حين يتحول حارس القانون إلى أول المطالبين بتعليقه

بقلم الدكتور محمد محاسن

بقلم الدكتور محمد محاسن

حين يتحول حارس القانون إلى أول المطالبين بتعليقه

قراءة قانونية ودستورية وأخلاقية في الجدل المرتبط بمطالبة بعض أساتذة القانون بشرعنة الجمع

بين الوظيفة العمومية وممارسة مهنة المحاماة بالمغرب

تلخيصاً

أصوغ هذا المقال في خضم الجدل المتصاعد بالمغرب حول مطالبة بعض أساتيذ القانون الجامعيين بالسماح لهم بمزاولة مهنة المحاماة إلى جانب وظيفتهم العمومية، رغم وجود مقتضيات قانونية وتنظيمية صريحة تؤطر حالة التنافي بين الوظيفة العمومية والمهن الحرة المستقلة. حيث أناقش ـ عبر فقراته ـ الأبعاد القانونية والدستورية والأخلاقية والرمزية لهذه المطالب، وما تثيره من أسئلة عميقة تتعلق بهيبة القانون، ومصداقية الجامعة، ومبدأ تكافؤ الفرص، وحدود استعمال الصفة الأكاديمية والنفوذ الرمزي في الضغط من أجل انتزاع امتيازات فئوية. كما أقف عند خطورة تحويل الاستثناء إلى قاعدة، وعند الانعكاسات السلبية لمثل هذه المطالب على صورة الأستاذ الجامعي باعتباره مؤتمناً على ترسيخ ثقافة احترام القانون لا البحث عن مخارج لتعطيله.

توطئة

إن خطورة بعض القضايا لا تكمن في مضمونها المباشر فقط، بل في الجهة التي تصدر عنها. فحين يصبح النقاش حول تجاوز القانون أو الالتفاف عليه صادراً عن أشخاص يُفترض فيهم أن يكونوا حراساً للشرعية القانونية، فإن الأمر يتجاوز مجرد خلاف مهني أو مطلب فئوي، ليتحول إلى سؤال عميق يمس صورة الدولة وهيبة القانون ووظيفة الجامعة ذاتها.

ذلك ما يفرض نفسه اليوم بقوة في الجدل الدائر بالمغرب حول مطالبة بعض أساتذة القانون الجامعيين بالسماح لهم بمزاولة مهنة المحاماة، رغم وضوح مقتضيات التنافي المنصوص عليها قانوناً، سواء في النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية أو في النصوص المنظمة لمهنة المحاماة.

والأخطر في هذا الجدل ليس مجرد المطالبة بتعديل قانوني ـ فذلك حق مشروع في أي نظام ديمقراطي ـ بل طبيعة الخطاب المرافق لها، والذي يسعى أحياناً إلى تصوير احترام القانون القائم كأنه ظلم، وإلى تحويل الاستثناء إلى حق مكتسب، وإلى استعمال المكانة الأكاديمية والرمزية العلمية للضغط من أجل خلق وضع خاص لا يستفيد منه باقي موظفي الدولة ولا حتى باقي الأساتيذ الجامعيين في تخصصات أخرى.

أولاً: وضوح حالة التنافي… حين لا يحتاج النص إلى تأويل

ينص النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية في مادته الخامسة عشرة على منع الجمع بين الوظيفة العمومية والأنشطة المهنية الخاصة ذات الطابع الربحي أو المستقل، إلا في الحدود والاستثناءات التي يحددها القانون.

كما أن فلسفة مهنة المحاماة نفسها تقوم على الاستقلالية والتفرغ وتجنب كل وضعية قد تمس مبدأ الاستقلال أو تخلق تضارباً للمصالح أو اختلالاً في شروط المنافسة المهنية. ومن ثم، فإن الحديث عن “خصوصية الأستاذ الجامعي” أو “الاستثناء الأكاديمي” يبدو أقرب إلى محاولة تكييف القانون مع الرغبة، بدل تكييف الرغبة مع القانون.

فالقاعدة القانونية لا تفقد إلزاميتها لأن فئة معينة ترى نفسها جديرة بمعاملة خاصة، وإلا تحوَّل القانون من قاعدة عامة مجردة إلى منظومة امتيازات تفاوضية تُفصّل حسب موازين الضغط والنفوذ.

 

ثانياً: المفارقة الأخلاقية… حين يدرّس الأستاذ القانون ويقود معركة ضد منطقه

 

تكمن المفارقة الأكثر إرباكاً في كون المطالبين بهذا الاستثناء هم أنفسهم من يدرّسون لطلبتهم مبادئ المشروعية، وسمو القانون، والمساواة أمامه، وحالات التنافي، وتجرد القاعدة القانونية. كيف يمكن لأستاذ يشرح لطلبته أن ” القانون يسمو على الإرادات الخاصة “، أن يتحول في الواقع إلى مدافع عن تعطيل مقتضياته عندما تتعارض مع مصلحته الشخصية؟ وكيف يمكن لمن يُفترض فيه تكوين الوعي القانوني أن يصبح أول من يبحث عن منافذ لإضعاف قوة الإلزام القانوني تحت مبررات ظاهرها المهنية وباطنها الامتياز؟

إن الأزمة هنا ليست قانونية فقط، بل رمزية وأخلاقية أيضاً لأن الجامعة لا تُقاس فقط بما تنتجه من معارف، بل كذلك بما تجسده من انسجام بين الخطاب والممارسة. وحين يسقط هذا الانسجام، تتحول المعرفة القانونية نفسها إلى مجرد أداة انتقائية تُستدعى حين تخدم المصلحة وتُؤوَّل حين تعيقها.

ثالثاً: العدالة لا يكفي أن تكون نزيهة… بل يجب أن تبدو كذلك

إن أخطر ما في الجمع بين الأستاذية الجامعية والممارسة المهنية للمحاماة لا يتعلق فقط بوضعية التنافي القانونية، بل بما قد يخلقه من تأثير رمزي غير متكافئ داخل المنظومة القضائية. فالأستاذ الجامعي في القانون لا يدخل قاعة المحكمة بصفته المهنية فقط، بل محمّلاً أيضاً بسلطة معرفية ورأسمال رمزي وشبكة علاقات أكاديمية ومؤسساتية قد تؤثر ـ بشكل مباشر أو غير مباشر ـ في توازن العلاقات داخل الحقل القضائي. بل وحتى في غياب أي تدخل فعلي مباشر، فإن مجرد احتمال التأثير الرمزي يكفي لإثارة إشكال أخلاقي ومؤسساتي عميق. لأن فلسفة العدالة الحديثة لا تقوم فقط على النزاهة الواقعية، بل أيضاً على الثقة العامة في حياد القضاء وتجرده.

ومن ثم، فإن الإشكال لا يتعلق باتهام الأشخاص أو التشكيك في ذممهم، بل بحماية مبدأ الحياد المؤسساتي ومنع تداخل السلط الرمزية داخل فضاء يفترض فيه أن يبقى بمنأى عن كل أشكال النفوذ المعنوي أو الاعتباري.

كما أن وجود الأستاذ الجامعي في موقع يجمع بين سلطة التكوين الأكاديمي والمرافعة المهنية قد يخلق وضعيات ملتبسة، خاصة حين يتعلق الأمر بطلبة سابقين أصبحوا قضاة أو محامين أو مسؤولين داخل المؤسسات القضائية، بما قد يفتح الباب — ولو معنوياً — أمام اختلال غير مرئي في ميزان العلاقة المهنية.

رابعاً: “حلال علينا حرام على غيرنا    حين يُضرب مبدأ تكافؤ الفرص في العمق

إذا كان موظفو الدولة في قطاعات أخرى يخضعون بشكل صارم لمقتضيات التنافي، فما الأساس الدستوري أو الأخلاقي الذي يسمح لفئة محدودة بالمطالبة بمعاملة استثنائية؟ أليس ذلك مساساً مباشراً بمبدأ المساواة أمام القانون وتكافؤ الفرص المنصوص عليه دستورياً؟

ثم كيف يمكن تبرير حرمان آلاف الموظفين من الجمع بين الوظيفة العمومية والمهن الحرة، في الوقت الذي يُراد فيه فتح هذا الباب لفئة بعينها بدعوى المكانة العلمية أو الخصوصية الأكاديمية؟

إن أخطر ما في مثل هذه المطالب أنها تؤسس لمنطق طبقي جديد داخل الدولة: فئات يُطبّق عليها القانون، وفئات تفاوض حول مدى خضوعها له. وهنا تتحول دولة القانون تدريجياً إلى دولة استثناءات.

وقد زاد من حدة هذا الانطباع لجوء بعض المعنيين إلى تنظيم وقفات احتجاجية وممارسة أشكال من الضغط السياسي والمؤسساتي من أجل انتزاع استثناء لا يستند إلى مبدأ عام، بل إلى منطق الامتياز الفئوي، وكأن القانون يصبح قابلاً للتعليق متى تعلق الأمر بمن يملك القدرة على التأثير والضغط.

خامساً: خطورة “السابقة القانونية   حين يتحول الاستثناء إلى قاعدة

من أخطر ما يتجاهله المدافعون عن هذا التوجه أن القانون لا يُبنى فقط على الحالات الفردية، بل على الآثار المترتبة عن خلق السوابق.

فالقول إن عدد المعنيين لا يتجاوز بضع مئات لا يحمل أي قيمة قانونية أو دستورية. لأن الإشكال ليس في العدد، بل في المبدأ. ذلك أن أي استثناء يُمنح خارج منطق المساواة يتحول لاحقاً إلى مرجع يُحتج به لتوسيع نطاق الاستثناءات، فتدخل الدولة في دوامة تفكيك تدريجي لمبدأ العمومية والتجرد الذي تقوم عليه القاعدة القانونية.ولهذا اعتبر فقهاء القانون دائماً أن أخطر ما يهدد هيبة التشريع ليس خرقه المباشر فقط، بل تحويل الخرق إلى وضعية مُشرعنة.

فالسابقة في القانون لا تتوقف عند حدود أصحابها الأوائل، بل تصبح مع الوقت مدخلاً لإعادة تشكيل القاعدة نفسها تحت ضغط المطالب القطاعية المتتالية.

سادساً: من الجامعة إلى المحاكم… ومن المحاكم إلى الجامعة … حين يتحول التخصص إلى مجرد واجهة

الأخطر أن هذا الجدل لا ينفصل عن ظاهرة أوسع بدأت تتنامى تدريجياً، تتمثل في التنقل المتبادل بين القضاء والمحاماة والجامعة خارج منطق التخصص الأكاديمي الصارم. فقضاة ووكلاء عامون يغادرون مواقعهم نحو المحاماة مستفيدين من النفوذ الرمزي والعلاقات المتراكمة داخل الحقل القضائي، ثم يلج بعضهم الجامعة بعد الحصول على شهادة الدكتوراه، في الوقت الذي يتجه فيه بعض المحامين بدورهم إلى ولوج الجامعة ثم الجمع بين الصفتين معاً.

إن المشكل هنا لا يتعلق فقط بحرية المسار المهني، بل بتحول الدكتوراه لدى البعض إلى مجرد جسر للتموقع المؤسساتي، بدل أن تكون ثمرة مسار علمي حقيقي قائم على البحث والإنتاج المعرفي والتأطير البيداغوجي. فالجامعة ليست مجرد فضاء للحصول على صفة اجتماعية إضافية، بل مؤسسة لإنتاج المعرفة، لها شروطها العلمية ومنطقها الخاص القائم على التفرغ النسبي والتراكم البحثي والاستقلال الفكري.

وحين تتحول الأستاذية الجامعية إلى امتداد للنفوذ المهني، أو تتحول المهنة إلى وسيلة لتعزيز السلطة الرمزية للأستاذ، فإن الحدود الفاصلة بين المعرفة والمصلحة تصبح مهددة بالتآكل التدريجي.

سابعاً: خدمة العدالة لا تستلزم بالضرورة حمل صفة محامٍ

إذا كان الهدف الحقيقي لبعض أساتيذ القانون هو خدمة العدالة والمساهمة في تطوير المنظومة القانونية، فإن القانون يتيح بالفعل مساحات واسعة لذلك دون الحاجة إلى الجمع بين الوظيفة العمومية وممارسة المحاماة.

فبإمكان الأستاذ الباحث أن يساهم من خلال الخبرة القضائية، الاستشارات القانونية والعلمية، المشاركة في لجان الإصلاح التشريعي، التحكيم والوساطة، التكوين المستمر، الدراسات والأبحاث المتخصصة، أو حتى المساعدة القانونية التطوعية لفائدة الفئات الهشة وغير القادرة على تحمل أتعاب الدفاع. فكلها أدوار نبيلة ومشروعة تحفظ للأستاذ مكانته العلمية واستقلاليته الأكاديمية، دون إدخاله في وضعيات تنافٍ أو تضارب مصالح أو منافسة مهنية غير متكافئة.

ومن ثم، فإن خدمة العدالة لا تستلزم بالضرورة حمل صفة محامٍ، بقدر ما تستلزم الحفاظ على أخلاقيات المعرفة وتجردها.

ثامناً: حين تتحول الجامعة من فضاء للرسالة إلى منصة للامتيازات

إن الأستاذ الجامعي ليس موظفاً عادياً فقط، بل حامل لرسالة معرفية وقيمية. ما يجعل الدفاع عن استثناءات تمس جوهر المساواة القانونية، فهو لا يسيء فقط إلى صورة المعنيين بالأمر، بل يضعف صورة الجامعة نفسها.

فالجامعة التي يُفترض أن تُخرّج مواطنين يؤمنون بدولة المؤسسات والقانون، لا يمكن أن تتحول إلى فضاء لإنتاج خطاب مزدوج :خطاب نظري يُمجّد القانون داخل المدرجات، وخطاب عملي يسعى إلى تجاوزه خارجها.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب الجامعة ليس ضعف التمويل أو قلة الإمكانيات، بل فقدان المصداقية الأخلاقية.

عود على بدء

إن هذا النقاش ليس موجهاً ضد مهنة المحاماة، فهي مهنة نبيلة وشريك أساسي في تحقيق العدالة، كما أنه ليس موجهاً ضد أساتيذ القانون من حيث المبدأ. إنما يتعلق الأمر بسؤال أكبر: أي نموذج للأستاذ الجامعي نريد؟

هل نريد أستاذاً يجسد احترام القانون حتى حين لا يخدم مصلحته الخاصة، أم أستاذاً يوظف معرفته القانونية للبحث عن مخارج استثنائية؟

وهل نريد جامعة تُنتج ثقافة دولة القانون، أم جامعة تُدرّس القانون نظرياً بينما تساهم عملياً في إضعاف رمزيته؟

إن قوة القانون لا تُقاس فقط بصرامة نصوصه، بل بقدرة النخب ـ خصوصاً القانونية والأكاديمية منها ـ على احترام روحه قبل حروفه.

فحين يبدأ التشكيك في إلزامية القانون من داخل مدرجات القانون نفسها، يصبح الخطر مضاعفاً… لأن من يهدم الثقة في القانون من الداخل أخطر ممن يخرقه من الخارج

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد