مؤسسة الزواج تنهار : الشباب ليسوا في حاجة دعوة للزواج بل إلى إعادة الاعتبار لمعناه الحقيقي

بقلم : بوشعيب حمراوي

بقلم : بوشعيب حمراوي

تأملوا هذا التحول الهادئ الذي يتسلل إلى المجتمع المغربي سنة بعد أخرى؛ ففي زمن تتسارع فيه التحولات الاقتصادية والثقافية والرقمية، وتتبدل فيه أنماط العيش والعلاقات، لم يعد موضوع الزواج مجرد قرار شخصي يخص فردًا أو أسرة، بل تحول إلى قضية مجتمعية تمس الاستقرار النفسي والتوازن الاجتماعي والمستقبل الديمغرافي لأي وطن. لقد صار كثير من الشباب والشابات يؤجلون الزواج إلى أجل غير معلوم، وبعضهم ينظر إليه كعبء ثقيل، أو مخاطرة مالية، أو قيد على الحرية، بينما يعتبره آخرون مشروعًا محفوفًا بالمشاكل والنزاعات. وهنا يكمن الخطر الحقيقي، لأن المجتمع الذي يتراجع فيه الإقبال على تكوين الأسر، يبدأ تدريجيًا في فقدان دفئه الداخلي وتماسكه الطبيعي.
فالزواج لم يكن يومًا مجرد حفلة عابرة أو وثيقة تحفظ في درج، بل كان مؤسسة لبناء الإنسان، ومدرسة للصبر والتعاون، وحصنًا للاستقرار، وفضاءً للتربية، ومنبعًا لاستمرار الأجيال. لذلك فإن الدفاع عن الزواج اليوم ليس دفاعًا عن تقليد قديم، بل دفاع عن الإنسان نفسه، وعن حقه في السكينة، وعن وطن يحتاج إلى أسر قوية أكثر من حاجته إلى الشعارات البراقة.
حين يخاف الشباب من الزواج فهم يخافون من صورته المشوهة

كثير من الشباب لا يرفضون الزواج في جوهره، وإنما يرفضون الصورة القاتمة التي صارت تحيط به. يسمعون كل يوم عن الطلاق، والمحاكم، والنفقة، والصراعات العائلية، والخيانة، وسوء الاختيار، فيتشكل لديهم انطباع بأن الزواج باب للمتاعب لا باب للطمأنينة. كما ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تضخيم النماذج الفاشلة، وعرض العلاقات المضطربة، وتقديم الحياة الفردية وكأنها النموذج الأعلى للنجاح والسعادة.
إن الشباب اليوم لا يحتاجون فقط إلى دعوة للزواج، بل يحتاجون إلى إعادة الاعتبار لمعناه الحقيقي. فالزواج ليس حربًا بين طرفين، ولا سجنًا مغلقًا، ولا مشروعًا لإلغاء الذات، بل شراكة ناضجة بين شخصين يتعاونان على مواجهة الحياة، بكل ما فيها من تعب وأمل، ضعف وقوة، نجاح وتعثر. إنه انتقال من الأنا الضيقة إلى نحن الرحبة.
الزواج ليس للأغنياء فقط بل للكادحين أيضًا

من أخطر الأفكار التي تسربت إلى عقول الناس اعتبار الزواج مشروعًا لا يليق إلا بمن امتلك المال الكثير، والسكن الفاخر، والدخل المرتفع، والجاهزية الكاملة. وهكذا تحول الزواج في أذهان البعض إلى امتياز طبقي بدل أن يبقى حقًا اجتماعيًا وإنسانيًا. وهذه الفكرة عطلت زواج آلاف الشباب، وجعلت الحلم الطبيعي يبدو وكأنه مهمة مستحيلة.
الحقيقة أن أغلب الأسر الناجحة لم تبدأ حياتها الزوجية من القصور ولا من الحسابات البنكية الكبيرة، بل بدأت من غرف بسيطة، وإمكانات محدودة، وطموحات مشتركة، وإرادة صادقة. كم من زوجين انطلقا من الصفر، ثم بنيا حياتهما بالصبر والعمل، وكم من زواج فاخر انهار لأنه افتقد الاحترام والمودة. فالمال يسهل الحياة، لكنه لا يصنع وحده أسرة ناجحة.
الزواج ليس جائزة للأغنياء، بل قد يكون بداية للكفاح المنظم، ومحركًا للطموح، ودافعًا لتحمل المسؤولية. فمن وجد شريكًا صادقًا، وجد سندًا نفسيًا ومعنويًا يعينه على صعوبات الطريق.
الأسرة هي الخلية الأولى للوطن
قبل أن نتحدث عن الدولة، والجهة والإقليم و المدينة، والحي و القرية، والدوار والمؤسسات..، يجب أن نتذكر أن كل هذه البنيات تتكون أولًا من أسر. فالأسرة هي المصنع الأول للقيم، والمدرسة الأولى للأخلاق، والحصن الأول ضد الانحراف، والمصدر الأول للتكافل والتوازن النفسي. وإذا ضعفت الأسرة، اختل ما فوقها من بنايات اجتماعية مهما بدت قوية.
حين تتراجع مؤسسة الزواج، وتتقلص الأسر، وتنتشر العزلة، يبدأ المجتمع في فقدان معناه العميق. يكثر الأفراد لكن يقل الانتماء، ترتفع العمارات لكن تضعف الروابط، تتطور الوسائل لكن يتراجع الإحساس بالأمان الإنساني. فالوطن لا يبنى فقط بالمشاريع الاقتصادية، بل يبنى أيضًا ببيوت مستقرة، وأطفال ينشؤون في مناخ سليم، وأزواج يتعاونون بدل أن يتصارعوا.
الشباب بحاجة إلى الحضن الدافئ لا إلى الوحدة الباردة
قد يظن البعض أن الاستقلال الفردي يغني عن الأسرة، وأن الوحدة المريحة أفضل من الالتزام المتعب، لكن الإنسان مهما ادعى القوة يبقى كائنًا يحتاج إلى الأنس والمساندة والاحتواء. يحتاج إلى من يشاركه الفرح حين ينجح، ومن يسنده حين يتعثر، ومن يسمع صمته قبل كلامه.
كم من شباب يملكون هواتف ذكية، وحسابات كثيرة، وعلاقات رقمية واسعة، لكنهم يعيشون فراغًا عاطفيًا قاسيًا، ووحدة صامتة، وقلقًا داخليًا لا تعالجه الشاشة. وكم من شخص يبدو ناجحًا في الظاهر، لكنه يفتقد دفء البيت، وطمأنينة الشريك، وابتسامة طفل تملأ الحياة معنى. فالزواج ليس مجرد إنجاب، بل هو علاج لكثير من الوحشة الحديثة التي صنعتها المدنية الباردة.
لا تجعلوا المظاهر تقتل المعاني
من أسباب تأخر الزواج أيضًا تضخم التكاليف، والمبالغة في الأعراس، والتنافس الاجتماعي الفارغ، وكأن الزواج مهرجان استهلاكي لا بداية حياة. هنا يجب أن تعود الحكمة إلى الأسر والشباب معًا، وأن يُفهم أن قيمة الزواج ليست في عدد المدعوين، ولا في فخامة القاعة، ولا في صور منصات التواصل.
ليس ضروريًا أن يبدأ الزواج بديون مرهقة، ولا بحفلات تستنزف الجميع، ولا بأثاث يفوق الحاجة. الأهم أن يبدأ بصدق، واحترام، وقدرة على التعاون، وتفاهم على الأولويات. كم من زواج بسيط دام طويلًا، وكم من زواج مبهر انتهى سريعًا.
الدولة والمجتمع مطالبان بعدم ترك الشباب وحدهم
إذا كانت الأسرة أساس المجتمع، فمن الحكمة أن تضع الدولة سياسات مشجعة للزواج، مثل دعم السكن الأول، وتيسير فرص الشغل، ورعاية الأطفال، وتخفيف أعباء الحياة عن الأسر الشابة. كما يجب على الإعلام والمدرسة والمسجد والجمعيات أن يساهموا في نشر ثقافة الزواج المسؤول، لا ثقافة التخويف والسخرية والتهويل.
وعلى الأسر كذلك أن تتوقف عن تعقيد المساطر الاجتماعية، وتحويل الزواج إلى امتحان تعجيزي، وأن تعود إلى روح التعاون بدل عقلية الاستنزاف. فالشباب لا يحتاجون مزيدًا من العراقيل، بل يحتاجون أبوابًا مفتوحة وأملًا ممكنًا.
الجد حول مدونة الأسرة .. هو من فكك الأسرة…
ومن بين الملفات التي زادت من تردد عدد من الشباب في الإقبال على الزواج، واستأثرت بنقاش واسع داخل البيوت والمقاهي ومنصات التواصل، ملف مدونة الأسرة وما رافق مراجعتها من جدل حاد. فالكثير من الرجال يعتبرون أن بعض المقتضيات الحالية أو التعديلات المقترحة قد تُحمّلهم التزامات مالية واجتماعية يرونها غير متوازنة، خصوصًا عند وقوع الطلاق، مثل السكن، والنفقة، والحضانة، وتقسيم الممتلكات، وطول المساطر القضائية. ويشعر بعضهم أن الزواج قد يتحول من مشروع مودة إلى مشروع مخاطرة قانونية مفتوحة، خاصة إذا كان الدخل محدودًا أو العمل غير مستقر. وفي المقابل، ترى نساء كثيرات أن المدونة ما زالت تحتاج إلى مزيد من الضمانات لحماية المرأة والطفل من الإهمال أو التهرب من المسؤولية. هذا التجاذب خلق لدى فئة من الشباب صورة مرتبكة عن الزواج، بين من يراه مؤسسة إنسانية نبيلة، ومن يراه التزامًا قد ينتهي بصراع مرهق أمام المحاكم. وقد زاد هذا النقاش حساسية مع الأرقام الرسمية التي أظهرت تسجيل نحو 259 ألف عقد زواج سنة 2024 مقابل ما يقارب 147 ألف حالة انفصال بمختلف الصيغ بين طلاق وتطليق، فيما سُجلت 40 ألف قضية طلاق وأكثر من 107 آلاف ملف تطليق داخل المحاكم الأسرية، وهي أرقام جعلت قضايا الأسرة من أكثر الملفات ضغطًا على القضاء المغربي. لذلك فإن الإصلاح الحقيقي لا ينبغي أن يكون بمنطق الغلبة لطرف على آخر، بل بمنطق العدل والتوازن؛ حماية المرأة من الظلم، وحماية الرجل من الإجحاف، وصون الطفل من التشرد النفسي والاجتماعي، حتى يعود الزواج في وعي الشباب مشروع سكينة واستقرار، لا بابًا للخوف والتردد.
نداء …
أيها الشباب والشابات، لا تؤجلوا حياتكم في انتظار الكمال، فالكمال لا يأتي، والحياة تبدأ ناقصة ثم تكتمل بالسعي. لا تنتظروا شريكًا بلا عيوب، ولا وظيفة بلا قلق، ولا بيتًا بلا نقص، ولا زمانًا بلا مشاكل. اختاروا على أساس الأخلاق والاحترام والقدرة على الحوار والاستعداد للبناء المشترك، فهذه أعمدة تدوم أكثر من المال والجمال والمظاهر.
الزواج ليس ملفًا إداريًا، بل مشروع حياة. ليس نهاية الحرية، بل بداية النضج. ليس عبئًا دائمًا، بل فرصة لصناعة السكينة وبناء الامتداد الإنساني. وإذا أردنا مجتمعًا متماسكًا، واقتصادًا حيًا، وأجيالًا متوازنة، فعلينا أن نعيد الاعتبار للأسرة، وأن نيسر سبل الزواج، وأن نزرع الثقة بدل الخوف.
فلا وطن قوي بلا أسر قوية، ولا أسر قوية بلا زواج واعٍ ومسؤول، ولا مستقبل مظلم ما دام في هذا الوطن شباب قادرون على تحويل الحب إلى حضن، والتعب إلى كفاح، والأمل إلى حياة جديدة.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد