كتاب يعيد سيرة ابن الصديق إلى الواجهة: «نبذة التحقيق» في طبعة محققة

ريتاج بريس : إصدار

 في خطوةٍ علمية وثقافية جديرة بالاحتفاء، صدر هذا الأسبوع عن مركز جسور للدراسات التاريخية والاجتماعية بطنجة كتاب نبذة التحقيق من ترجمة شيخ الطريق العلامة ابن الصديق، لفقيه طنجة ومؤرخها العلامة مَحمد بن العياشي سكيرج، صاحب رياض البهجة في تاريخ طنجة، وذلك في طبعة محققة أنجزها الباحث عبد الله عبد المومن أستاذ التعليم العالي بأكادير، وجاءت النشرة المحققة في 140 صفحة من القطع الكبير، جامعةً بين قيمة النص التراثي ورصانة العمل التحقيقي الذي قدّمه إلى القراء والباحثين في صورة تليق بمكانته.

ولا تكمن أهمية هذا الإصدار في كونه إعادة نشر لكتاب تراثي فحسب، بل في كونه إحياءً لوثيقة علمية وتاريخية ذات قيمة خاصة، تتصل بسيرة واحد من كبار أعلام المغرب في العلم والتربية والسلوك، وهو الشيخ سيدي محمد بن الصديق رحمه الله، كما تتصل في الوقت نفسه باسم مؤلف مرموق، هو العلامة محمد بن العياشي سكيرج، أحد أبرز من أسهموا في الحركة العلمية والتأليفية بمدينة طنجة وفي المغرب خلال عصره.

وقد جاء التحقيق في مستوى النص الذي تولى خدمته؛ إذ لم يكتف صاحبه بإخراج الكتاب وضبطه، بل وطّأه بدراسة وافية، وترجمة مستوفية للمؤلف، وتوثيق للنقول، وتعليقات نافعة في مواطن الحاجة، مع ميل محمود إلى الاختصار دون حشو أو استطراد. ولهذا بدا العمل أقرب إلى تحقيق متكامل الأركان، قام على شرط الإتقان والإجادة، وراعى ما يحتاجه هذا النوع من النصوص من بيان وتوثيق وربط بسياقه العلمي والتاريخي.

ويُعد هذا الكتاب من النصوص ذات الأهمية البالغة، لا من جهة موضوعه فقط، بل من جهة زمن تأليفه أيضاً. فقد نص مؤلفه في افتتاحيته على أنه “نبذة من ترجمة الشيخ الجليل، العلامة البحر، صديقنا ومفيدنا، المرحوم سيدي الحاج الصديق، الشريف الحسني الغماري أصلاً، الطنجي قراراً وإقباراً، ملخصاً من كتابنا (رياض البهجة في أخبار طنجة) مع إضافات أخرى جديدة من كلام يتعلق بزاويته، وأصلها ومريديه، ونفثة من أحوالهم”. وقد وقع الفراغ من تأليفه في منتصف رجب سنة 1355هـ، أي بعد سنة واحدة فقط من وفاة المترجَم له، مما يمنحه قيمة توثيقية مضاعفة، ويجعله من أقرب النصوص زمناً إلى موضوعه، وأكثرها اتصالاً بشهادات المعاصرة والمعاينة.

ومن هنا اكتسب الكتاب مكانة خاصة بين ما أُلِّف في الشيخ محمد بن الصديق، إذ كان أول من ترجم له ترجمة مستقلة، وأصبح بعد ذلك عمدةً لمن جاء بعده، مثل الشيخ أحمد بن الصديق في كتابيه سبحة العقيق، والفقيه العربي بوعياد في نسيم وادي العقيق، والفقيه الأديب محمد بن الأزرق الغماري في حادي الرفيق. وهذا وحده كافٍ لبيان منزلة هذا السفر، إذ لم يكن عملاً عارضاً أو ثانوياً، بل نصاً مرجعياً تأسست عليه كتابات لاحقة.

ويزدان هذا التأليف أيضاً بما يقدمه من تصور سديد عن أحوال التصوف في أواخر القرن الثالث عشر وبداية الرابع عشر الهجريين، وهو تصور يفي بالغرض في استكمال الرؤية التاريخية والعلمية معاً، ويكشف عن تداخل العلم بالتربية، والسلوك بالتدريس، والمشيخة بالإفادة، على نحو لا يلوح بهذه الكثافة إلا في كتب الرجال والمناقب. ولذلك فالكتاب لا يقرأ فقط باعتباره ترجمة لشيخ من الشيوخ، بل باعتباره أيضاً وثيقة عن بيئة كاملة، وعن زمن علمي وروحي تتقاطع فيه المجالس، والزوايا، والأسانيد، والتلامذة، والصلات الاجتماعية والثقافية.

ولم يقتصر الكتاب على كونه ترجمة بالمعنى الاصطلاحي، بل كان في كثير من صفحاته أقرب إلى كناشة جامعة، لم تخل من فوائد عامة وخاصة، وإشارات إلى وقائع تاريخية، وأحداث سياسية، وشوارد أدبية، في سياق زمني شحت فيه المصادر وتفرقت أخباره. ومن ثم فهو كتاب صغير في حجمه، لكنه واسع في مادته، غني في لطائفه، عميم الفوائد، حتى إن كثيراً من مفرداته يصلح لأن يفرد بالبحث والدراسة.

وفي ترجمته للشيخ محمد بن الصديق، يورد سكيرج مادة ثرية تبدأ من عمود نسب المترجَم له، وتمر بـنشأته وطلبه للعلم ببلدته ثم بفاس، حيث أخذ عن عدد من العلماء، ومنهم شيخ الجماعة ابن الخياط والعلامة امحمد كنون، ثم تنتقل إلى قدومه لطنجة وإنشائه الزاوية، وما اتصل بذلك من أثر بالغ في حياة المدينة العلمية والروحية. كما يقف المؤلف عند أوصافه الخُلُقية والسلوكية، فيبرز حياءه، وتواضعه، وسخاءه، وحلمه، وصفحه عن المسيئين إليه، ويذكر مجالسه وأجوبته وما نسب إليه من الكرامة، في صورة تجمع بين الترجمة العلمية والرسم الإنساني الحيّ للشخصية.

أما طريقته في السلوك، فقد أثبت المؤلف سندها عن شيخه العارف بالله أبي عبد الله محمد بن إبراهيم، ووصفها وصفاً دالاً بقوله إنها “شاذلية الأصل، جنيدية المحتد والوصل، جميلة الجمال، درقاوية المنال، في مقام الكمال.. جلالية الظاهر جمالية الباطن”. وتكشف هذه العبارة عن الرؤية التي حكمت الكتاب في مجمله، حيث لا ينفصل العلم عن الذوق، ولا التوثيق عن الإشراق، ولا السيرة عن محيطها الروحي.

ومن وجوه غنى هذا الكتاب أيضاً أنه وسّع دائرة الترجمة، فلم يقف عند الشيخ وحده، بل ضم عدداً من التراجم الوافية والمقتضبة لرجال ارتبطوا به نسباً أو علماً أو صحبة. فقد ترجم لجده الأعلى الشيخ عبد المؤمن الشهير بأبي قبرين دفين بني يزناسن، وللأدنى عبد المؤمن دفين تجكان، ولابنه الشيخ أحمد بن عبد المومن، وبعض أصحابه، منهم إدريس الزعري، وإبراهيم الغماري، والعلامة عبد السلام الأزمي، والعلامة عبد السلام السميحي الغماري، كما ذكر من أعيان أصحابه عبد السلام مفرج، والعربي بوعياد، وحمان الزرهوني، والشريف عبد الشافي بن المبارك بن الصديق، ومحمد بن عبد الكريم أحرضان. وبهذا يصبح الكتاب مصدراً لا لسيرة فرد فقط، بل لشبكة من العلاقات العلمية والروحية في شمال المغرب.

كما حفظ الكتاب صفحات ذات طابع إنساني وأسري بليغ الدلالة، من ذلك ما أورده في شأن زوجة الشيخ، العابدة الصالحة فاطمة الزهراء بنت عبد الحفيظ بن أحمد بن العارف بالله أحمد بن عجيبة الحسني، وما ذكره بتفصيل من واقعة نقل جثمانها بعد دفنها لإقبارها قرب زوجها، حيث بسط المؤلف القول في المذاهب الأربعة في حكم نقل الموتى من مقابرهم، مع سوق شواهد تاريخية، فجمع بذلك بين الخبر الخاص والفائدة الفقهية والاستطراد التاريخي النافع.

ويزيد من قيمة الكتاب أنه حفظ طائفة من النكت العلمية والمسائل الفقهية والعقدية، مثل مسألة عدم تعلق الحرام بذمتين، ومسألة السماع، وتربية اللقيط، وسر التسبيح ثلاثاً، ومسألة تفضيل الملائكة، ومسألة الكسب، إلى جانب إشارات تتصل بالمؤلف نفسه، خاصة ما يخص أسباب تأليفه لبعض كتبه، مثل الأسرار السارية في الجواب عن الأسئلة الغمارية و«الدرر اللآلئ في ثبوت النسب البقالي»، وتقريظ الشيخ له ولمصنفه طرفة الأدباء بإباحة ضوء الكهرباء. وهذه المادة تجعل من الكتاب مصدراً مهماً لدراسة الحياة العلمية في ذلك العصر، وطبيعة الأسئلة المتداولة فيه، وحدود التفاعل بين العلماء وتأليفهم وتقاريظهم.

ومن أكثر المواضع تأثيراً في الكتاب ما تعلق بتسجيل وفاة الشيخ محمد بن الصديق وما اكتنفها من أحوال. فقد كان سكيرج دقيقاً في تدوين وقت الوفاة وتفاصيل الجنازة والدفن، فنقل شهادة حية نابضة، تصوّر مقدار المكانة التي كان يحتلها الشيخ في قلوب الناس. كما وصف جنازةً اهتزت لها عدة قرى ومدن، وحضرها جمع غفير من طنجة وغيرها، حتى من فاس والدار البيضاء والجديدة وسلا، مع ما يشي به ذلك من سعة أثر الرجل وامتداد محبته ومكانته بين العلماء والمريدين والعامة.

ولم يخل الكتاب من النفَس الأدبي الذي يزيده رونقاً، فقد رثى المؤلف الشيخ برائية تدل على عذوبة ذائقته وقوة عارضته، وهي سمة مطبوعة في أسلوب سكيرج الذي يجمع بين المؤرخ والأديب، وبين صاحب الخبر وصاحب العبارة، فيأتي نصه حياً في مادته، جميلاً في سبكه، قويّاً في دلالته.

إن صدور نبذة التحقيق من ترجمة شيخ الطريق العلامة ابن الصديق في هذه الطبعة المحكمة يمثل مكسباً حقيقياً للمكتبة المغربية، لأنه يعيد إلى التداول نصاً أصيلاً من نصوص الذاكرة العلمية والروحية لطنجة والمغرب، ويتيح للباحثين والقراء فرصة التعرف إلى كتاب ظل مرجعاً في بابه، على الرغم من صغر حجمه. كما يؤكد هذا الإصدار الحاجة المتجددة إلى مزيد من العناية بالنصوص التراثية المغربية، تحقيقاً ونشراً وتعريفاً، لأن في إحيائها صيانةً للذاكرة، وخدمةً للعلم، ووفاءً لرجال أسهموا في بناء الحياة الفكرية والروحية في هذا البلد.

وبهذا المعنى، فإن الكتاب ليس مجرد ترجمة لعلم من الأعلام، بل هو مرآة لعصر، ووثيقة لمشهد علمي وروحي، وخزانة لفوائد متناثرة، ومدخل لفهم جانب مهم من تاريخ طنجة والمغرب الحديث. وهو إصدار يستحق أن يقرأ بعين الباحث، وأن يحتفى به في الصحافة الثقافية بوصفه واحداً من الكتب التي تعيد وصل الحاضر بتراثه الحي.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد