هل هناك لغة للفلسفة بامتياز ؟

الأستاذ محمد الهلالي
اقترح فرنسيس باكون إيجاد لغة عالمية تردّ الاعتبار للطبيعة كما تصفها علوم القرن السابع عشر. فاللغة الفلسفية الفعلية في نظره هي تلك اللغة الفلسفية التي تعكس الطبيعة فعليا، وبما أن اللغة الفلسفية الموجودة شُكِلت في غياب الدقة العلمية فيجب اختراع لغة فلسفية أخرى.
ولقد بدأ الحلم بلغة فلسفية مع طوماس مور (1516) واستمر مع ديكارت الذي كتب في رسالة شهيرة إلى الأب ميرسين (1629) ما يلي:
“لو أن أحدا نجح في تفسير الأفكار البسيطة التي توجد في خيال الناس والتي يتكوّن منها كلُ ما يفكرون فيه، ولو أن هذا الأمر توصل إليه الناسُ جميعا، سأجرؤ على أن آمل بعد ذلك بوجود لغة عالمية من السهل جدا تعلمُها ونطقُها وكتابتُها، والتي سوف تساعد (وهذا هو الأساسي) على الحُكم الصائب بحيث تقدم له جميع المعطيات مما يستحيل معه الوقوع في الخطأ (…) وأقول أن هذه اللغة ممكنة، وأن بإمكاننا إيجاد العلم المختص بها، وسيتمكن الفلاحون بواسطتها من الحكم على حقيقة الأشياء أفضل مما يفعله الفلاسفة اليوم”.
وتطرق لهذا الإشكال الأسقفان الإنجليزيان Wilkins وGodwin وتطرق له أيضا التشيكي Comenius والفيلسوف الألماني Leibniz.
وعالج ليبنتز مشروع هذه اللغة العالمية الفلسفية في مؤلفه (مقالة في فن التحليل التوافقي Dissertation sur l’art combinatoire) وتخيلَ لغة تسمح بحل كل أنواع المشاكل القانونية والسياسية واللاهوتية نظرا لأنها ستكون خالية من الغموض وستكون متمتعةً بالوضوح.
وعلق جاك دريدا على هذه التجربة قائلا: “تكونُ الفلسفة منسجمة مع نفسها في اللغة المسماة طبيعية، ولم يكن من الممكن أبدا صَورنتُها كليةً بتحويلها إلى لغة اصطناعية، بالرغم من بعض المحاولات المثيرة للعاطفة في تاريخ الفلسفة”.
تقول باربارا كاسان (من المركز الوطني للبحث العلمي والمديرة العلمية للمعجم الأوروبي للفلسفات، قاموس الكلمات غير القابلة للترجمة) حول اللغة الفلسفية:
“لقد أردنا التفكير في الفلسفة من خلال اللغات وملاحظة التغيرات التي ستحدثُ في طرقنا في التفلسف. أردتُ أن يحضر تعدد اللغات (…) في الفلسفة”.
لكن هذا المشروع لا يمكن أن يتجاهل المواقف التي تم التعبير عنها بصدد اللغة الفلسفية وهيمنة اللغة الإنجليزية وتحديها لجميع اللغات. وفي هذا السياق تضيف باربارا كاسان:
“يواجهني عدوان لتحقيق هذا المشروع: الأول، هيمنة اللغة الإنجليزية الرسمية، لغة المجموعة الأوروبية والندوات العلمية، ورغم أنها فعّالة ولكنها لم تعد لغة تقريبا. والعدو الثاني هو التقليد الهايدغري حول اللغة الفلسفية (الواحدة والشاملة) الذي يحتلُ مكانة مسيطرة في تاريخ الفلسفة. فهايدجر يعتبر أن الفلسفة الغربية وُلدت في اللغة اليونانية أكثر مما ولدت في اليونان، وأن اللغة الألمانية هي اللغة الوحيدة التي تعثر من جديد على عمق اللغة اليونانية وإبداعها الفلسفي”.
تنتقد باربارا كاسان موقف هايدغر من اللغة الفلسفية القائل بوجود تراتبية في اللغات. فاللغة اليونانية لغةٌ فلسفية في نظر هايدغر ليس بفضل المصطلحات الفلسفية التي ميزتها عن غيرها من اللغات، ولكن لأنها لغة تتفلسف كلغة، وهذه الخاصية لا تتوفر إلا في اللغة الألمانية في اعتقاده.
وتواجه باربارا كاسان موقف هايدغر بموقف اللساني الألماني Wilhelm von Humboldt) الذي يعرف بالفرنسية باسم (Guillaume de Humboldt (1767-1835): الذي يرى بأن “كل لغة تعبر عن المفهوم بطريقة مختلفة أي أن تعبير كل لغة عن المفهوم يتضمن اختلافا”.
وتستنتج الباحثة استنتاجا له أهمية كبرى على مستوى معنى اللغة الفلسفية وعلى مستوى معنى الترجمة: “لقد لاحظنا مرارا وتكرارا (وهو ما أكده البحث والتجربة) أنه إذا استثنينا الأشياء المادية الخالصة، فإن أية كلمة في أية لغة لا تعادل تماما أية كلمة في أية لغة أخرى”.
وإذا كان من الواضح أن مشروع اللغة الفلسفية العالمية المصطنعة هو مجرد يوطوبيا، وأنه لا وجود بالمرة لإسبرانتو (لغة اصطناعية أعدها في نهاية القرن 19 Ludwik Lejzer Zamenhof لتيسير التواصل بين الناس الذين يتكلمون لغات مختلفة، ونشر مشروعه سنة 1887، تحت عنوان “لغة دولية”، ووقعه باسم مستعار هو Doktoro Esperanto أي الطبيب الذي يأمل) فلسفي بالرغم من توفر عناصر مثل العقلانية والكونية وتأثير الرياضيات لأنه لا يمكن انتزاع الفلسفة من التعبير باللغة المحلية أو اللغة الأم، فإن فرضية وجود لغة لها امتياز على لغات أخرى تستحق المناقشة.
يقول هايدغر (فيما هي الميتافيزيقا):
“… اللغة اليونانية هي إلى جانب اللغة الألمانية أقوى اللغات، واللغة التي تعتبر لغة العقل أكثر من أية لغة أخرى…”. وإذا كان قول هايدغر صحيحا فكيف نفسر أنه لم تتمكن أية لغة طبيعية من احتكار التعبير عن الفكر الفلسفي؟ فهيراقليطس وأفلاطون وأرسطو وغيرهم كتبوا باليونانية، ومونتيني وديكارت وغيرهم كتبوا بالفرنسية، وكانط ونيتشه وغيرهم كتبوا بالألمانية، وكيركجارد كتب بالدانمركية… ويمكن قول نفس الشيء عن فلاسفة آخرين كتبوا بلغاتهم.
لقد كانت اللغة الألمانية موضوعا للتمجيد والتنقيص من قيمتها.
فالفيلسوف فيخته يميز بين اللغة الحية واللغة المشتقة، ويعتبر اللغة الألمانية لغة حية. واللغة الحية “هي نسق مغلق حي في تطور مستمر بدون قطيعة مع الجذور القديمة”. أما اللغة المشتقة “فهي التي تتأثر بلغة أجنبية، والتي أصابها الضعف والتشويه والتغير، وأصبحت نتيجة لذلك لغة ميتة لابتعادها عن تقاليدها وانفصالها عن جذورها التي تضخ فيها الحياة”.
أما أدورنو فيحب اللغة الألمانية وينتقد نمطيتها، وعن هذا الموقف المزدوج من اللغة الألمانية يقول جاك دريدا: “أراد أدورنو الاستمرار في حب لغته الألمانية (…) ولكن بدون نزعة وطنية، بدون نرجسية جماعية لميتافيزيقا اللغة، وضد ميتافيزيقا اللغة الوطنية هذه …”.
لكن النقد اللاذع للغة الألمانية هو الذي عبر عنه نيتشه حين اعتبرها أقل شأنا من اللغات اللاتينية، لأن الألمان في نظر نيتشه شعب بربري خشن ومحروم من أي معنى للأسلوب. وما يعزز هذا الأمر هو تصريح نيتشه (ضد فاغنر) “أنه يفضل قراءة شوبنهاور في ترجمته الفرنسية”. ويعلق (ماتيو كسلر) على هذه المسألة قائلا: “نعرف أن الترجمات الفرنسية للجمل الطويلة للفلاسفة الألمان يمكنها أن تقوم بتجزئتها إلى تعابير أكثر خفة وأقل تعقيدا وبالتالي فهي في الظاهر أقل إبهاما، وهو الأمر الذي كان يرضي نيتشه”.
ويضيف ماتيو كسلر “أن نيتشه تأسف لكونه لا يتقن اللغة الفرنسية بما فيه الكفاية ليتمكن من التحرر من كتابة مؤلفاته بالألمانية التي هي لغة يتهمها بالافتقار للثقافة والأسلوب والصقل الدقيق…”.
ومن جهة أخرى نجد أن سارتر يفضل لو تمكن من التعبير باللغة الإنجليزية. يقول سارتر: “حينما أتناول كلمة إنجليزية لها قيمة تحليلية، أي تلخص بداخلها عددا كبيرا جدا من الأشياء، أو حين آخذ بعين الاعتبار كون التركيب في اللغة الإنجليزية مبسّط جدا، أفكر أحيانا أنني كنت سأفضل التعبير باللغة الإنجليزية عن التعبير باللغة الفرنسية بسبب الصعوبة التي تواجهني في التعبير التركيبي باللغة الفرنسية لأنها في العمق لغة تحليلية”.
(L’écrivain et sa langue, 1965, Entretien avec Pierre Verstrater, Positions IV, Gallimard, 1992)
لقد قطعت اللغة الإنجليزية أشواطا كبيرة في السيطرة والهيمنة على الصعيد العالمي منذ أن عبر سارتر عن إعجابه بها في منتصف الستينات. تقول ماريانا ياغيللو Mariana Yaguello عن وضعية اللغة الإنجليزية حاليا: “تخضع اللغة الإنجليزية اقل من الفرنسية للقواعد الأكاديمية، كما أن تنوعاتها المختلفة معترف بها ومقبولة، تتمتع بهالة الحداثة والشباب والحيوية، إنها لغة التسلية والمتع، تتمتع بدلالات غير مباشرة للتعاطي للعب كما تتمتع بالحظوة، كما أن بنيتها الداخلية تعتبر عاملا لصالحها، فهي لغة هجينة مرنة جدا… ويطلق حاليا على اللغة الإنجليزية عبارة “اللغة القاتلة” (التي تقتل لغات أخرىKiller language ).

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد