بقلم: اذ. حنان قصبي
ليست المناصفة بين الرجال والنساء في مجال المشاركة السياسية واتخاذ القرار مفهوما نظريا، وإنما هي مبدأ أو إجراء. وهذا يعني أنها تدبير قانوني وسياسي مؤقت. ولقد تم اللجوء إليها في سياق محدد، لأنها تعتبر حلا قانونيا لضعف وتهميش حضور النساء في المجال السياسي على المستوى الكمي العددي، وعلى مستوى شغل المناصب القيادية، وعلى مستوى المشاركة في اتخاذ القرار.
والمناصفة مبدأ قلق ومضطرب يتأرجح بين إحقاق الحق وبين خرقه، بين محاربة التمييز بتمييز آخر حتى وإن نُعِت بالإيجابي. لذلك لم يتوقف التفكير في هذا المصطلح-المبدأ منذ ظهوره والدعوة له في أواخر الثمانينات في فرنسا.
لقد تم اللجوء لهذا الحل القانوني في المغرب بعدما تراجعت النضالات السياسية والنقابية، وضعفت إيديولوجيا المعارضين، وطغى النموذج الليبرالي كحل وحيد يلوح في الأفق، لقد تم الاحتماء بالدولة بعدما كانت تُـحارب وتُـعتبر هي المسؤولية عن أوضاع النساء المزرية.
ولقد وضّحتْ لور فرانك Laure Frank (1) الشروط الضرورية التي تجعل الفرصة السياسية سانحة لقبول حل مثل هذا، وهي أربعة شروط:
– انفتاح أو انغلاق المنظومة السياسية والمؤسساتية
– استقرار أو عدم استقرار التحالفات السياسية
– حضور أو غياب حلفاء ضمن النخبة السياسية
– قدرة أو عجز الدولة على قمع المعارضة
فما هي مكامن قوة مبدأ المناصفة وضعفه؟ وكيف تم التعامل معه في التجربة المغربية ؟
لا يمكن التفكير في المناصفة دون التفكير في الكوتا، والتمييز الإيجابي، المساواة، الإنصاف، الاختلاط. ويجب التأكيد بوضوح أن المفهوم الوحيد الأساسي فيس هذه المسألة هو المساواة، والذي يا طلبُ الإنصاف كإصلاح وترميم له. فالمساواة حق أساسي لا يعترف بجنس بيولوجي أو وضع اجتماعي أو اختلافات بين الأفراد، وهذا ما يُعبر عنه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. ولا تتماهي (لا تختلط ولا تذوب) المساواة مع الهوية، كما لا تتناقض مع الاختلاف. وبما أنه مفهوم كوني ومطلق فإنه لا يتحقق في الواقع بشكل تام، لذلك يستلزمُ مفهومَ الإنصاف لتصحيح اللامساواة عبر تحقيق تكافؤ الفرص بين الرجال والنساء.
أما الاختلاط فهو دمج الجنسين في مجالات مختلفة وهو أنواع:
– اختلاط التعايش: حضور الرجال والنساء في مكان العمل مع اهتمام كل فئة منهما بمهن خاصة بها حسب جنسها.
-اختلاط مهيأ له: يقوم الرجال والنساء بنفس العمل ولكن دون أن يعني ذلك أنهم يقومون بنمس المهام،أي يتم توجيه كل طرف حسب الخصائص التي تعتبر فطرية فيه.
– اختلاط غير متميز: يقوم الرجال والنساء ينفس المهام وفق شروط عمل مماثلة لكن في محيط يكون لصالح الرجال.
– اختلاط التعاون: يكون فيه تقسيم فعلي للعمل بين النساء والرجال ينتج عنه تفاعل ونقل للكفاءات الخاصة بكل فرد لتطوير مجال العمل).
تُعتبر المناصفة وسيلة لتحقيق تمثيلية متساوية للنساء والرجال في المجال السياسي. وهي أداة تستخدم لتحقيق المساواة التي لم تتحقق بطريقة تلقائية. بل تعتبر شرطا لتحقيق العدالة والديمقراطية في مجالات عدة منها المشاركة السياسية. إنها تهدف إلى اقتسام سلطة التمثيلية وسلطة اتخاذ القرار بالتساوي بين الرجال والنساء، أي تهدف إلى النهوض بولوج النساء والرجال بالتساوي للمهام والوظائف والمسؤوليات السياسية وتلك التي لها علاقة باتخاذ القرار.
وبتعبير آخر، فالمناصفة هي العدالة الكمية من أجل الولوج لبعض الوظائف التي يتم تقـلدها عن طريق الانتخاب، إنها عمليا “طلب للعدالة” و”اعتراف بحيف اتجاه النساء”، و”حل لمأزق هامشية مواطنة النساء في الديمقراطية” ذلك المأزق المتمثل في الاختيار ما بين المساواة كحق كوني، والاختلاف الجنسي الذي يجعل النساء غير متمتعات بذلك الحق بسبب جنسهن. وهو الأمر الذي أدى لإعادة التفكير في مفهوم الكونية وعلاقته بالمساواة والخصوصية الفئوية (فئة النساء). فالكونية هنا تبدو مجردة ولا تسمح بأخذ وضع النساء في المشاركة السياسية بعين الاعتبار.
ولقد تم تبني المناصفة كأفق تقود إليه الكوتا. لأن الكوتا هي نسبة أو حصة مخصصة للنساء لكي يشغلن مسؤوليات أو مهاما أو وظائف. وتتطلب ضرورة تمثيل النساء بنسبة معينة (الثلث مثلا كما هو الأمر في المغرب) في مختلف هيآت الدولة (لوائح الترشيح، اللجان، الحكومة…). ووفقا لمنطق الكوتا، فليست النساء هن المسئولات عن وصولهن لتقـلد منصب أو وظيفة أو مسؤولية، وإنما تعود مسؤولية ذلك للدولة. والكوتا إجراء مؤقت. وإذا كانت المناصفة تعتبر مساواة كمية كاملة، فإن الكوتا تعتبر عتبة لا بد من تجاوزها، كما تعتبر أداة تمييزية. ويمكن التمييز بين عدة أشكال من الكوتا:
– الكوتا الدستورية: لما ينص عليها الدستور.
– الكوتا القانونية: لما تنص عليها القوانين الانتخابية.
– الكوتا الحزبية: لما تعتمدها الأحزاب في أنظمتها وقوانينها الداخلية.
– الكوتا الطوعية: لما تُعتمد بدون التنصيص عليها في أية نصوص.
تقول إليان فوجيل بولسكي Eliane Vogel-Polsky: “ليست المناصفة هي 50°/° للنساء و50°/° للرجال. فالمناصفة ضرورية باسم مساواة يفرضها وضع النساء، وليس باسم تمثيلية الأقلية”. إن لجوء المناضلات في الحركات النسائية للإصلاح القانوني وللحل الآتي من الأعلى، بناء على ضغوطات وتضـحيات، هو اعتراف بتحول عميق في طبيعة هذه الحركات وتخليها عن مطلب تغيير طبيعة السلطة من أجل تغيير وضع النساء. بل قدمت بعض المثقفات تبريرا نظريا لهذا الاختيار الجديد، مثل “فرانسين ديميشيل Francine Demichel (2) التي اعتبرت “أن المرأة هي الجنس القاصر في النظرية القانونية بسبب كونها لا مُـفكَـر فيها وغير مَـرئية”، وخلصت في تحليلها إلى “ضرورة إدماج الجنس في نظرية التمثيلية السياسية عبر المناصفة”.
وتوصف المناصفة والكوتا بالتمييز الإيجابي. (وهو المصطلح الذي طوره مؤتمر بيكين سنة 1995). والمقصود به ممارسة التمييز لصالح فئة اجتماعية على أساس العرق (الأقليات العرقية) أو الدين (الأقليات الدينية) أو المقدرات الذاتية (ذوو الاحتياجات الخاصة) أو الجنس (النساء)، وذلك عبر تبني إجراءات تفضيلية. فالتمييز الإيجابي (استعمل التمييز الإيجابي لأول في الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1961 من طرف الرئيس كينيدي، وفي سنة 1965، سنَّ الرئيس جونسون أمرا تنفيذيا يفرض على أرباب العمل التابعين للحكومة اتباع سياسة التمييز الإيجابي للتوظيف بغض النظر عن العرق والدين والأصل القومي، وأضيف الجنس إلى قائمة مناهضة التمييز سنة 1968. وتم إدخال التمييز الإيجابي في العديد من الاتفاقيات والمواثيق الدولية.) يتوخى إلغاء تمييز سلبي، ومن ثمَّ تحقيق المساواة.
وتهدف الكوتا والمناصفة لتحقيق المشاركة السياسية للنساء بالتساوي مع الرجال من أجل بلوغ المساواة والديمقراطية. علما أن المشاركة السياسية تعني في الأصل الاعتراف بالحقوق المتساوية للجماعات والأفراد في تدبير شؤونهم بأنفسهم، وترتكز على الاعتراف بالآخر بدون أي تمييز، وتتم من خلال القيام بأنشطة سياسية مباشرة أو غير مباشرة. وتعتبر المشاركة السياسية (تدخل الأنشطة التالية في المشاركة السياسية: التصويت، الترشيح، النقاش السياسي، تنظيم المؤتمرات والندوات والمشاركة فيها، المشاركة في الحملات الانتخابية، الانتماء للجمعيات والأحزاب والنقابات، الاتصال بالمسؤولين، الترشح للمناصب العامة، تقلد المناصب السياسية، التظاهر، الإضراب، مقاطعة الانتخابات…) من أهم ركائز الديمقراطية.
ويعرف “صامْويل هَنْـتِنْغْتون” Samuel Huntington المشاركة السياسية بأنها “النشاط الذي يقوم به المواطنون العاديون قصد التأثير في عملية صنع القرار الحكومي”. أما الماركة السياسية للنساء فتعني تعزيز دورهن السياسي ومساهمتهم في صنع القرارات السياسية وصنع السياسيات العامة والتأثير على اختيارات ومواقف القادة السياسيين.
ولقد نصت المواثيق الدولية لحقوق الإنسان على المشاركة السياسية للنساء كما نجد ذلك في المواد: 1 و2 و21 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وفي المادتين 3 و25 في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وفي المادة 7 من اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو CEDAW).
يحيل مصطلح المناصفة على “المحاسباتية”، وعلى الرياضيات وصرامتها (50% للنساء و50% للرجال)، فالمناصفة تنظيم للاختلاط بين الجنسين بشكل متساوي في فضاءات السلطة واتخاذ القرار، وكونه كذلك يجعله محدودا لا يمكن أن نستخرج منه أكثر مما فيه، وهو مَكّـنَ الحركة النسائية من تبني “ديمقراطية المناصفة” عوض “الديمقراطية”. وإذا كانت المساواة مفهوما واضحا فإن المساواة على أساس الجنس تظل غامضة، لأنها مساواة “الأرقام”، وهي وسيلة لبلوغ “مساواة معينة” لكنها “ليست المساواة”.
يمكن رصد عدة انتقادات للمناصفة لتبيين الإشكالات التي تطرحها، ومن بين تلك الانتقادات على سبيل المثال:
– أنَّ المناصفة هي هدم وتقويض للكونية. (فتركيزها أساسا على الاختلاف الجنسي يتجاهل أن النساء تُحتقرن وتهمشن باسم هذا الاختلاف الجنسي نفسه: “وليس الذكر كالأنثى”) (الآية 36 من سورة آل عمران – ولقد ألفت الباحثة التونسية ألفة يوسف كتابا تحت عنوان: “وليس الذكر كالأنثى” في الهوية الجنسية).
– أنَّ اعتماد المجالس المنتخبة وفضاءات اتخاذ القرار كأساس للمناصفة يهدم عمليات تحرر النساء في الواقع عبر ممارساتهن ونضالاتهن. فبدأ التحرر يتناقض مع سجن المرأة أو الرجل في “طبيعته البيولوجية” كذكر أو كأنثى.
– أنَّ المناصفة تبالغ في أهمية الاختلاف الأنثوي، وتهمش أشكال اللامساواة الأساسية الأم التي هي اللامساواة الاقتصادية والاجتماعية.
تقول سيلفيان أغاسنسكي Sylviane Agacinski (وهي فيلسوفة فرنسية، ازدادت سنة 1945، زوجها هو ليونيل جوسبان الوزير الأول الاشتراكي السابق، لها ولد من الفيلسوف جاك دريدا): “يجب الدفاع عن الكونية وليس عن جماعة ذات خصائص مشتركة كالنساء، لأن المرأة ليست مقولة جسدية، وليست مكونا ثقافيا، وليست طبقة اجتماعية، كما أن الأنوثة ليست كمية من الخصائص”.
وتقول فرانسواز كاشان Françoise Cachin (مديرة متاحف فرنسا): “إن المناصفة فكرة سيئة تبدو جيدة، تبدو مساعدة للنساء في الظاهر، لكنها في العمق تضر بهن، فهي تَـصَوُر سلطوي للسياسية على أساس جنسي. والقول بالمناصفة يعتبر تراجعا عن مكتسبات فكر الأنوار”.
وتقول مونا أزوف Mona Ozouf: “المناصفة هي كوتا بنسبة 50% لكل جنس، وهي كوتا غير عادلة لما نعرف أن عدد النساء يتجاوز 50%”.
إن هدف هذه الاستشهادات هو إبراز أن المفكرات والمثقفات ينتقدن مبدأ المناصفة باسم حقوق النساء. ويمكن أن نسترسل في سرد مواقف مشابهة أخرى (مثل مواقف المحللة النفسية والمؤرخة إليزابيث رودِنِسكو Elisabeth Roudinesco، والمحللة النفسية كارولين إلياشاف Caroline Eliacheff، وعالمة الاجتماع إرين تيري Irène Thèry، والمؤرخة ميشال ريوت سارساي Michel Riot-Sarcey، وعالمة الاجتماع دومنيك شنابر Dominique Schnapper…).
—
المراجع:
(1) Laure Frank, Mouvements contestataires dans le monde arabe et jeu d’échelles: limites à la lecture transnationaliste et explication des particularismes- n°- 2- 2012.
(2) Francine Demichel, Recueil. Dalloz Sirey Paris, 1996