ريتاج بريس: وجدة ـ بديعة خداد
بعد الملتقى الأول في موضوع: “الترجمة في المغرب و رهانات تكنولوجيا الإعلام والتواصل”، نظم مركز الدراسات و البحوث الإنسانية و الاجتماعية بوجدة، يومي الجمعة والسبت 19 و 20 ماي 2017 بالمدرسة الوطنية للعلوم التطبيقية بوجدة، الملتقى الثاني للباحثين في الترجمة في موضوع: “الترجمة ودورها في بناء المعرفة”. و قد افتتح الملتقى أشغاله بالجلسة الافتتاحية التي ترأسها الأستاذ فؤاد بوعلي، و ألقى خلالها الأستاذ عبد الرحيم بودلال كلمة ترحيبية باسم المركز، و الأستاذ ميمون الداودي كلمة باسم اللجنة المنظمة للملتقى، أشار فيها إلى انفصال وحدة الترجمة عن وحدة الدراسات اللغوية، لتصبح وحدة قائمة بذاتها ضمن وحدات مركز الدراسات و البحوث الإنسانية و الاجتماعية بوجدة. و في نهاية الجلسة الافتتاحبة، قدم الأستاذ سمير بودينار درع المركز للسيد محمد الديداوي.
و قد تميز هذا الملتقى بحضور الخبير و الباحث الأكاديمي في الترجمة و المصطلح، الأستاذ محمد الديداوي، الذي ألقى المحاضرة الافتتاحية في موضوع: “مستقبل الترجمة: الازدواجية الكتابية و الثقافية و الاصطلاحية المتكافئة”، تطرق فيها إلى أهمية الترجمة في نقل المعرفة، رغم تأخر التنظير لها ووضع أسسها و مبادئها لعدة أسباب، أبرزها اهتمام وانشغال العرب بالترجمة، خاصة في العصر العباسي، دون التنظير لها. وحسب الأستاذ الديداوي، فإن الترجمة أنواع و هي: الترجمة البيانية التي يعتبر الجاحظ أول من نظر لها في كتابه “البيان و التبيين”. و تعتمد على النظرية التأويلية التي تركز على المعنى و الأسلوبية المقارنة، وتجمع بين البيان و السلاسة و الدقة والوضوح والإيجاز، بالإضافة إلى اشتراط الفصاحة والصفاء و البلاغة. و الترجمة التطابقية التي تتطلب التوفر على ثلاثة أرصدة: الرصيد العقلي و الرصيد المفترض و الرصيد الفردي.
و فيما يتعلق بالازدواجية اللغوية، فقد تناولها الأستاذ المحاضر من منطلق النظرية المصطلحية. ووهي ازدواجية متنوعة، أفضلها الازدواجية المتوازنة التي قد تؤدي إلى الازدواجية الكتابية، مستشهدا في ذلك بالكاتب و المترجم و المنظر الروسي فلاديمير روماكوف، الذي برع في الكتابة بالروسية والإنجليزية. أما بالنسبة للازدواجية الثقافية، فقد نوه خبير الترجمة المغربي، بتوفر المغرب على تراث رائع في هذا المجال؛ و هي ازدواجية يجب أن تتوفر في مترجم المستقبل كما أشار إلى ذلك، معتبرا أن غاية القصد من الترجمة تتمثل في الترجمة التطابقية.
و استأنف الملتقى فعالياته بالجلسة العلمية الأولى، التي شارك فيها الأستاذ رجاء حسن، أستاذ التعليم العالي بمدرسة فهد العليا للترجمة بطنجة بعرض في موضوع: “الترجمة عند العرب أسسها و مناهجها”؛ تحدث فيه عن الإرهاصات الأولى لظهور الترجمة عند العرب التي امتدت عبر مرحلتين: المرحلة الأولى من القرن الثامن إلى العاشر الميلادي، والمرحلة الثانية من القرن الثاني عشر إلى القرن الثالث عشر الميلادي، و أفضت إلى ظهور عدة مدارس في الترجمة، مثل مدرسة طليطلة و بيت الحكمة ببغداد في عهد هارون الرشيد. معتبرا الجاحظ من أوائل منظري الترجمة، التي واجه العرب بسببها عدة تحديات وصعوبات ، مثل غياب الوسائل وشروط المصطلح و ندرة المعاجم و قلة المكتبات وانعدام المادة المزمع ترجمتها و انعدام الوسائل اللوجيستيكية لنقلها من بلاد الروم إلى بغداد. و كما أوضح الأستاذ رجاء حسن، فإن من بين الأسس العربية للترجمة: الاعتماد على النقد و تبني معايير الجودة، التي وضع أسسها عميد المترجمين العرب حنين بن إسحاق، وهي المنهج اللفظي والمنهج الحرفي والمنهج الدلالي البياني.
و في نفس الجلسة، ألقى الأستاذ جواد رضواني (كلية الأداب و العلوم الإنسانية، وجدة ـ شعبة الدراسات الإنجليزية) عرضا عنوانه: “الترجمة و المثاقفة: دور الترجمة في نقل المعرفة”، تطرق فيه إلى أهمية الإلمام باللغة لتحقيق التواصل مع الآخر و نقل المعرفة و التجارب، مستشهدا بالآية الكريمة: “وجعلناكم شعوبا و قبائل لتعارفوا”. إلا أن هذا الإلمام، يضيف الأستاذ رضواني، غير كاف. فالمترجمون أصناف، منهم المترجم الذي عايش شعبا ما والقادر على ترجمة تجاربه، و المترجم المتمكن و المتعمق أكاديميا القادر على إعادة كتابة النصوص، و المترجم المتفوق على الكاتب و القادر على استخراج عدة دلالات من النص. و حسب الأستاذ رضواني، فإن جميع الترجمات لا ترقى إلى الترجمة المطلوبة في ظل طغيان الاستحالة على الإمكانية، و اشتغال المترجمين سطحيا على النصوص بنسبة 99 بالمائة.
كما شهدت الجلسة العلمية الأولى للملتقى، إلقاء عروض أخرى لكل من الأستاذ برواكي عبد الرحيم (كلية الآداب و العلوم الإنسانية ظهر المهراز، فاس) في موضوع “الترجمة في أفق جدل الفهم و التفسير عند بول ريكور”، و الأستاذ ادراوي العياشي (كلية الآداب والعلوم الإنسانية، وجدة) في موضوع “الترجمة: الأساس التأويلي و البعد المعرفي”، والأستاذ حفاظ مصطفى (ثانوية الطبري التأهيلية، أكادير) في موضوع “الترجمة بين ثنائيتي اللغة و الثقافة”.
و قد واصل الملتقى أشغاله إلى غاية مساء يوم السبت، بإلقاء عدة عروض عبر الجلسات العلمية الأخرى، شارك فيها أساتذة جامعيون مختصون في مجال الترجمة، كالأستاذ حسن بوتكي، منسق فريق الترجمة و المثاقفة بالدار البيضاء، الذي شارك بعرض في موضوع: “دور الترجمة في الاستعراب الإسباني عبر التاريخ”، بالإضافة إلى عروض أخرى قدمها طلبة باحثون في مجال الترجمة.