إيران طائر الفينيق: لماذا لا تكفي الحرب لإسقاط الدولة العقائدية؟

ذ. محمد معروف، جامعة شعيب الدكالي

ذ. محمد معروف، جامعة شعيب الدكالي

 من أكثر الأخطاء التحليلية شيوعًا في قراءة الصراع بين إيران والقوى الرأسمالية التي تحاول إخضاع إيران لمنطق النظام الدولي هي اختزال هذا الصراع في نموذج الحرب التقليدية بين الدول، أي ذلك النموذج الذي يُقاس فيه الانتصار بتدمير البنية التحتية، وتحطيم القدرات العسكرية، وإجبار الخصم على الاستسلام السياسي. هذا المنطق قد يصلح لتفسير حروب من نمط الحرب الروسية الأوكرانية، حيث تتواجه دولتان داخل أفق جيوسياسي كلاسيكي تحكمه حسابات الأرض والاقتصاد والسياسة والقدرة العسكرية. غير أن إيران ليست مجرد دولة قومية عادية تدير مصالحها وفق عقلانية مادية خالصة، بل هي أيضًا دولة عقائدية بُني جزء من شرعيتها على فكرة المقاومة ذاتها، وعلى تحويل الصمود إلى قيمة سياسية ودينية في آن واحد.

هنا تحديدًا تكمن الإشكالية التي كثيرًا ما تفشل المقاربات الغربية في فهمها. فالجمهورية الإسلامية الإيرانية ليست مجرد مؤسسات، ولا مجرد بنية تحتية قابلة للتحطيم، بل هي أيضًا سردية ثورية متجذرة في الوعي السياسي للنظام. ولذلك، فإن الحرب ضد إيران لا تُقرأ داخلها باعتبارها تهديدًا خارجيًا فقط، بل باعتبارها تأكيدًا لصحة رؤيتها للعالم: “نحن مستهدفون لأننا نقاوم ونمانع…”. ومن ثمّ، فإن التدمير العسكري قد يضعف الدولة ماديًا، لكنه قد يمنح التيار العقائدي الصلب داخلها شرعية رمزية إضافية.

هذه النقطة تجعل الصراع مع إيران مختلفًا عن مجرد مواجهة مع دولة تسعى إلى الحفاظ على حدودها أو مصالحها الاقتصادية فقط. فالنظام الإيراني، منذ الثورة الإسلامية عام 1979، شيّد جزءًا من هويته السياسية على فكرة “الصمود التاريخي”، وعلى سردية المظلومية والمقاومة والشهادة. ولهذا لا يمكن افتراض أن انهيار البنية التحتية سيؤدي تلقائيًا إلى انهيار المنظومة السياسية أو العقائدية. ولا يمكن فهم الصلابة الرمزية للدولة الإيرانية دون الانتباه إلى البعد الحضاري العميق الذي تستند إليه في تمثيل ذاتها. فالجمهورية الإسلامية تقدم نفسها باعتبارها وريثة لمسار تاريخي طويل يرى في إيران كيانًا حضاريًا تعرض مرارًا للغزو والاحتواء ومحاولات الإخضاع، لكنه استطاع دائمًا إعادة إنتاج نفسه. ولهذا، فإن خطاب المقاومة في المخيال السياسي الإيراني لا يُقرأ بوصفه دفاعًا عن نظام سياسي قائم فقط، بل باعتباره دفاعًا عن استمرارية تاريخية وحضارية أوسع. ومن هنا تكتسب الحرب والتفاوض معًا أبعادًا تتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة، لأن أي صراع خارجي يُعاد دمجه داخل سردية تاريخية ترى في إيران حضارة قادرة على النجاة من الانكسارات وإعادة النهوض من جديد، على نحو يشبه صورة “طائر الفينيق” التي تتكرر ضمنيًا في الوعي السياسي للنظام وأنصاره.

من هنا يمكن فهم التشبيه الذي قد يبدو للوهلة الأولى صادمًا، أي مقارنة قدرة إيران على البقاء بما سمّاه بعض منظّري الجهادية أبو بكر ناجي بـ“إدارة التوحش”. المقصود هنا ليس المساواة بين إيران والتنظيمات الجهادية العابرة للدول، فالفارق بينهما هائل من حيث البنية والتاريخ والوظيفة السياسية، بل الإشارة إلى نقطة تحليلية محددة: بعض الأنظمة العقائدية تمتلك خيالًا سياسيًا يسمح لها بتصور الاستمرار حتى بعد الانهيار للدولة الحديثة. فهي تستطيع إعادة تنظيم نفسها في أشكال بدائية أو لا مركزية، عبر الشبكات العقائدية، والمؤسسات الدينية، والولاءات المحلية، والأجهزة الموازية، والاقتصاد غير الرسمي، والميليشيات أو الجماعات الجهادية الحليفة.

بمعنى آخر، قد تتحول الدولة المدَمَّرة إلى ما يشبه “طائر الفينيق” الذي يخرج من الرماد لا بوصفه دولة مستقرة بالمعنى الكلاسيكي، بل بوصفه بنية مقاومة قادرة على البقاء وإعادة إنتاج نفسها. وهذا ما يجعل فكرة “الانتصار الكامل” على إيران شديدة التعقيد. فحتى لو تعرضت منشآتها العسكرية والاقتصادية لضربات قاصمة، فإن ذلك لا يعني بالضرورة نهاية المنظومة الحاكمة، لأن جزءًا من قوة هذه المنظومة يكمن أصلًا في قدرتها على تحويل الألم والخسارة إلى رأسمال رمزي.

وما يمنح الدول والحركات العقائدية قدرتها على الاستمرار لا يرتبط بإمكانياتها العسكرية أو المؤسسية فقط، بل أيضًا بعلاقتها المختلفة بالزمن وبفكرة “الثبات”. ففي العديد من البنى الجهادية والعقائدية، لا يُنظر إلى الصمود باعتباره مجرد وضع دفاعي مؤقت، بل باعتباره قيمة تأسيسية تؤكد صدق المشروع وأحقيته التاريخية. فالثبات هنا ليس تحملًا سلبيًا للخسارة، بل ممارسة سياسية وعقائدية تُحوِّل الاستمرار ذاته إلى شكل من أشكال الانتصار الرمزي. ورغم الفوارق العميقة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والتنظيمات الجهادية العابرة للدول، فإنهما يشتركان، بدرجات مختلفة، في تمَثُّل ثقافي يجعل القدرة على البقاء تحت الحصار والضغط جزءًا من الشرعية العقائدية للنظام أو الحركة. ومن هذا المنطلق تحديدًا تنشأ حروب الاستنزاف؛ إذ يصبح الزمن نفسه سلاحًا استراتيجيًا يُستخدم لإنهاك الخصم نفسيًا واقتصاديًا وسياسيًا، لا مجرد إطار محايد للحرب. فبينما تراهن القوى الكبرى غالبًا على الحسم السريع والتفوق التكنولوجي، تراهن المنظومات العقائدية على النفس الطويل، وعلى قدرتها على امتصاص الضربات وتحويل كلفة الحرب الممتدة إلى عبء يقع تدريجيًا على العدو نفسه. ولذلك، فإن طول الصراع لا يؤدي بالضرورة إلى انهيار هذه المنظومات، بل قد يتحول إلى مورد لإعادة إنتاج خطاب المقاومة وتكريس صورة النظام بوصفه كيانًا قادرًا على الثبات مهما بلغت كلفة المواجهة.

ولا يكتمل فهم قدرة الدولة العقائدية على الصمود دون الانتباه إلى الكيفية التي تُنتج بها صورة “الآخر المعادي” داخل خطابها السياسي. ففي الحالة الإيرانية، لا تُقدَّم الولايات المتحدة وإسرائيل بوصفهما خصمين جيوسياسيين فحسب، بل باعتبارهما تهديدًا وجوديًا وأخلاقيًا يستهدف الأمة والثورة معًا. ولهذا تكتسب الشعارات والاستعارات السياسية، من قبيل “الموت لأمريكا” و”الموت لإسرائيل”، وظيفة تتجاوز التعبئة الظرفية، لتتحول إلى آلية رمزية لإنتاج الوحدة الداخلية وإعادة شحن التضامن الاجتماعي في لحظات التوتر والحرب. إن بناء العدو داخل المخيال السياسي الإيراني لا يقتصر على توصيف خصم خارجي، بل يساهم في ترسيم الحدود الأخلاقية للجماعة وتعزيز شعورها بالمصير المشترك. ومن ثم، فإن الحرب أو التهديد الخارجي لا يؤديان إلى تعبئة عسكرية فقط، بل يعيدان أيضًا تنشيط البنية الرمزية التي يستند إليها النظام في إنتاج الشرعية. ولهذا السبب، فإن أي مرحلة تفاوض أو ما بعد حرب تظل شديدة الحساسية؛ إذ لا يتعلق الأمر بتسوية سياسية أو أمنية فقط، بل بإعادة تعريف صورة العدو نفسها داخل الوعي الجماعي، وهي عملية معقدة بالنسبة لنظام تأسس جزء من تماسكه على استدامة هذا التوتر الرمزي مع الخارج.

وأخطر ما في الدول العقائدية، لا يتمثل في قدرتها على الصمود فقط، بل أيضًا في قدرتها على إعادة تعريف حدود المعاناة المقبولة اجتماعيًا. ففي حين تفترض الحسابات الاستراتيجية التقليدية أن تدهور الاقتصاد، وانهيار البنية التحتية، واتساع دائرة الألم الاجتماعي ستؤدي تلقائيًا إلى تفكك النظام أو انفجار المجتمع ضده، تستطيع المنظومات العقائدية أحيانًا تحويل المعاناة نفسها إلى جزء من سردية الصمود. وهنا يصبح بقاء الدولة أو النواة العقائدية للنظام ممكنًا حتى في ظل تآكل شروط الحياة الطبيعية للمجتمع. فالنظام لا يربط دائمًا شرعيته بالرفاه، بل بالقدرة على “التحمل” و”الثبات” في مواجهة العدو. ومن ثم، فإن الحرب الطويلة قد لا تنتج دولة ضعيفة فقط، بل مجتمعًا مُنهكًا يستمر رغم ذلك في الدوران داخل خطاب التضحية الجماعية. وهذه النقطة تحديدًا هي ما يجعل الرهان على الانهيار السريع للدول العقائدية رهانًا محفوفًا بسوء الفهم.

ومع مرور الزمن، لا تبقى الأزمة في هذا النوع من الأنظمة مجرد ظرف استثنائي عابر، بل تتحول تدريجيًا إلى بنية حكم قائمة بذاتها. فالدولة العقائدية تتعلم كيف تُؤسْسِنُ الأزمة وتحوّلها إلى وضع طبيعي دائم، بحيث يصبح الحصار، والعقوبات، وشح الموارد، والتعبئة الأمنية، جزءًا من الحياة السياسية اليومية لا حالة طارئة ينبغي إنهاؤها بسرعة. وفي هذا السياق، لا يعود النظام يُدير المجتمع رغم الأزمة، بل يُعيد تنظيم المجتمع من داخل الأزمة نفسها. وهكذا تتشكل مؤسسات واقتصادات وشبكات ولاء متكيفة مع الندرة والحصار والاستنفار المستمر، إلى درجة يصبح معها رفع حالة التوتر الكامل خطرًا محتملًا على تماسك البنية ذاتها. ومن هنا، فإن بعض الأنظمة العقائدية لا تخشى الحرب الطويلة فقط، بل قد تجد في استمرار التهديد الخارجي موردًا لإعادة إنتاج سلطتها وتبرير قبضتها الداخلية، لأن الأزمة المستمرة تتحول مع الوقت إلى جزء من هوية النظام وآلية اشتغاله.

ما قد تُنتجه الحروب ضد الدول العقائدية، لا يكمن في تدمير مؤسسات الدولة فقط، بل في احتمال تفكيك المجتمع ذاته. فثمة فرق جوهري بين إسقاط النظام وإبقاء البنية الاجتماعية قابلة لإعادة الاستقرار، وبين تحطيم الإطار الذي ينظم المجتمع إلى درجة تنفجر معها كل التناقضات الكامنة دفعة واحدة. إذ أن انهيار الدولة في السياقات العقائدية والمأزومة لا يفتح دائمًا الطريق أمام نظام أكثر اعتدالًا أو ديمقراطية، بل قد يؤدي إلى ولادة فضاءات ممزقة تتحكم فيها الميليشيات، والاقتصادات الموازية، والهويات الطائفية المسلحة، وأنماط بدائية من الحكم العقائدي اللامركزي. وعند هذه النقطة، لا يعود السؤال الأساسي هو: “كيف يمكن إسقاط النظام؟”، بل يصبح: “كيف يمكن منع تحول المجتمع نفسه إلى ساحة مفتوحة لفوضى أكثر راديكالية؟”. في بعض الحالات، مهما بلغ مستوى التوتر مع الأنظمة، تظل هذه الأخيرة تؤدي وظيفة احتواء الانفجار الكامل للمجتمع، وعندما تنهار دون وجود بديل منظم، قد يتحول الفراغ الناتج عنها إلى بيئة مثالية لإعادة إنتاج أشكال أكثر عنفًا وتطرفًا من السلطة المنهارة.

إن الاعتقاد أن الضغط الاقتصادي والعسكري الأقصى وحده كافٍ لإنتاج الاستسلام في الحالة الإيرانية يعتبر قراءة غير دقيقة، فالنظام العقائدي لا يتعامل مع الهزيمة بالطريقة نفسها التي تتعامل بها الدول الكلاسيكية. إذ يمكنه إعادة تأويل التراجع باعتباره تضحية تاريخية، وإعادة تقديم البقاء ذاته باعتباره انتصارًا. ولذلك فإن التفاوض مع إيران لا يمكن أن يُبنى على منطق الإذلال العلني أو تحطيم الكرامة الرمزية للنظام، لأن ذلك قد يدفعه إلى مزيد من التشدد بدل الاستسلام. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: إذا كانت الولايات المتحدة وإسرائيل تريدان بالفعل تجنب انفجار إقليمي طويل الأمد، فإنهما مضطرتان إلى ترك مخرج رمزي للنظام الإيراني. ليس حبًا فيه، بل لأن الأنظمة العقائدية تحتاج دائمًا إلى الحفاظ على سردية الكرامة أمام جمهورها الداخلي. فالتفاوض الناجح مع هذا النوع من الأنظمة لا يقوم على إعلان الهزيمة الكاملة، بل على إنتاج صيغة تسمح لكل طرف بادعاء قدر من الانتصار الرمزي.

لهذا السبب غالبًا ما تلجأ إيران إلى التفاوض غير المباشر، والغموض الدبلوماسي، والخطاب المزدوج الذي يجمع بين التحدي العلني والبراغماتية العملية. فهي تحتاج إلى الاتفاق، لكنها تحتاج أيضًا إلى أن يبدو الاتفاق وكأنه نتيجة صمود لا نتيجة خضوع. إن المشكلة في الصراع مع إيران ليست عسكرية أو نووية فقط، بل سوسيولوجية وسيكولوجية أيضًا. إنها تتعلق بكيفية التعامل مع دولة تعتبر أن النجاة نفسها شكل من أشكال الانتصار. وهذا ما يجعل الحرب معها مختلفة جذريًا عن الحروب التقليدية: فالتدمير قد لا يؤدي إلى النهاية، بل قد يفتح الباب أمام ولادة أشكال جديدة وأكثر فوضوية من البقاء العقائدي.

وفي عالم يزداد فيه الميل إلى قراءة الصراعات بمنطق القوة الصلبة وحدها، تبدو هذه القراءة مزعجة للكثيرين:فبعض الأنظمة، لا يكفي أن تُهزم عسكريًا لكي تنتهي، لأنها بُنيت أصلًا على فكرة الصمود والقدرة على العيش داخل الحصار والخراب والتهديد المستمر. وإيران، بكل تعقيداتها المجتمعية، تبدو واحدة من أبرز هذه الحالات.

 

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد