التسريب لا ينطق: السردية تصنع حقيقته

ذ. محمد معروف، جامعة شعيب الدكالي

 

بقلم :ذ. محمد معروف، جامعة شعيب الدكالي

نشرت مجموعة “جبروت” أخيراً ما قالت إنه تسريب جديد لملفات مرتبطة بالأجهزة الأمنية المغربية، وتحديداً معطيات تزعم أنها تعود إلى مؤسسات استخباراتية. وتعرض المجموعة في هذا الإصدار أسماء ومعطيات تعريفية شخصية، وتقدمها بوصفها جزءاً من سلسلة “تسريبات” يفترض، وفق روايتها، أنها تكشف شبكة واسعة من الأنشطة والامتدادات الأمنية داخل المغرب وخارجه. غير أن القيمة التحليلية للمنشور لا تكمن في الأسماء والأرقام وحدها، بل في السردية التي تُبنى حولها: فالوثيقة تُعرض أولاً، ثم تُمنح معنى سياسياً محدداً يجعلها تبدو دليلاً على قصة أوسع عن التجسس، والرشوة، والهجرة، ومخطط الدولة. تكمن أهمية المنشور الذي نشرته مجموعة “جبروت” في اللغة التي تُحيط به. فالقائمة، في حد ذاتها، لا تقول للقارئ من هم أصحاب الأسماء، ولا ما وظائفهم، ولا لماذا توجد بياناتهم في الملف، ولا ماذا فعلوا. كل هذه المعاني تضيفها المجموعة من خلال خطاب يسبق الوثيقة ويوجّه قراءتها. وهنا تتحول البيانات من مادة خام قابلة للتفسير إلى “دليل” داخل قصة مكتملة سلفاً.

وهنا يصبح مفهوم التأطير الإعلامي (Framing) أساسياً لفهم طريقة بناء الدعاية. فالتأطير لا يقتصر على اختيار بعض عناصر الواقع وإبرازها وربطها داخل إطار يوجّه فهم الجمهور، بل يكمن في الخطاب الدعائي أن يتجاوز ذلك إلى إضافة وقائع غير مثبتة، وملء الفراغات السردية، وإنشاء علاقات سببية لا تقدم المادة الأصلية دليلاً عليها. وهذا ما يبرز في سردية “جبروت”: فالمعطيات المنشورة لا تُترك في حدود ما يمكن أن تثبته، وإنما تُضاف إليها أفعال ونوايا وعلاقات ومخططات، ثم تُدمج جميعها في قصة واحدة. وهكذا لا يجيب الإطار فقط عن سؤال: ماذا حدث؟ بل يحدد أيضاً من الفاعل، وماذا فعل، ولماذا فعل، ومن المستهدف، وما الخطة التي تقف وراء ذلك. وبهذا المعنى يعمل التأطير كمرساة للمعنى ومسار للتأويل في آن واحد: تنتقي جبروت بعض المعطيات، وتضيف إليها ادعاءات، وتربط بينها بعلاقات سببية، ثم تقدم الناتج للجمهور بوصفه تفسيراً متماسكاً للواقع. ومن هنا تتحول البيانات الخام إلى سردية دعائية تجمع بين ما هو ظاهر في الوثيقة وما يضيفه الخطاب إليها من وقائع ومعانٍ لا تثبتها الوثيقة نفسها.

المعجم الذي يصنع الحقيقة قبل إثباتها

تبدأ السردية بعبارة “الهدية الكبرى لأوروبا وخاصة إسبانيا”. ليس اختيار كلمة “هدية” محايداً؛ فهو يعيد تعريف فعل التسريب بوصفه خدمة عامة، ويمنح المجموعة موقع الفاعل الذي يكشف حقيقة مخفية لفائدة الأوروبيين. وبدلاً من أن تظهر بوصفها جهة تدّعي اختراق بيانات، تقدم نفسها بوصفها طرفاً يحمل معلومة، وينقلها إلى من يفترض أنهم ضحايا مؤامرة. ويزداد هذا البناء الرمزي قوة في عبارة “صاحب الوعد الصادق”. فالعبارة تنقل المنشور من لغة القرصنة التقنية إلى سجل شبه ديني ونضالي، يقوم على الوفاء بالعهد وتحقيق الوعد. وهي عبارة تستدعي قاموساً معروفاً في الخطابات التعبوية المرتبطة بما يسمى “محور المقاومة”، ولا سيما الاستعمالات الإيرانية لعبارة “الوعد الصادق” التي شملت سلسلة من العمليات العسكرية، وقد أطلق حزب الله اسم “عملية الوعد الصادق” على العملية العسكرية التي نفذها في 12 يوليو/تموز 2006، وهو ما يمنح العبارة حمولة رمزية وسياسية تتجاوز معناها اللغوي المباشر. ولا تكفي هذه الصياغة وحدها لإثبات علاقة أيديولوجية أو تنظيمية، لكنها تكشف على الأقل عن استعارة قاموس تعبوي يمنح الفعل السيبراني معنى رسالة أو مهمة يجري الوفاء بها. تمنح العبارة المتكلم نوعاً من الشرعية الرمزية؛ فهي تقدمه بوصفه فاعلاً يَعِد ثم يفي بوعده، بما يعزز مصداقيته ويدعم موقعه كصاحب معرفة جدير بالتصديق.

ثم تأتي أهم عملية معجمية في النص عندما تُسمى الأسماء الواردة في الملف مباشرة “عملاء المخابرات”. هنا لا تعرض المجموعة البيانات ثم تناقش ما إذا كان أصحابها ينتمون فعلاً إلى جهاز استخباراتي؛ بل تدمج الحكم داخل الاسم ذاته. فالقارئ لا يرى “أسماء أشخاص” وإنما “عملاء”. وهكذا تتحول فرضية تحتاج إلى البرهنة إلى حقيقة لغوية تسبق الدليل. ولا تقف عملية التسمية عند وصف أصحاب الأسماء بأنهم “عملاء للمخابرات”، بل تتعزز بما يمكن تسميته بالتجميع العددي (aggregation) في عبارة “70 ألف عميل”. فالرقم يدمج آلاف الأفراد المختلفين في فئة واحدة متجانسة، ويمنح الادعاء إحساساً بكبر الحجم والانتشار الواسع والقدرة على التنظيم، كما أن كتابة الرقم بالصيغة العددية، بدل كتابته بالحروف، تمنحه بروزًا بصريًا أكبر، بما يجعله أقدر على جذب انتباه القارئ وإبراز الرسالة بسرعة. ويؤدي هذا التجميع أيضاً وظيفة تضخيميه (hyperbolic)، إذ لا تعمل عبارة “70 ألفاً” بوصفها مجرد معلومة كمية، بل كأداة بلاغية تضخم صورة التهديد وتوحي بوجود شبكة استخباراتية هائلة. وهكذا تصبح الكثرة نفسها جزءاً من الحجة، ويتحول الرقم من أداة للعد إلى أداة لبناء صورة ذهنية عن حجم الخطر المزعوم. ويتوسع الحقل الدلالي بعد ذلك عبر كلمات مثل “التجسس” و”زرع أجهزة التنصت” و”رشوة السياسيين والاقتصاديين”. هذه الأفعال تنتمي إلى معجم السرية والاختراق والفساد، وتبني صورة جهاز يعمل خارج الحدود من خلال عمليات سرّية. غير أن الوظيفة الأساسية لهذه الكلمات ليست الوصف فقط، بل تحديد الإطار الذي يجب أن تُقرأ من خلاله الأسماء والأرقام. فبعد وضع هذه المفردات أمام القارئ، يصبح أي اسم داخل القائمة قابلاً لأن يُتخيل باعتباره جزءاً من هذا النشاط. ويتضح الأمر أكثر في استعمال عبارة “التهجير المغاربي نحو أوروبا”. فكلمة “التهجير” تختلف جذرياً عن “الهجرة”: الأولى تفترض فاعلاً يقوم بتحريك أشخاص بصورة مقصودة، بينما تصف الثانية حركة سكانية يمكن أن تنتج عن أسباب متعددة. بمجرد اختيار “التهجير”، تكون اللغة قد أدخلت مسبقاً عنصر التخطيط والفاعل الخفي، ثم تأتي عبارة “مخطط رسمي مغربي” لتكمل هذه العملية وتحول الحركة الاجتماعية المعقدة إلى مشروع دولة متعمد.

وفي مقابل هذا المعجم التعبوي، يستخدم المنشور في مجمله أيضاً قاموساً بيروقراطياً: “أسماء”، و”تواريخ ميلاد”، و”أرقام تعريف”، و”قائمة اسمية”، ويشير إلى وجود “أوامر مهمة” دون نشرها. وهذا المزج بين اللغة الدرامية واللغة الإدارية مهم جداً. فاللغة البيروقراطية تمنح الخطاب مظهر الوثيقة والموضوعية، بينما تمنح اللغة التعبوية الوثيقة معناها السياسي. كأن الأرقام نفسها تشهد على القصة، مع أن العلاقة بين البيانات والتفسير الذي يُعطى لها لم تُثبت بعد. بهذا المعنى، تعمل الدعاية هنا من خلال التسمية قبل أن تعمل من خلال البرهان. فحين تسمي شخصاً “عميلاً”، وتصف الهجرة بأنها “تهجير”، وتصف العلاقات بأنها “رشوة”، وتجمع ذلك كله تحت عنوان “مخطط رسمي”، تصبح النتيجة جزءاً من اللغة التي يفترض أنها تصف الأدلة.

هندسة الحجة من قائمة البيانات إلى “المخطط

إذا كان المستوى المعجمي يحدد للقارئ كيف يسمي الأشياء، فإن ترتيب الحجة يحدد له كيف يربط بينها. فالنص لا يقدم ادعاءً واحداً، وإنما يبني سلسلة تصاعدية تبدأ بمعلومة بسيطة وتنتهي باستنتاج سياسي ضخم. تبدأ السلسلة بوجود ملف يضم، وفق ادعاء المجموعة، آلاف الأسماء والبيانات الشخصية. هذه هي النقطة الأقرب إلى ما يمكن للقارئ رؤيته في الصورة: جداول وأسماء وأرقام. لكن الخطوة الثانية تأتي فوراً: أصحاب هذه البيانات ليسوا مجرد أشخاص، بل “عملاء للمخابرات”. هنا تحدث أول قفزة استدلالية، لأن وجود الاسم داخل قاعدة بيانات لا يثبت وحده طبيعة علاقة صاحبه بالجهاز الذي تنسب إليه الوثيقة.

بعد ذلك تنتقل الحجة من الهوية إلى الفعل. هؤلاء “العملاء”، وفق المنشور، لم يكتفوا بالانتماء إلى الجهاز، بل قاموا في أوروبا بأعمال التجسس والتنصت والرشوة. وهكذا تتحول القائمة المفترضة من قاعدة بيانات إلى سجل عمليات، رغم أن الأسماء والأرقام الظاهرة لا تحمل، في ذاتها، هذه المعلومات. ثم تتسع الدائرة مرة أخرى. لا يُقدَّم النشاط المنسوب إلى هؤلاء الأشخاص باعتباره مجموعة أعمال منفصلة، وإنما باعتباره جزءاً من سياسة منظمة. ومن هنا تنتقل السردية من الأفراد إلى الدولة، ومن أفعال مزعومة إلى “مخطط رسمي مغربي”. وهي لحظة مهمة في بناء الدعاية، لأن الحجة تغير مستواها: ما بدأ باسم شخص ورقم بطاقة تعريف، أصبح الآن تفسيراً لسياسة دولة.

لكن السلسلة لا تتوقف عند هذا الحد. فالمخطط الرسمي يُربط بعد ذلك بظاهرة اجتماعية وسياسية أوسع هي الهجرة نحو أوروبا. باستعمال “التهجير”، يُعاد تفسير الحركة السكانية نفسها باعتبارها عملية مدبرة، ثم يُقدَّم التسريب المزعوم بوصفه الدليل الذي يفسرها. وهكذا يصل القارئ إلى السلسلة التالية: بيانات شخصية ← عملاء مخابرات ← عمليات تجسس ورشوة ← نشاط منظم ← مخطط رسمي للدولة ← تهجير نحو أوروبا. تجعل قوة هذه البنية كل مرحلة تبدو امتداداً طبيعياً للسابقة، بينما تحتوي في الواقع على انتقالات تحتاج كل واحدة منها إلى أدلة مستقلة. فإثبات وجود أسماء، لا يثبت أنها لأفراد استخباراتيين؛ وإثبات الانتماء إلى جهاز ما، لا يثبت القيام بالتجسس أو الرشوة؛ وإثبات عمليات فردية لا يثبت وجود استراتيجية دولة؛ كما أن وجود استراتيجية أمنية، لا يثبت أن الهجرة إلى أوروبا جزء منها.

أنماط الحجاج في بناء السردية

يبدأ النص بالحجاج بالوثيقة أو بالقرينة المادية. فالقائمة التي تضم الأسماء وتواريخ الميلاد وأرقام التعريف، ثم الإشارة إلى “أوامر بمهمة” بدون وثائق، تُقدَّم بوصفها قاعدة إثباتية ينطلق منها الخطاب. وتمنح هذه الوثائق الرواية مظهراً مادياً: هناك أسماء وأرقام وجداول يمكن رؤيتها، فينشأ لدى المتلقي إحساس بأنه أمام “دليل”. غير أن هذه القرينة لا تثبت، في ذاتها، أن أصحاب الأسماء “عملاء مخابرات”، ولا أنهم قاموا بالتجسس أو التنصت أو الرشوة. وهكذا تمنح الوثيقة السردية نقطة انطلاق واقعية، ثم يبدأ الخطاب في تحميلها معاني تتجاوز ما تثبته بذاتها.

ويستند النص أيضاً إلى الحجاج بالوقائع أو السوابق التي يفترض أن الجمهور يعرفها مسبقاً. فالإحالة إلى “التجسس” و”التنصت” و”أوروبا” و”إسبانيا” تستدعي بصورة غير مباشرة ذاكرة اتهامات سابقة ارتبط فيها المغرب بقضايا تجسس خارج الحدود، كما أن الحديث عن “التهجير نحو أوروبا” يستحضر أزمات العبور والهجرة نحو إسبانيا التي شهدتها السنوات الأخيرة. وتؤدي هذه السوابق وظيفة خلفية للتصديق: فالحدث السابق لا يثبت الرواية الجديدة، لكنه يجعلها أكثر قابلية للتصديق لدى جمهور سبق أن تعرض لهذه الصور والأحداث. وبهذا يستخدم الخطاب الذاكرة الإعلامية للأحداث بوصفها جسراً بين الوثيقة الجديدة والادعاء الذي يريد إثباته.

ثم يربط الخطاب هذه القرائن والسوابق في حجاج سببي واحد: القائمة تُستعمل لإثبات وجود “عملاء”، والحديث عن التجسس والتنصت لإثبات نشاط منظم في أوروبا، ثم ينتقل النص من ذلك إلى “مخطط رسمي مغربي” قبل أن يضم إليه الهجرة باعتبارها “تهجيراً” منظماً. وهنا تكمن القفزة الأساسية في الحجة، لأن وجود كل عنصر على حدة، حتى لو ثبت، لا يثبت بالضرورة العلاقة السببية التي يصنعها النص بينها. فالخطاب يحول التجاور بين وقائع وادعاءات مختلفة إلى سلسلة تبدو سببية ومتماسكة.

ويعمل بالتوازي مع ذلك حجاج عاطفي يقوم على لغة مشحونة مثل “الهدية الكبرى”، و”الوعد الصادق”، و”أقذر المهام الاستخباراتية”، و”رشوة السياسيين والاقتصاديين”، و”المخطط الرسمي”. فالوثيقة تخاطب المتلقي بوصفها دليلاً، بينما تدفعه هذه المفردات إلى اتخاذ موقف أخلاقي وانفعالي من الرواية. كما تؤدي عبارة “جبروت يحقق لكم الوعد بالنشر” وظيفة بناء المصداقية الخطابية (Ethos): فالمجموعة تقدم نفسها بوصفها جهة وعدت ثم وفت، وتحاول نقل مصداقية الوفاء بالوعد إلى مصداقية تفسيرها لمحتوى التسريب.

وتظهر حدود هذا البناء الحجاجي في عدد من القفزات الاستدلالية. فهناك افتراض مسبق من خلال التسمية عندما يُقدَّم أصحاب الأسماء منذ البداية بوصفهم “عملاء للمخابرات”، كما تحمل كلمة “التهجير” افتراض وجود جهة تدبر حركة الهجرة عمداً قبل إثبات ذلك. ويظهر الاستنتاج غير اللازم عندما ينتقل النص من وجود أسماء أو “أوامر بمهمة” إلى القول بوجود مخطط دولة شامل، ومغالطة التركيب حين تتحول أفعال أفراد أو مهام محددة إلى نية مؤسسة ثم إلى سياسة دولة، فضلاً عن سببية غير مثبتة في ربط النشاط الأمني المزعوم بظاهرة الهجرة نحو أوروبا. وبذلك تقوم فعالية الحجة على وثيقة تمنح الرواية مظهراً واقعياً، وسوابق تمنحها قابلية للتصديق، ولغة عاطفية تمنحها قوتها التعبوية، ثم يتولى التأطير جمع هذه العناصر في سردية واحدة.

صناعة “الدليل” بالسرد

إن العملية الدعائية الأساسية، إذن، هي ردم للمسافة بين ما تعرضه الوثيقة وما يريد الخطاب أن تعنيه الوثيقة. فالبيانات توفر ما يمكن تسميته “أثر الواقعية”: أسماء حقيقية أو تبدو حقيقية، وأرقام، وملفات مضغوطة، وصور شاشة، وصياغات إدارية. هذه الأشياء تمنح القارئ الإحساس بأنه أمام مادة أصلية غير قابلة للإنكار. لكن المادة الأصلية، حتى لو افترضنا صحتها، لا تحمل بالضرورة السردية التي تُلصق بها. وهنا يتدخل النص ليقوم بما لا تقوم به الوثيقة: يحدد الهوية، وينسب الأفعال، ويكشف النوايا، ويربط الأفراد بالدولة، ثم يربط الدولة بظاهرة الهجرة.

وبذلك تنشأ علاقة دائرية بين الوثيقة والسردية: تقول السردية للقارئ ماذا يرى في الوثيقة، ثم تُستعمل الوثيقة لإثبات صحة السردية التي فسرتها أصلاً. وهذا أحد أكثر أساليب الدعاية فعالية، لأن القارئ يشعر أنه استنتج النتيجة من البيانات، بينما تكون النتيجة قد قُدمت له مسبقاً من خلال اختيار الكلمات وترتيب الحجة.

من الاختراق التقني إلى بناء صورة الفاعل السياسي

كما يؤدي ترتيب الخطاب وظيفة أخرى هي تحويل هوية المجموعة نفسها. فهي لا تظهر مجرد مجموعة قرصنة تنشر ملفات، كما هو الشأن بالنسبة لموقع ويكي ليكس مثلا، وإنما فاعلاً سياسياً يمتلك معلومات سرية، ويتحدى دولة، ويكشف مؤامرة دولية. ولذلك يبدأ النص “بالهدية” و”الوعد الصادق” قبل الدخول في تفاصيل الأسماء. فالاختراق لا يُقدَّم كإنجاز تقني فقط، بل كحلقة في صراع سياسي وأخلاقي أوسع.

وهذا التحول مهم لفهم وظيفة التسريبات في الدعاية الرقمية المعاصرة. فقيمة التسريب لا تأتي فقط من محتواه، بل من قدرته على منح الفاعل الذي ينشره سلطة المعلومة: نحن نعرف ما لا تعرفونه، ونحن نكشف ما تخفيه المؤسسات، ولذلك فإن تفسيرنا للأحداث يجب أن يُصدَّق. بهذا المعنى، يصبح الاختراق المزعوم وسيلة لبناء المصداقية السياسية. وكل ملف جديد لا يقدم معلومات فقط، بل يعيد إنتاج صورة المجموعة باعتبارها فاعلاً قادراً على اختراق المؤسسات وكشف أسرارها وتحويل بياناتها إلى تفسير شامل للأحداث.

لا تكفي قائمة أسماء ولا بيانات شخصية لإثبات السردية التي تُبنى حولها. لكن هذا تحديداً ما يجعل المنشور مهماً للتحليل: فهو يكشف لنا كيف تتحول مادة بيروقراطية صامتة إلى قصة عن التجسس والرشوة والهجرة ومخططات الدولة. يبدأ ذلك من الكلمات التي تسمي الأشخاص “عملاء” وتحول “الهجرة” إلى “تهجير”، ثم ُترتَّب الحجج في سلسلة تجعل الانتقال من الاسم إلى “المخطط” يبدو منطقياً. ولهذا فالسؤال الأهم ليس فقط: ماذا تنشر جبروت؟ بل: ما هي السردية التي تصنعها حول ما تنشره؟ فالاختراق، إن صحّ، يوفر المادة؛ أما الدعاية فيُصنع منها المعنى. والبيانات تُعرض، لكن السردية هي التي تصنع حقيقتها.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد