سبتة ومليلية: عندما يتحول التضامن الأوروبي إلى موقف جيوستراتيجي من أزمة الهجرة إلى سؤال السيادة والوحدة الترابية 1/3

بقلم الدكتور محمد محاسن

لم يعد ما يجري حول سبتة ومليلية مجرد خلاف بشأن تدبير الهجرة غير النظامية، ولا مجرد توتر ظرفي في العلاقات المغربية الإسبانية. فالقرار الذي اعتمده البرلمان الأوروبي يوم 17 شتنبر 2026، بأغلبية 339 صوتاً مقابل 225 وامتناع 16 عضواً، ينقل النقاش إلى مستوى جيوستراتيجي آخر يستوجب قراءة هادئة، ولكن دقيقة وحازمة في الوقت نفسه.
فالبرلمان الأوروبي لم يكتف بإدانة العبور الجماعي غير النظامي الذي شهدته سبتة يومي 30 و31 يوليوز، وما خلفه من خسائر بشرية مأساوية، بل تحدث عن توظيف الهجرة غير النظامية باعتبارها أداة من أدوات «الحرب الهجينة ضد الوحدة الترابية لدولة عضو»، وجعل تعزيز حماية الحدود البرية والبحرية الخارجية للاتحاد في سبتة أولوية قصوى.
هنا تحديداً تكمن خطورة التحول. فالأمر لم يعد يتعلق فقط بتضامن أوروبي مفهوم مع دولة عضو تواجه أزمة هجرة، بل أصبح الخطاب ينتقل من الهجرة إلى الحدود، ومن الحدود إلى الأمن، ومن الأمن إلى «الحرب الهجينة»، ومنها إلى الوحدة الترابية والسيادة.
وهو انتقال لا ينبغي أن يمر دون مساءلة.

من أزمة هجرة إلى قضية سيادة
ثمة فرق جوهري بين أن يقول البرلمان الأوروبي إن على الاتحاد مساعدة إسبانيا في تدبير تدفق جماعي غير نظامي للمهاجرين، وبين أن يستدعي مفهوم «الوحدة الترابية» في توصيف القضية.
الأولى قضية أمن وحدود وهجرة. أما الثانية فقضية سيادة وتراب وتاريخ. والخلط بين المستويين يمكن أن يحول حدثاً ظرفياً، مهما كانت خطورته الإنسانية والأمنية، إلى أساس لبناء موقف جيوسياسي بعيد المدى.
ثم إن استعمال مفهوم «الحرب الهجينة» يثير بدوره سؤالاً أساسياً. فالحرب الهجينة ليست مجرد اضطراب حدودي أو تدفق غير نظامي للمهاجرين. إنها مفهوم استراتيجي شديد الحمولة، يفترض وجود فاعل يوظف بصورة مقصودة وسائل غير تقليدية لتحقيق أهداف سياسية أو أمنية ضد طرف آخر.
ومن ثم يصبح السؤال مشروعاً: ما الأدلة التي تسمح بالانتقال من توصيف أزمة هجرة جماعية إلى توصيف ينتمي إلى قاموس الصراع بين الدول؟
إن خطورة المفهوم لا تكمن فقط في وقعه الإعلامي. ففي العلاقات الدولية، للمفاهيم ذاكرة، وللوثائق المؤسساتية حياة تتجاوز الظروف التي أنتجتها. وما يكتب اليوم في قرار سياسي قد يستدعى غداً في تقرير، ثم في قرار آخر، إلى أن يتحول بالتراكم إلى مرجعية يصعب تفكيكها.

الجغرافيا التي لا تغيرها القرارات
تقع سبتة ومليلية جغرافياً في شمال إفريقيا. وهذه حقيقة لا يغيرها تصويت برلماني. لكن ينبغي، في المقابل، التمييز بين الجغرافيا والوضع القانوني والسياسي الذي يدافع عنه كل طرف. فإسبانيا تعتبر المدينتين جزءاً من أراضيها، ويتمتع كل منهما بنظام قانوني خاص داخل الدولة الإسبانية، بينما يتمسك المغرب بموقفه التاريخي بشأن المدينتين والثغور. لذلك فالسؤال ليس ما إذا كانت إسبانيا تعتبر سبتة ومليلية إسبانيتين؛ فهذا موقفها المعلن والمعلوم. بل إن السؤال الأهم هو: هل ينبغي لمؤسسة أوروبية أن تنتقل من التعامل مع الوضع القائم إلى تبني خطاب يراد منه إغلاق النقاش السياسي حول السيادة نيابة عن أحد الطرفين؟
ثمة فرق دقيق ولكنه جوهري بين إدارة واقع قائم وبين تحويل ذلك الواقع إلى حقيقة سياسية لا يجوز حتى مناقشتها. كما أن التضامن مع دولة عضو شيء، وتبني تصورها الكامل لنزاع تاريخي شيء آخر.

قرار أوروبي لا يصنع إجماعاً دولياً
ثمة تمييز آخر ينبغي ألا يغيب عن النقاش. فالموقف الذي عبّر عنه البرلمان الأوروبي لا ينبغي تحويله تلقائياً إلى موقف للمجتمع الدولي، ولا إلى حقيقة قانونية أقرتها الأمم المتحدة. فسبتة ومليلية السليبتين ليستا مدرجتين في قائمة الأمم المتحدة للأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، وهذه حقيقة ينبغي تسجيلها بدقة.
لكن المنظمة الدولية لم تصدر، في المقابل، قراراً يحسم الخلاف التاريخي حول المدينتين لصالح الرواية التي يتبناها البرلمان الأوروبي. كما تحتفظ وثائق الأمم المتحدة بسجل للمطالب المغربية التاريخية بشأن سبتة ومليلية والثغور.
فهذا التمييز بالغ الأهمية. حيث إن عدم إدراج المدينتين في قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي لا يعني أن الأمم المتحدة أصدرت حكماً دولياً يقرر نهائياً أن الخلاف حولهما قد حسم. وبالمقابل، فإن استمرار المغرب في المطالبة بهما لا يعني أن الأمم المتحدة تبنت الموقف المغربي. بين الأمرين مساحة ينبغي الحفاظ عليها إذا أردنا قراءة قانونية وسياسية دقيقة للملف.
وتظهر خصوصية وضع المدينتين بصورة أخرى عندما ننتقل من الاتحاد الأوروبي إلى حلف شمال الأطلسي. فالمادة السادسة من معاهدة واشنطن تحدد جغرافياً نطاق الضمانة الدفاعية الجماعية المنصوص عليها في المادة الخامسة، أساساً بالنسبة إلى أراضي الدول الأطراف في أوروبا وأمريكا الشمالية، إلى جانب الحالات الأخرى المحددة في المعاهدة. وعندما سئل الأمين العام للحلف صراحة عن سبتة ومليلية، ذكّر بهذا النطاق الجغرافي، مع التأكيد أن تحديد ما إذا كانت المادة الخامسة تنطبق على حالة بعينها يظل قراراً سياسياً يتخذه الحلفاء بالإجماع.
وهذا وحده يكشف خصوصية وضع المدينتين. فالمؤسسات الأوروبية تستطيع أن تصف سبتة بأنها جزء من «الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي»، لكن القرار السياسي لا ينقل المدينة من إفريقيا إلى أوروبا. ولا يعيد كتابة التاريخ. ولا يحول موقف مؤسسة أوروبية إلى إجماع دولي. إن الجغرافيا أكثر عناداً من القرارات، والتاريخ أكثر تعقيداً من أن يحسمه تصويت برلماني.
أما بالنسبة إلى المغرب، فتظل سبتة ومليلية والجزر والثغور المعنية جزءاً من ملف استكمال وحدته الترابية، وهو موقف ينبغي تمييزه بوضوح عن الموقف الإسباني وعن الوضع الذي تديره المؤسسات الأوروبية بحكم عضوية إسبانيا في الاتحاد.

حدود يطالب المغرب بحمايتها ولا يعترف بها
وهنا تظهر واحدة من أكبر مفارقات الملف. فإذا كان الاتحاد الأوروبي يعتبر سبتة جزءاً من حدوده الخارجية، وإذا كان يطالب المغرب بالمساهمة بصورة فعالة في منع تدفقات الهجرة غير النظامية عبرها، فإن سؤالاً بسيطاً يفرض نفسه: عن أي حدود نتحدث؟
لقد عبّر المغرب رسمياً عن رفضه توصيف خطوط الفصل عند سبتة ومليلية باعتبارها «حدوداً برية» مغربية إسبانية، انطلاقاً من موقفه من السيادة على المدينتين. وهنا تظهر مفارقة يصعب تجاهلها:
كيف يمكن مطالبة دولة بأن تتحمل مسؤولية حماية حدود باعتبارها حدوداً دولية، بينما هي لا تعترف أصلاً بالوضع السيادي الذي أنشأ تلك الحدود؟
تستطيع إسبانيا، بطبيعة الحال، الدفاع عن تصورها القانوني والسياسي للوضع القائم، كما يستطيع الاتحاد الأوروبي إدارة حدوده الخارجية وفق منظومته القانونية. لكن تحميل المغرب مسؤولية متزايدة عن حماية ذلك الوضع يطرح سؤالاً أعمق:
إذا أصبحت وضعية سبتة ومليلية مصدراً متكرراً لأزمات الهجرة والتوترات الأمنية والدبلوماسية، أفلا يكون من الأجدى التفكير أيضاً في أصل الإشكال بدل الاكتفاء بإدارة نتائجه؟

لماذا لا يصبح الحوار حول أصل الإشكال جزءاً من الحل؟
إذا كان البرلمان الأوروبي يعتبر الوضع خطراً على الأمن الأوروبي، لكان من الممكن، إلى جانب المطالبة بتشديد المراقبة والتعاون، تشجيع الرباط ومدريد على فتح حوار هادئ حول مختلف القضايا المرتبطة بالمدينتين والثغور، بما فيها وضعهما ومستقبل العلاقات حولهما.
قد لا يعني ذلك أن تغيير وضع سبتة ومليلية سيقضي آلياً على الهجرة غير النظامية نحو أوروبا لأن الهجرة تبقى ظاهرة أكثر تعقيداً، تحركها عوامل اقتصادية واجتماعية وديمغرافية وجيوسياسية تتجاوز المدينتين بكثير.
لكن تسوية وضعهما، إذا توصل إليها الطرفان يوماً عبر الحوار والتفاوض، يمكن أن تعيد تعريف المسؤولية الحدودية بصورة جوهرية.
عندئذ لن يعود السؤال متعلقاً بمن يتحمل مسؤولية حماية «حدود إسبانية» موجودة في إفريقيا، بل سيصبح المغرب مسؤولاً بصورة واضحة وكاملة عن حماية حدوده الشمالية في إطار سيادته، وستنتقل علاقته بالاتحاد الأوروبي في مجال الهجرة من إشكالية حماية وضع ترابي مختلف عليه إلى تعاون طبيعي بين ضفتين تفصل بينهما حدود بحرية متفق عليها.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى الحوار حول سبتة ومليلية بوصفه جزءاً من تصور أوسع لأمن غرب المتوسط، وليس فقط نزاعاً تاريخياً يترك مجمداً إلى أجل غير مسمى. فإدارة الأزمة ليست بالضرورة حلاً لأسبابها.

مفارقة شنغن
تزداد المفارقة وضوحاً عندما يدخل فضاء شنغن في المعادلة. فالمغرب ليس عضواً في الاتحاد الأوروبي ولا في فضاء شنغن، ولم يطلب أن تصبح مناطق يطالب بها جزءاً من المجال الأوروبي. ومع ذلك يجد نفسه مطالباً بالمساهمة بصورة حاسمة في حماية حدود خارجية للاتحاد الأوروبي تقع جغرافياً في القارة الإفريقية، بينما يرفض في الوقت نفسه الأساس السيادي الذي يجعلها، من المنظور الإسباني والأوروبي، حدوداً خارجية للاتحاد. وهذه ليست مجرد مفارقة لغوية. إنها إحدى العقد الجيوستراتيجية الأساسية في الملف كله. ومن ثم فإن السؤال الذي ينبغي طرحه على المؤسسات الأوروبية ليس فقط: لماذا تحملون المغرب المسؤولية؟ بل أيضاً: إلى متى تريد أوروبا من المغرب أن يتحمل جزءاً أساسياً من كلفة حماية وضع حدودي لم يشارك في إنشائه، ولا يعترف بأساسه السيادي، ولا يزال يتمسك بموقف مغاير بشأنه؟
إن معالجة النتائج الأمنية دون الاقتراب من أسباب الخلاف قد تؤجل الأزمة، لكنها لا تلغي احتمال تكرارها.

عندما تصبح «الوحدة الترابية» جزءاً من المعادلة
يفتح قرار البرلمان الأوروبي باباً أكثر حساسية عندما يستدعي مبدأ الوحدة الترابية. فالوحدة الترابية مبدأ جوهري في العلاقات الدولية، ومن الطبيعي أن تتضامن المؤسسات الأوروبية مع دولة عضو عندما ترى أن سلامة أراضيها مهددة.
لكن استدعاء هذا المبدأ ينبغي أن يدفع أيضاً إلى سؤال أوسع: هل تستعمل المبادئ بالطريقة نفسها عندما تتغير الجغرافيا والأطراف والمصالح؟
فالأمر لا يتعلق بالمقارنة الميكانيكية بين نزاعات تختلف في تاريخها وأسسها القانونية ومرجعياتها الدولية. إنما يتعلق الأمر بمسألة أكثر جوهرية: اتساق المبادئ.
فإذا كانت الوحدة الترابية مبدأً قانونياً عاماً، فلا ينبغي أن تتحول إلى مفهوم تتغير قوته ودلالته تبعاً لهوية الدولة المعنية أو موقعها داخل الاتحاد الأوروبي أو خارجه.
وهنا سيكون من المفيد أن يوضح الخطاب الأوروبي أين ينتهي التضامن السياسي المشروع مع دولة عضو، وأين يبدأ اتخاذ موقف بشأن قضية سيادية وتاريخية بينها وبين دولة شريكة. فالخلط بين المستويين قد يجعل المبدأ نفسه عرضة للتوظيف السياسي.

من التضامن إلى الاصطفاف؟
إن المغرب والاتحاد الأوروبي ليسا طرفين غريبين عن بعضهما. بل تجمعهما شراكة ممتدة تشمل الاقتصاد والتجارة والأمن ومكافحة الإرهاب والهجرة والطاقة والاستقرار في غرب المتوسط والساحل. ولهذا فإن لغة العلاقات بين الشركاء ليست مسألة شكلية.
فالشراكة الاستراتيجية تفترض إمكان الاختلاف، لكنها تفترض أيضاً عدم تحويل اختلاف مع أحد الشركاء إلى إدانة سياسية مسبقة لموقفه.
وهنا يطرح القرار سؤالاً آخر: هل انتقل البرلمان الأوروبي من التضامن المشروع مع دولة عضو إلى الاصطفاف مع تصورها الكامل لمسألة السيادة؟
إن كان المقصود حماية إسبانيا من تدفقات غير نظامية، فذلك مفهوم في إطار التضامن الأوروبي. أما إذا أصبح المطلوب من المغرب أن يقبل أيضاً بالتصور الإسباني للسيادة باعتباره شرطاً ضمنياً لحسن الشراكة، فإننا نكون أمام مسألة مختلفة تماماً. فالشراكة لا تعني التطابق. ولا ينبغي أن تعني مطالبة أحد الطرفين بالتخلي عن موقف تاريخي حتى يثبت أهليته للشراكة.

البرلمان الأوروبي ليس الاتحاد الأوروبي كله
وهنا ينبغي تسجيل تمييز بالغ الأهمية حتى لا نعطي القرار حجماً قانونياً أكبر من حجمه الفعلي. ما صدر يوم 17 شتنبر هو قرار للبرلمان الأوروبي. والبرلمان مؤسسة أساسية من مؤسسات الاتحاد الأوروبي، وقراراته تحمل وزناً سياسياً ومؤسساتياً لا يجوز التقليل منه. لكنه ليس المجلس الأوروبي، وليس مجلس الاتحاد الأوروبي، وليس المفوضية الأوروبية.
كما أن القرار المعني يندرج ضمن القرارات السياسية المتعلقة بالقضايا الراهنة، وليس تشريعاً أوروبياً يغير بذاته الوضع القانوني للمدينتين.
لذلك ينبغي التمييز بين موقف سياسي للبرلمان الأوروبي وبين موقف قانوني موحد للاتحاد الأوروبي بكل مؤسساته ودوله الأعضاء.
وهذا التمييز لا يقلل من أهمية القرار. بل يسمح بتحديد مكمن خطورته بدقة أكبر.
فالخطر قد لا يكون في أثر قانوني مباشر، وإنما في قدرة اللغة السياسية على الانتقال تدريجياً من مؤسسة إلى أخرى، ومن وثيقة إلى أخرى، حتى تتحول بالتراكم إلى مرجعية أوروبية مستقرة.

الخطر الحقيقي: صناعة الأمر الواقع الدبلوماسي
في العلاقات الدولية لا تصنع المواقف الكبرى دائماً بقرار واحد. أحياناً تبدأ بعبارة. ثم تتكرر العبارة في تقرير ثان. ثم يستشهد تقرير جديد بالقرار السابق. وبمرور السنوات يصبح ما كان موقفاً سياسياً ظرفياً مرجعية تستند إليها المؤسسات في وثائقها اللاحقة.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية. فأحداث يوليوز ستنتهي آثارها المباشرة عاجلاً أم آجلاً. أما المفاهيم التي دخلت الوثائق المؤسساتية فقد تبقى: الحرب الهجينة، الوحدة الترابية، الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي.
ثم يمكن أن تنشأ بينها تدريجياً علاقة سببية في الخطاب السياسي: حدود أوروبية، تعرضت لحرب هجينة، دفاعاً عن وحدة ترابية إسبانية.
وحين يستقر هذا البناء المفاهيمي يصبح الانتقال من إدارة واقع قائم إلى إضفاء شرعية سياسية متراكمة عليه أكثر سهولة.
لهذا فإن الصمت لا يعني قانونياً القبول، لكنه قد يصبح مكلفاً سياسياً. ففي العلاقات الدولية لا يكفي أن يكون للدولة موقف. بل ينبغي أيضاً أن تحافظ على حضور ذلك الموقف في الذاكرة المؤسساتية لشركائها.

لا الصمت ولا التصعيد
ومع ذلك، لا ينبغي أن يقود هذا التحليل إلى نتيجة خاطئة مفادها أن البديل الوحيد للصمت هو التصعيد. فالاختيار ليس بين السكوت والأزمة. هناك مساحة واسعة بينهما اسمها الدبلوماسية. والمغرب ليس مضطراً إلى هدم شراكته مع إسبانيا أو الاتحاد الأوروبي حتى يؤكد موقفه.
كما أن التعاون في مكافحة الهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر وحماية الأرواح والأمن الإقليمي لا ينبغي أن يتحول إلى ضحية للخلاف حول السيادة.
لكن التعاون شيء، والتخلي عن حق التعبير عن الموقف شيء آخر. ويمكن للمغرب أن يطلب توضيح الأساس الواقعي الذي استند إليه استعمال مفهوم بالغ الخطورة مثل «الحرب الهجينة»، وأن يميز بين المسؤولية عن تدبير أزمة الهجرة وبين الموقف من السيادة، وأن يواصل التعاون الأمني والإنساني، وفي الوقت نفسه يسجل بوضوح تحفظه على تحويل الوضع القائم إلى حقيقة سياسية غير قابلة للنقاش.
إنها معادلة دقيقة. لكن الدبلوماسية توجد تحديداً لإدارة المعادلات الدقيقة.

حين تصبح إدارة الزمن جزءاً من القضية
إن أخطر ما في قرار البرلمان الأوروبي، من هذا المنظور، قد لا يكون أثره القانوني المباشر، وإنما ما يمكن أن يؤسس له بالتراكم.
فأزمة الهجرة عابرة. أما المفاهيم التي تدخل الوثائق المؤسساتية فقد تبقى: «الحرب الهجينة»، «الوحدة الترابية»، «السيادة»، و«الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي».
وإذا تكررت هذه المفاهيم دون أن تقابلها رواية مغربية واضحة، فقد يتحول الوضع القائم تدريجياً من واقع تديره إسبانيا إلى مرجعية سياسية أوروبية مستقرة.
وهنا ينتقل السؤال من أوروبا إلى المغرب نفسه. فإذا كانت قواعد الخطاب الإسباني والأوروبي حول سبتة ومليلية تتغير، فهل ينبغي أن تبقى قواعد إدارة المغرب للملف كما كانت؟ وهل يكفي الحفاظ على الموقف التاريخي، أم أن اللحظة تستدعي إعادة التفكير في طريقة حضوره الدبلوماسي والقانوني والأكاديمي؟ إنه سؤال لا يتعلق بالتصعيد. بل يتعلق بالزمن الاستراتيجي. متى يكون الصبر حكمة، ومتى يصبح إدراك اللحظة المناسبة جزءاً من الحكمة نفسها؟
هنا ينتهي التشخيص. ومن هنا أيضاً يبدأ السؤال الذي سنحاول مقاربته في المقال الثاني: سبتة ومليلية: من المِيتيس إلى الكايروس؟

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد