صفاء ايت حوسة
هناك صحافة تكتفي بنقل الخبر، وصحافة تبحث خلفه، وصحافة أخرى تبدو أحيانًا وكأنها تعرف النتيجة قبل اكتمال التحقيق.
في ملف العلاقات المغربية الإسبانية، يصعب تجاهل هذا السؤال عند متابعة كتابات وتصريحات الصحفي الإسباني إغناسيو سيمبريرو، خصوصًا في أعقاب الأزمة غير المسبوقة التي شهدتها سبتة أواخر يوليوز.
فالرجل لم يكتفِ بطرح أسئلة حول ما حدث، بل ذهب إلى تبني رواية مفادها أن ما وقع لم يكن مجرد أزمة هجرة، وإنما عملية جرى تدبيرها من الجانب المغربي، بل أشار بصورة مباشرة إلى مؤسسات ذات سيادة و إتهمها في التخطيط للأزمة وفق تقديره
هنا لا تعود المسألة مجرد اختلاف في وجهات النظر. تحدث عن مؤشرات على التخطيط المسبق وعن «توجيه نشط» للمهاجرين.
هذه معطيات تستوجب الفحص و التدقيق. سيمبريرو لا يقول «ربما» فقط المشكلة في خطاب سيمبريرو ليست في طرح فرضية مغربية؛ فالفرضيات حق مشروع للصحفي.
المشكلة تبدأ عندما تتحول الفرضية إلى يقين لغوي وسياسي. في 2 سبتمبر، قال سيمبريرو إنه لم تكن لديه أي شكوك، بحسب ما نقلت عنه الحوارات الصحفية في أن المغرب كان وراء الدخول الجماعي إلى سبتة، وذهب إلى وصف ما حدث بأنه تواطؤ أو تسهيل نشط من الجانب المغربي.
وفي تصريح آخر، ذهب أبعد من ذلك عندما أشار مباشرة إلى مسؤولين عن إنفاذ القانون باعتبارهم، بحسب تقديره، المسؤولين الذين نسقوا العملية.
وهنا يصبح السؤال أكثر تحديدًا: ما الدليل الذي يربط مسؤولين بعينهم، وبقرار بعينه، وبعملية بعينها؟
فالتكريم الإسباني لمسؤول أمني مغربي كان، في الأصل، تعبيرًا عن تعاون أمني بين البلدين. وتحويل هذا التكريم، بعد وقوع أزمة، إلى قرينة على مسؤولية الشخص نفسه عنها يحتاج إلى أكثر من مجرد التزامن الزمني.
بمعنى آخر: كون مسؤول مغربي حظي بثقة وتقدير مؤسسة أمنية إسبانية لا يثبت أنه استغل تلك العلاقة ضد إسبانيا.
بل يمكن أن يكون العكس هو الأرجح من حيث المنطق المؤسسي: التعاون الأمني بين البلدين قائم تحديدًا على تبادل المعلومات ومكافحة الجريمة والهجرة غير النظامية والإرهاب.
وإذا كان هناك دليل على أن هذا التعاون استُخدم لتدبير عملية عدائية، فالدليل يجب أن يُعرض، لا أن يُستنتج من صورة تكريم. المفارقة الإسبانية الأكثر إثارة في القضية ليس فقط ما يقوله سيمبريرو. بل ما تقوله المؤسسات الإسبانية نفسها. فبينما نشرت RTVE مضمون تقرير CENIF الذي يشير إلى دور لعناصر أمن مغربية في «التوجيه» والمساعدة على العبور، أوردت في الوقت نفسه أن الحكومة الإسبانية كانت تنفي وجود مؤشرات على تورط المغرب، وأن رئيس الحكومة بيدرو سانشيز أعلن اليوم 3 سبتمبر عدم وجود أدلة ملموسة تثبت أن السلطات المغربية دبّرت عملية التدفق الجماعي إلى سبتة.
RTVE.es+ وهذه ليست تفصيلة هامشية. إنها جوهر القصة. لأن الصحفي يستطيع أن يختلف مع الحكومة. ويستطيع أن يرى أن معلوماتها ناقصة. ويستطيع أن يقول إن التحقيقات لم تنتهِ. لكن عندما تكون المؤسسة التنفيذية نفسها تقول إن الدليل لم يصل إلى مستوى إثبات تدبير مغربي للعملية، يصبح من غير المهني تقديم الأمر للقارئ باعتباره حقيقة نهائية محسومة.
التاريخ لا يعوّض الدليل قد يكون من المغري تفسير الأزمة الحالية من خلال أزمات سابقة بين الرباط ومدريد. فالعلاقة بين البلدين مرت فعلًا بمحطات توتر، وملفات حساسة، وخلافات حول الهجرة وسبتة ومليلية والصحراء المغربية.
لكن استخدام الماضي لإثبات الحاضر يحتاج أيضًا إلى دليل. فالتاريخ يمكن أن يساعدنا على فهم السياق. لكنه لا يستطيع وحده أن يثبت المسؤولية. إذا كانت هناك عملية مدبرة في يوليوز 2026، فإن إثباتها يحتاج إلى أوامر، واتصالات، وشهادات موثوقة، وأدلة رقمية أو ميدانية، أو غيرها من الأدلة القابلة للتحقق.
أما القول إن المغرب سبق أن استخدم ملف الهجرة للضغط على إسبانيا، وبالتالي فهو المسؤول هذه المرة، فهو استنتاج لا يرقى وحده إلى مستوى الإثبات.
والمفارقة أن المغرب وإسبانيا يحتاج أحدهما إلى الآخر ربما تكون هذه النقطة هي الأكثر غيابًا عن بعض القراءات التي تقدم العلاقة المغربية الإسبانية باعتبارها صراعًا دائمًا. العلاقة بين الرباط ومدريد أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير. هناك خلافات، نعم. لكن هناك أيضًا تعاون أمني واقتصادي وسياسي. والأجهزة الأمنية في البلدين تتعاون منذ سنوات في ملفات الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة.
ولهذا فإن تصوير المغرب باعتباره مجرد طرف يعمل بصورة مستمرة على «زعزعة إسبانيا» يتجاهل طبقات كاملة من العلاقة الثنائية. وإذا كانت هناك أزمة، فمن مسؤولية الصحافة أن تشرحها، لا أن تختصرها في رواية واحدة.
المنطق ليس دليلًا. والاحتمال ليس حقيقة. والتحليل الصحفي ليس حكمًا قضائيًا.
السؤال الذي ينبغي أن يوجه إلى سيمبريرو ليس المطلوب من إغناسيو سيمبريرو أن يكون محاميًا عن المغرب.
ولا ينبغي أن يكون. لكن إذا كان يوجه اتهامًا بهذا الحجم، فإن السؤال الصحفي الطبيعي الذي يحق لنا طرحه عليه هو: ما الدليل القابل للتحقق الذي يثبت أن مؤسسات إنفاذ القانون نسقت عملية الدخول الجماعي إلى سبتة؟
ليس السؤال عن خبرته. ولا عن مصادره. ولا عن تاريخه المهني. بل عن الدليل. إذا كان هناك دليل، فليُعرض.
وإذا كان الاستنتاج قائمًا على قراءة مجموعة من المؤشرات، فمن حق القارئ أن يعرف أنها قراءة وتحليل، وليست حقيقة قضائية مثبتة. هذه ليست مناورة لغوية. إنها جوهر العمل الصحفي.
قبعة السِّمبريرو ربما لهذا يحمل العنوان شيئًا من المفارقة. «السِّمبريرو» هو اسم الصحفي. والسِّمبريرو، في المخيال الإسباني، قبعة.
لكن الصحافة لا ينبغي أن تجعل من القبعة حاجبًا للرؤية. فحين تسبق الروايةُ الدليل، يصبح القارئ أمام قصة مكتملة قبل أن تكتمل التحقيقات.
وحين يتكرر الاتهام بما يكفي، يتحول في الوعي العام إلى حقيقة، حتى لو ظل الدليل الذي يثبته غير منشور.
وهنا تكمن خطورة الصحافة التي تمنح القارئ النتيجة قبل أن تمنحه الأدلة.