بقلم: ذ. محمد الهلالي
بالرغم من أن الأحزاب المغربية تبدو منغرسة في النظام السياسي وفي المجتمع المدني على وجه الخصوص، فإن الرأي السائد والإحساس العملي للمغاربة هو أنه لا ضرورة للأحزاب على وجه الإطلاق.
ويمكن تلخيص أطروحة أغلبية المغاربة في أن الأحزاب شريك للسلطة، أي شريك في الاستفادة المادية والمعنوية من النظام، وهي إما حليفة لهذا النظام وتعد صنيعة له، وفي هذه الحالة لا تعتبر إلا امتدادات للديوان الملكي ولوزارة الداخلية، وإما معارضة، وفي هذه الحالة فإن هاجسها الأول والأخير هو السلطة…
ويتساءل أغلب المواطنين عن مغزى نضال قواعد حزب معارض (ما دامت لعبة المؤيدين مكشوفة جازاهم الله خيرا) من أجل أن يصل بعض أفراد الحزب (وهم دوما وأبدا المتحكمون والمهيمنون والمستفيدون إن لم يكونوا من عائلات غنية ارتموا في حضن المعارضة لاختصار الطريق للوصول للسلطة) إلى البرلمان أو الحكومة أو مناصب أخرى في الدولة دون أن تعود مداخلهم بأي نفع أو فائدة على الحزب ومقراته وفقرائه وجرائده… بل إنهم يستثمرون ذلك في تعليم أبنائهم وإعدادهم للالتحاق بالحزب ليرثوا مناصب الآباء…
وهو يلاحظون أن المستفيدين من الاستوزار و”التمخزن” تتحسس ظروفهم وظروف عائلاتهم وتصبح علاقاتهم بعد ذلك مع النظام مباشرة (يمكن الإشارة إلى عبد الواحد الراضي وفتح الله ولعلو والحبيب المالكي من الاشتراكيين، دون أن ننسى أن بعض اليساريين الذين حلموا بالجمهورية ذات يوم سلكوا طريقا آخر هو أقصر طريق يؤدي إلى السلطة عبر العلاقات والخدمات والوساطة…).
هذه الأطروحة الواقعية الشعبية تعتبر في حد ذاتها تقويضا لشرعية وجود الأحزاب ولدورها المفترض في خدمة الشعب والوطن مع العلم أنه لا الشعب يريد البقاء في الوطن ولا الوطن قادر على تحمل الشعب بالشكل الذي يتم استغلاله به.
أما الأطروحة الثانية فهي موقف التاريخ من الأحزاب المغربية. فلقد حسم هذا التاريخ العنيد هذا الموضوع. فمن الواضح تاريخيا أنه لم يتشكل أي حزب كبير وقوي منذ بداية الاستقلال (باستثناء الحركة الإسلامية التي لها مسار خاص وسيرورة متميزة مقارنة بالأحزاب بالمعنى الدقيق والعصري للكلمة).
فالحزبان “التاريخيان” اللذان ينعمان منذ عقود بهدية “الشرعية التاريخية” وتمثيل “الوطنية” إضافة إلى فكرة “من أين لك هذا” المدغدغة للمشاعر المرتبطة بحزب الاستقلال، وفكرة خدمة الطبقات الشعبية عبر التأميم المرتبطة بحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.
أما الأحزاب اليسارية الأخرى فهي خرجت في معظمها من رحم الأحزاب التاريخية (إذا أضفنا الحزب الشيوعي المغربي سابقا إلى الحزبان المذكوران)، وظلت ضعيفة وممزقة منذ الولادة حتى الآن، وأضعفت وأنهكت أيضا الأحزاب الأم.
وبخصوص أحزاب اليمين فهي لم تقم لها قائمة إلا بدعم الداخلية واستعمال المال. وأخر تجربة من تجارب أحزاب اليمين هي مغامرة تأسيس “حزب الأصالة والمعاصرة”، هذه المغامرة التي أرادت تحطيم قواعد العمل السياسي بخلق حزب يميني يخدم مصالح الدولة وطبقاتها بتأطير يساري ؟؟
ولا يمكن التعامل مع تنظيمات الحركة الإسلامية كأحزاب بالمعنى المعاصر للكلمة. فهي مجرد حركات دعوية، تعبر عن الإيديولوجية اليمينية بمسحة أخلاقية دينية. ويعود انتشارها إلى تفاقم تردي الوضع المعيشي للأغلبية الساحقة من الشعب، وإلى طبيعة فكرها الديني الذي هو فكر الأغلبية المذكورة، وإلى أزمة الأحزاب “التاريخية” وإلى المد الإسلامي عالميا كعلامة على أزمة الهوية…
أما النتيجة فهي أن المغرب متجه لمستقبل بدون أحزاب، مغرب تندمج فيه الأحزاب مع الدولة في كتلة مصالح واحدة، على أساس الخدمات المتبادلة، مما يؤدي إلى شرذمة الحياة السياسية، وبلطجة الحياة اليومية، ما دام تجديد المصالح هو القاعدة المشتركة ما بين النظام وأحزابه… ولسخرية القدر فإن الأحزاب لم تستفد من كون معظم قادتها يمارسون المحاماة أو مارسوها (علي يعته، عبد الرحيم بوعبيد، المعطي بوعبيد، أمحمد بوستة، عباس الفاسي…) .
السؤال الجدير بالطرح في هذه الحالة هو التالي: هل ستستفيد الأحزاب الراديكالية، يسارية أو دعوية، من الوضع المفترض المستقبلي، وضع انحطاط الأحزاب وتحولها إلى مجرد سماسرة للخدمات ؟ هل سيجد المحرومون والمقهورون والمهمشون والحشود التائهة ضالتهم في المواقف الراديكالية ؟ هل سيتم استثمار العنف المرضي والإجرامي والغاضب والساخط والاحتجاجي وغير الواعي والواعي إلى عنف سياسي للتغيير؟