بقلم :د.عمر زكريا أبوالقاسم كاتب سوداني
في خضم الحرب التي تمزق السودان، عاد إلى السطح خطاب قديم بثوب جديد، تقسيم الناس إلى وطنيين وغير وطنيين، ثم بناء ما يسمى بالحوار على هذا الأساس. هذا الطرح، مهما بدا حازما، يعاني من خلل جوهري: أنه يبدأ من الإقصاء، لا من البحث عن حل.
*ما هي الوطنية؟*
الوطنية ليست موقفا عابرا في لحظة حرب، ولا اصطفافا خلف بندقية بعينها. الوطنية، في معناها الذي يبني الدول لا يهدمها، هي التزام واضح بثلاثة أركان:
1- حماية وحدة البلاد وسيادتها
2- صون حياة المدنيين وكرامتهم
3- القبول بدولة قانون ومؤسسات مدنية
كل من يلتزم بهذه القواعد، قولا وفعلا، هو وطني, بغض النظر عن موقعه السياسي أو خلفيته. أما اختزال الوطنية في (من وقف مع من)، فهو تبسيط مخل، يفتح الباب لحروب لا تنتهي.
*من هو العدو؟*
العدو ليس حزبا بعينه، ولا تيارا فكريا، ولا حتى مجموعة اجتماعية.
تحويل العدو، إلى هوية جماعية هو أخطر ما يمكن أن يحدث، لأنه يبرر الإقصاء والعنف بلا حدود.
العدو، بالتعريف الذي يخدم السلام، هو:
- من يستهدف المدنيين أو يبرر استهدافهم
- من يعرقل وقف الحرب ويستثمر في استمرارها
- من يسعى لتفكيك الدولة لصالح سلطة خاصة أو فئوية.
بهذا المعنى، يصبح العداء موجها للسلوك، لا للهوية. وهذا فرق حاسم بين من يريد إنهاء الحرب، ومن يريد إدارتها.
*مع من نحاور؟*
السؤال الصعب الذي يحاول البعض الهروب منه هو:
هل نحاور من نختلف معهم جذريا؟
الإجابة الواقعية: نعم، إذا كان الهدف هو إيقاف الحرب.
الحوار الجاد لا يُبنى على الراحة النفسية، بل على ميزان القوة والتأثير. لذلك لا بد أن يشمل:
- الأطراف المسلحة الفاعلة على الأرض
- القوى السياسية المدنية بكل أطيافها، دون انتقاء مريح
- ممثلي المجتمعات التي دفعت ثمن الحرب.
لكن ليس بلا شروط. الشرط الأساسي لأي حوار ذي معنى هو:
الالتزام بوقف إطلاق النار، والانخراط في عملية سياسية تقود إلى سلطة مدنية.
*لماذا يفشل خطاب الحوار الوطني الصرف؟*
لأنه يطرح حوارا مشروطا بالانتماء، لا بالالتزام. يقول ضمنيا: نحن من نحدد من هو وطني، ثم نتحاور مع من نشاء.
هذا ليس حوارا، بل إعادة ترتيب صفوف. وهو، في أحسن الأحوال، ينتج سلطة جديدة بنفس أدوات الأزمة القديمة.
*ما الذي يحتاجه السودان الآن؟*
ليس المزيد من الشعارات، بل وضوح في القواعد:
- توسيع تعريف الوطنية ليشمل كل من يلتزم بالدولة والقانون
- تضييق تعريف العدو ليقتصر على من يمارس العنف أو يعرقل السلام
- إطلاق عملية حوار شاملة بضمانات حقيقية للتنفيذ
- تقديم وقف الحرب كأولوية مطلقة، لا كورقة تفاوض
يجب ان يعلم الجميع، ان الوطن لا يبنى بخنادق متقابلة، ولا بتصنيفات جاهزة. كل خطاب يبدأ بالإقصاء سينتهي إلى إطالة الحرب، مهما ادّعى غير ذلك.
الطريق الصعب، لكنه الوحيد الممكن، هو أن نحاور المختلف، ونواجه فقط من يختار العنف طريقا.
حينها فقط، يمكن أن يصبح الحوار الوطني طريقً للخلاص، لا عنوانا جديدا للأزمة.