن وراء القلم حكاية إنسانية أخرى، حكاية امرأة مفعمة بالنشاط، لا يهدأ شغفها، ولا تنطفئ حيويتها، وتجد دائما مساحة للآخرين وسط انشغالاتها الكثيرة.
الناظور.. الصفحة الأولى في حكاية لم تنته
لكل قلم لحظة ميلاد، ولكل مسار حكاية بداية. وبالنسبة إلى صليحة بجراف، كانت البداية من الناظور، من مقاعد الدراسة بمدرسة للا حسناء، ثم الإعدادية والثانوية الكندي، حيث بدأت ملامح شغفها بالكلمة تتشكل.
لم تنتظر أن تكتمل سنوات دراستها حتى تطرق أبواب الصحافة، ولم تعتبر حداثة سنها سببا لتأجيل حلمها. اختارت أن تبدأ مبكرا، وأن تخوض تجربة النشر وهي لا تزال تلميذة، فكتبت في «كواليس الريف» و«أصداء الريف»، كما كانت تبعث بمقالاتها إلى جرائد وطنية، من بينها «الأحداث المغربية».
كانت تلك البدايات بمثابة أول امتحان حقيقي لعلاقتها بالكتابة، فالنشر في زمن كانت فيه الصحافة الورقية تحتل مكانة أساسية لم يكن أمرا سهلا، وكان الوصول إلى صفحات الجرائد يتطلب الإصرار والصبر والقدرة على تحويل الأفكار إلى مواد تستحق القراءة.
هكذا لم تكن الصحافة حلما مؤجلا في حياة صليحة بجراف ابنة الريف الطموحة، بل كانت جزءا من تكوينها المبكر. وبين دفاتر الدراسة وأوراق الكتابة، بدأت تتشكل شخصية فتاة لم تكن تريد أن تكتفي بمشاهدة ما يحدث حولها، بل أرادت أن تكون جزءا من رواية الأحداث وقراءتها والتعليق عليها.
ولعل أجمل ما في هذه البداية أنها لم تكن منفصلة عن المكان، فقد حملت الناظور معها منذ اللحظة الأولى، ليس فقط باعتبارها مسقط الرأس، بل باعتبارها الفضاء الذي اكتشفت فيه معنى الكلمة وأولى خطوات الاستقلال في التعبير.
فاس.. حين التقى شغف المعرفة بطموح الكتابة
من الناظور إلى فاس، انتقلت ابنة الريف صليحة بجراف لمتابعة دراستها الجامعية، في محطة جديدة وسعت أفقها العلمي والمعرفي.
كانت فاس أكثر من مدينة جامعية في مسارها، فقد شكلت مرحلة من مراحل النضج وتوسيع المدارك، وفرصة للانفتاح على تجارب وأفكار وعوالم جديدة. وفي أجواء الجامعة، لم تعد الكتابة مجرد تعبير عن انطباعات شخصية، بل أخذت تتصل أكثر بالمعرفة والتحليل والقدرة على قراءة المجتمع وتحولاته.
فالكتابة، بالنسبة إلى من يتخذها مسارا للحياة، لا تكتفي بالموهبة وحدها، إنها تحتاج إلى قراءة مستمرة، ومعرفة، واحتكاك بالتجارب، وقدرة على النظر إلى الوقائع من زوايا متعددة، ومن هذا الرصيد واصلت صليحة بجراف رحلتها نحو العاصمة الرباط، حاملة معها رصيد البدايات وفضولا لم يفارقها.
الرباط.. للعلم والمهنة، ومحطة لترسيخ المسار الصحفي
إذا كانت الناظور قد منحت صليحة بجراف جذورها الأولى، وكانت فاس محطة لتوسيع مداركها، فإن الرباط شكلت فضاء لالتقاء العلم بالمهنة، والطموح بالتجربة، والتكوين بالممارسة.
في العاصمة، اتسعت آفاق تجربتها، ووجدت نفسها وسط فضاء إعلامي وثقافي وسياسي أكثر تنوعا، حيث تتقاطع الأفكار وتتشابك الأحداث، وتصبح الكلمة جزءا من النقاش اليومي حول قضايا المجتمع والشأن العام.
هناك اشتغلت بجريدة «الحركة»، وواصلت حضورها في المشهد الصحفي من خلال الكتابة في منابر إعلامية متعددة، من بينها «هسبريس» وصحيفة «لكم»، إلى جانب تجارب أخرى في الصحافة الإلكترونية.
ولم تقف عند حدود الاشتغال داخل المؤسسات الإعلامية، بل خاضت تجربة المبادرة والتأسيس من خلال صحيفة «آش بريس»، في خطوة تعكس رغبتها في الانتقال من ممارسة الصحافة إلى الإسهام في صناعة فضاء للنشر والتعبير.
كما ارتبطت بعض كتاباتها بتوقيعات مستعارة، من بينها «علياء الريفي» و«زينب أبو عبد الله» و«فجر علي». وهي أسماء متعددة تخفي وراءها شغفا واحدا، هو شغف الكتابة والتعبير.
وهنا تبرز إحدى الزوايا اللافتة في تجربتها، فالأسماء قد تتغير، والمنابر قد تتعدد، والموضوعات قد تختلف، لكن القاسم المشترك يظل هو شغف الكتابة والقدرة على الانتقال بين أساليب متعددة.
لقد عرفت تجربة صليحة بجراف مساحات مختلفة من الصحافة، من الورق إلى الشاشة، ومن الخبر إلى الحوار، ومن متابعة الشأن العام إلى الكتابة ذات النفس النقدي والساخر.
حين تكون السخرية شكلا آخر من أشكال الشجاعة
ليس كل من يكتب بجدية يمتلك القدرة على السخرية، وليس كل من يجيد السخرية يستطيع أن يحافظ على عمق الفكرة. وبين هذين العالمين تتحرك إحدى الخصائص اللافتة في كتابات صليحة بجراف.
فهي لا تتعامل مع الكتابة باعتبارها لغة رسمية جامدة، ولا تحصر نفسها في أسلوب واحد. ثمة مساحة للجدية حين يستدعي الموضوع ذلك، ومساحة للمفارقة حين يصبح الواقع نفسه مادة تستحق التأمل والسخرية.
إن السخرية في هذا النوع من الكتابة ليست هروبا من القضايا، بل اقترابا منها من زاوية مختلفة. إنها القدرة على كشف التناقض دون ضجيج، وعلى وضع بعض التصرفات والمواقف أمام مرآة المفارقة، بحيث يبتسم القارئ أولا، ثم يكتشف أن وراء ابتسامته سؤالا أعمق.
فالسخرية ليست مجرد تزيين للعبارة أو بحث عن إضحاك القارئ، بل شكل من أشكال النقد، وطريقة في مساءلة السلوك والخطاب والمواقف. إنها تلك المسافة الذكية التي تسمح للكاتب بأن يقول الكثير دون أن يرفع صوته، وأن يكشف المفارقة دون أن يغرق في المباشرة.
ولعل امتلاك هذا الحس ليس أمرا متاحا للجميع، فالسخرية الجيدة تحتاج إلى عين تلاحظ، وعقل يربط بين التفاصيل، ولسان يعرف متى يشتد ومتى يبتسم. وبين الجدية وخفة الروح، وجدت صليحة بجراف مساحة خاصة تتحرك فيها، دون أن تفقد صلتها بالقضايا التي تشغلها.
ما لا تكشفه الجرائد.. امرأة خلف القلم
لكن ثمة جانبا آخر لا تستطيع السيرة المهنية وحدها أن تنقله، وهو الجانب الذي لا يظهر في عناوين المقالات ولا في أرشيف المنابر.
ومن خلال معرفتي بها عن قرب ومعاشرتي لها، اكتشفت أن صليحة بجراف ليست مجرد امرأة منشغلة بعالم الصحافة والكتابة، بل شخصية تتميز بنشاط استثنائي وحيوية متجددة، وشغف لا يعرف الهدوء.
إنها من أولئك الأشخاص الذين يصعب أن تراهم مستسلمين للركود، دائمة الحركة، متقدة الحماس، كثيرة الاهتمام بالتفاصيل، وتملك طاقة تجعلها حاضرة في أكثر من مساحة في الوقت نفسه.
لكن ما يلفت الانتباه أكثر من نشاطها هو طريقتها في التعامل مع الآخرين. فخلف جرأة القلم وحدة بعض العبارات، توجد شخصية طيبة، حسنة الخلق، قريبة من الناس، لا تتردد في تقديم المساعدة متى استطاعت.
غير أن طيبتها لا تعني التنازل، وتسامحها لا يعني القبول بالانتقاص من حقوقها. فصليحة بجراف، امرأة تعرف قيمة نفسها، وتدرك جيدا أن حسن المعاملة لا ينبغي أن يتحول إلى مدخل للاستغلال، وأن احترام الآخرين لا يعني التفريط في الكرامة.
إنها لا تتنازل عن حقها، ولا تجامل على حساب مبادئها، وتعرف متى تكون مرنة ومتى يتعين عليها أن تكون حازمة. تؤمن بأن التسامح فضيلة، لكنه لا يعني الاستسلام، وأن طيبة القلب لا ينبغي أن تفهم ضعفا، وأن المطالبة بالحق ليست خصومة، بل تعبير عن احترام الذات.
يوم سرق مقالها.. حين يتحول الدفاع عن الكلمة إلى دفاع عن الكرامة
ولا يمكنني، وأنا أستحضر بعض تفاصيل شخصيتها، أن أنسى ذلك اليوم الذي سرق فيه أحد مقالاتها ونسب إلى غيرها. لم يكن الأمر بالنسبة إليها مجرد نقل لمقال دون إذن، بل مساسا بجهد فكري وحق مهني، وبساعات من التفكير والبحث والكتابة.
والأكثر دلالة في ذلك الموقف أنها لم تكتفِ بالتذمر أو الاحتجاج في حدود الكلام، ولم تختر الصمت أو التغاضي عن الواقعة، بل أصرت على متابعة القضية وسلكت مسار الشكوى، حتى أوصلت تظلمها إلى الجهات المعنية.
كان ذلك الموقف صورة أخرى من صور اعتزازها بنفسها وبقلمها، ودليلا على أنها ليست ممن يتنازلون عن حقوقهم بسهولة. فالمقال بالنسبة إلى صاحبه ليس مجرد كلمات مرصوصة على الورق، بل خلاصة فكرة وتعب وتجربة، ومن حق الكاتب أن ينسب إليه جهده وأن تحترم ملكيته الفكرية.
لقد أظهرت تلك الواقعة أن صليحة بجراف قد تتسامح في أمور كثيرة، لكنها لا تقبل أن يستباح حقها أو ينسب تعبها إلى غيرها. فهي تؤمن بأن احترام الكاتب يبدأ باحترام ما يكتبه، وأن سرقة الكلمة هي اعتداء على جهد صاحبها، وأن الدفاع عن الحقوق ليس خصومة مع الآخرين، بل تمسك بمبدأ لا ينبغي التفريط فيه.
ولعل ذلك الموقف يلخص جانبا مهما من شخصيتها، امرأة تمنح الود، وتحرص على مساعدة الآخرين، لكنها لا تسمح بأن تتحول طيبتها إلى نقطة ضعف. لينة في المعاملة، صلبة في المواقف، متسامحة حين يكون التسامح ممكنا، وحازمة حين يتعلق الأمر بالكرامة والحقوق.
الناظور.. حب لا تحده المسافات
مهما تعددت محطات الرحلة، ومهما اتسعت دوائر الحضور المهني والاجتماعي، تظل هناك أمكنة لا تغادر الذاكرة، لأنها ليست مجرد جغرافيا، بل جزء من تكوين الإنسان ووجدانه.
والناظور بالنسبة إلى صليحة بجراف ليست مجرد مدينة ولدت وترعرعت فيها، بل هي ذاكرة البدايات، وفضاء الطفولة والدراسة، والمكان الذي تشكلت فيه أولى ملامح شخصيتها وعلاقتها بالكلمة.
قد تأخذها المهنة إلى الرباط، وقد تفتح أمامها التجربة أبوابا جديدة، وقد تفرض عليها الحياة إيقاعا مختلفا، لكن الحنين إلى الناظور يظل حاضرا في تفاصيلها.
هناك، في تلك المدينة التي تعرف معنى الانتماء، تظل جذورها ممتدة، وذاكرتها يقظة، وعلاقتها بالمكان أكبر من أن تختصرها الزيارات أو تقيسها المسافات.
ولعل الوفاء للمكان من أجمل ما يمكن أن يحتفظ به الإنسان وسط زحام الحياة؛ فليس النجاح أن نغادر البدايات وننساها، بل أن نحملها معنا أينما ذهبنا، وأن نجعل منها جزءا من هويتنا ومن نظرتنا إلى العالم.
صليحة بجراف.. مسار تكتبه التجربة وتزينه الإنسانية
إن استحضار تجربة صليحة بجراف ليس مجرد استعراض لمحطات دراسية ومهنية، ولا محاولة لإحصاء المنابر التي كتبت فيها أو الأسماء التي وقعت بها مقالاتها. إنه، في جوهره، احتفاء بامرأة اختارت أن تجعل من الكلمة رفيقة طريق، ومن الصحافة مجالا للممارسة والتعبير، ومن السخرية نافذة لقراءة الواقع، ومن العلاقات الإنسانية قيمة لا تقل أهمية عن النجاح المهني.
من الناظور بدأت الحكاية، وفي فاس اتسعت آفاق المعرفة، وفي الرباط تواصلت رحلة العلم والمهنة. وبين هذه المحطات ظلت صليحة بجراف وفية لروح البدايات، لا تتخلى عن فضول الصحفية، ولا عن جرأة الكاتبة، ولا عن ذلك الجانب الإنساني الذي يجعلها قريبة من الناس.
قد تختلف الآراء حول بعض ما تكتب، وقد تثير بعض نصوصها نقاشا أو ابتسامة أو حتى جدلا، لكن الكتابة التي لا تترك أثرا ولا تطرح سؤالا ولا تحرك ساكنا تظل مجرد كلمات عابرة.
أما صليحة بجراف، فقد اختارت أن تكون لها طريقتها الخاصة في الحضور؛ تكتب حين يستدعي الأمر الكتابة، وتشاكس الواقع حين تستحق مفارقاته المشاكسة، وتواجه بعض تناقضاته بسلاح السخرية، دون أن تنسى أن وراء كل تجربة مهنية إنسانا، ووراء كل قلم حكاية.
إنها امرأة تجمع بين الطموح والوفاء، وبين الجرأة والطيبة، وبين خفة الروح وصلابة الموقف. لا تتنازل عن حقها، ولا تنسى فضل من أحسن إليها، ولا تتخلى عن المكان الذي صنع بداياتها.
وفي النهاية، ربما تختصر حكايتها عبارة واحدة: امرأة أخذتها الحياة إلى مدن كثيرة، وفتحت أمامها المهنة أبوابا متعددة، لكن الناظور ظل عنوان القلب، والكتابة ظلت عنوان الطريق.
فبعض النساء لا تكتفي الكلمات بوصف مساراتهن، بل تصبح سيرتهن نفسها مادة للكتابة؛ وصليحة بجراف واحدة من هؤلاء، امرأة تكتب بجرأة، وتعيش بحيوية، وتتعامل بطيبة، وتدافع عن حقها بعزة نفس، قلبها في الناظور، وخطوتها في الرباط، وقلمها لا يزال يبحث عن حكاية جديدة