الرباط :زينب الدليمي
أكدت آمنة بوعياش، رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، أن الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية لم تعد مسألة مرتبطة بالمستقبل ، بل أضحت جزءا لا يتجزأ من تفاصيل الحياة اليومية، حيث باتت تسهم في تغيير أساليب التواصل والعمل وطرق الولوج إلى مختلف الخدمات، فضلا عن تأثيرها المباشر على مشاركة الأفراد في الحياة العامة. وأبرزت بوعياش، في كلمة خلال ندوة بالرباط ، تناولت موضوع الذكاء الاصطناعي أن هذه التقنيات المتقدمة أصبحت تساهم أيضا في تغيير أشكال تقييد الحقوق، وتتيح فرصا مهمة لتحسين الولوج إلى الحقوق وجعل الخدمات العمومية أكثر نجاعة، إضافة إلى تعزيز الإدماج الاجتماعي ، منبهة إلى أنها قد تؤدي إلى تعميق الفوارق الاجتماعية، وإضعاف الحريات، وتعريض الأفراد لأنواع جديدة من المخاطر.وأضافت المسؤولة الحقوقية، أن هناك تساؤلا يبدو بسيطا من حيث الصياغة، لكنه يحمل في طياته بعد جوهري ويتمثل في ما إذا كان ينبغي الاستسلام لهذه التحولات أو العمل على التحكم فيها وتوجيهها ، معتبرة أن هذا التساؤل لا يندرج فقط ضمن الجوانب التقنية، بل يتجاوز ذلك ليحدد ملامح مستقبل الحقوق، ومؤكدة أن حقوق الإنسان تظل كونية وغير قابلة للتجزئة، وتسري على جميع المجالات، بما فيها الفضاء الرقمي وتقنيات الذكاء الاصطناعي .وشددت بوعياش على ضرورة أن تظل الكرامة الإنسانية المرجعية الأساسية ، التي تؤطر مختلف مراحل تطوير هذه التقنيات واستخدامها، من مرحلة التصميم إلى مرحلة التطبيق، مبرزة أن الإمكانات التي يتيحها الذكاء الاصطناعي كبيرة جدا، غير أن المخاطر المرتبطة به لا تقل أهمية، إذ تشكل المعلومات المضللة تهديدا حقيقيا للتمتع بالحقوق والحريات، خاصة حرية التعبير، كما أن تقنيات التزييف العميق تساهم في طمس الحدود الفاصلة بين الحقيقة والزيف .كما نبهت رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان إلى أن التحيزات التي قد تتضمنها الخوارزميات يمكن أن تعيد إنتاج أشكال متعددة من التمييز، مؤكدة أن انشغال الفاعلين في مجال حقوق الإنسان ينصب على ضرورة وضع حدود واضحة تحول دون المساس بالكرامة الإنسانية بفعل التكنولوجيا ، ومشيرة إلى أن مواجهة هذه التحديات تقتضي تحملا جماعيا للمسؤولية، حيث يتعين إدماج مبادئ حقوق الإنسان في مختلف مراحل تطوير هذه التقنيات، مع التأكيد على الدور المحوري الذي تضطلع به المؤسسات الوطنية ، في هذا المجال .وأضافت بوعياش ،أن دور المؤسسات الوطنية لا يتمثل في عرقلة مسار الابتكار، وإنما في ضمان توافقه مع مبادئ حقوق الإنسان واحترام الحريات، متابعة أن عملها يركز أساسا على الوقاية من المخاطر، وحماية الأفراد وصون حقوقهم، وتعزيز الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا ، ومشددة على أن طبيعة التحديات الراهنة، التي تتسم بطابع عالمي، تفرض اعتماد مقاربات جماعية منسقة تقوم على المسؤولية المشتركة، نظرا لعدم قدرة أي جهة على مواجهتها بشكل منفرد ، والمرحلة الحالية تمثل منعطف حاسم حيث يمكن للابتكار أن يشكل دعامة أساسية للنهوض بالثقافة وتعزيز الحقوق ودعم مسار التنمية، كما يمكن في المقابل أن يتحول إلى عامل يهدد هذه المكتسبات ويمس بها ، فمستقبل المجتمعات لا تحدده التكنولوجيا في حد ذاتها، بل يتوقف على الاختيارات التي يتخذها الفاعلون، وعلى مدى قدرتهم على توجيه هذه التحولات لخدمة الكرامة الإنسانية وترسيخ العدالة وتعزيز الإدماج .