المصطفى احسني
نظمت دار الفن المعاصر أصيلة يوم السبت 20 ماي 2017 معرضا للحروفية المعاصرة بمشاركة فنانين من عدة دول : إيران ، تركيا، الصين، اليابان، مقدونيا،البحرين بالإضافة إلى فنانين مغاربة، ومن خلال التنقل بين أروقة هذا المعرض أهم ما استوقفني لوحتان من أروع ما عرض في هذه المناسبة، لفنانتين من الجمهورية الإسلامية الإيرانية، الفنانة إلهه خاتمي والفنانة آزرا أغيغي باخشايشي،وأهم ما يميز تلك اللوحتين اللتين أبدعتهما الفنانتان بالخط الفارسي السهولة والوضوح والرشاقة في الحروف فتبدو وكأنّها تنحدر في اتجاه واحد، وتزيد من جمالهما الخطوط الليّنة والمدوّرة حيث رُسمت بدقة وأناقة وحسن توزيع. كما تتميّز تلك اللوحتان بالزخرفة وربط الكلمات لتأليف إطار أو خطوط منحنية ومُلتفة يزينها الحرف برشاقته و سحر بيانه.
.
وفي لقاء مع الفنانتين آزرا أغيغي و إلهه خاتمي، اللتين سافرتا بنا في رحلة ممتعة لسبغ أغوار وتاريخ تتطور فن الخط الفارسي، حيث قيل و كتب الكثير عن تاريخ فن الخط ، وحسبهما فإن تطور فن الخط و احتلاله المكانة ، التي هو عليها الآن، وليد جهود و مساعي و تجارب كثيرة بذلها مشاهير هذا الفن، والذي يعد من أركان الفنون الإسلامية، و خلال مسيرة حياته شهد مراحل مهمة من تطوره و ازدهاره علي يد فنانين كبار ، كان معظمهم من الإيرانيين ، و بفضل إبداعه أنواع و أساليب مبتكره ، استطاع أن يواصل حياته ، و يزيد من ازدهاره ، و منذ بداية نشوئه ، توفرت له الطاقات و الإمكانات ، ليتخطي فن الخط غايات ابعد و أوسع من الكتابة ، و ينتج فنانين أبدعوا أنواعا مختلفة من الخطوط ، كالثلث و النسخ و الريحان و الرقعة و التعليق و النستعليق و غيرها، ساعدت كثيراً في توسيع دائرة استعماله و استخداماته ، و من هنا ، و رغم أن الخط من حيث التعبير ، لا يضاهي الدور الذي تلعبه الفنون الأخرى كالفنون المسرحية و السينما في إغناء ثقافة المجتمع ، و حفظ تراثه و قيمه، إلا انه لا يستهان بدوره في هذا المجال. ويشتهر الخط الفارسي بجمال وفن خاص كونه يعتبر من أروع الخطوط الإسلامية لما يتمتع به من تنسيق وانحناء ومد ورشاقة فضلا عن الخصوصية الإبداعية في حروفه. وقد عملت الفنانتان الإيرانيتان على تحويل صورته العربية بما يتوافق مع الذوق الإيراني إلا أن الذهنية الإيرانية المبدعة لدى الفنانتين الإيرانيتين آزرا وإلهه لم تكتف بذلك بل جعلت صورته الجمالية تنبع من شكل حروفه التي تم دمجها بشكل رائع مع رسوم فنية في لوحتيهما غاية في الجمال الأمر الذي تفتقده بقية الخطوط ،و الخط الفارسي الذي يطلق عليه الإيرانيون اسم (النستعليق) ظهر إلى الوجود في النصف الثاني من القرن التاسع الهجري على يد نخبة من الفنانين والخطاطين الإيرانيين وعلى رأسهم الأستاذ والخطاط العبقري “مير علي التبريزي” حيث أن هؤلاء الفنانين والخطاطين الإيرانيين قاموا بعملية دمج ومزاوجة بين خطي «النسخ والتعليق» العربيين وبذلك أصبح يعرف فيما بعد باللغة الفارسية بخط “النستعليق”. وبمرور الزمان حظي خط “النستعليق” بالإعجاب والتقدير من قبل الأمم والثقافات العالمية الأخرى وأصبح له مهتمين ومعجبين كثر وبات معروفا وشائعا لدى المهتمين بهذا الفن حيث أصبح “النستعليق” له هويته المستقلة وشخصيته الخاصة لينتخب بعد ذلك بأنه الخط الرسمي للإيرانيين. ويعتبر “النستعليق” «عروس الخطوط» نظرا لجماله ولما تمتاز به حروفه من اختزال أدبي ومعنوي وروحاني يكون القاسم الثقافي المشترك لشعوب العالم الإسلامي والجسر الحضاري المتين الذي يربط إيران بالدول العربية والإسلامية.
و أهم مواطن جمال الخط الفارسي هو ليونة حروفه واستدارتها التي تدل على روعة وفن في التنسيق والرشاقة والمد والدوران و يرجع ذلك إلى طريقة كتابة حروفه خصوصا عند اتصال بعضها ببعض بضخامة أقل فتظهر الحروف جليه ويبرز جمالها نظرا للتباين واختلاف ضخامة الكتابة في الكلمة الواحدة الأمر الذي لا يتوفر في بقية الخطوط. و الخطاط قد يتعمد أثناء عمله إلى استعمال الزخرفة للوصول إلى القوة في التعبير والاستفادة من التقويسات والدوائر المطرزة من طيف الألوان فضلا عن الدقة في الرسم و من الممكن أن يربط الخطاط بين الكلمات ليصل إلى تأليف مساحة فنية أو خطوط منحنية وملتفة لكي يظهر فيها الخطاط عبقريته في الخيال والإبداع وهذا ما وجدناه في لوحتي الفنانتين آزرا أغيغي وإلهه خاتمي ، ومن هنا لابد من التأكيد على أن الفنون البصرية وعلى الخصوص فن الحروفيات كما في اللوحتين هي اللغة المشتركة بين شعوب العالم، حيث تتجاوز الفوارق بين الحضارات والثقافات وآلية التفكير، فمن خلال الفن تمتد جسور التواصل والتقارب والتعارف بين الثقافات، وعليه فإن تعلم الفنون يساعد الفنان على توسيع آفاق تفكيره وبالتالي الارتقاء بقدراته الإنسانية وفنه. والفنون وسيلة التعرف على حضارات الماضي، حيث يُعلمنا فن كل حضارة عن حقبتها التاريخية وما وصلت إليه من تطور وازدهار. ولا تزال الفنون في الزمن المعاصر محوراً أساسيا من ثقافة الحياة، خاصة وأن مفهوم الإبداع لم يعد مقتصراً على قلة، إذ بات مطلوباً من الجميع في شتى مناحي الحياة.