بقلم :يونس إمغران كاتب وصحفي
– مهداة لأحد هؤلاء الجنود: زكرياء خشاف –
** رغم أن بلاء كورونا أظهر قساوته بتداعياته المؤلمة، إلا أنه كشف لنا جمالية الترابط الإنساني والاجتماعي المؤطرين للمجتمع المغربي المحافظ والمحمي بقيم دينه الحق. بحيث تضافرت جهود مختلف شرائحه ومكوناته من أجل إلحاق الهزيمة بفيروس كورونا، ولم يتخلف عن المعركة أي أحد. سجلوا حضورهم في وقت مبكر وبدون استثناء، وأبانوا عن غيرة وطنية نادرة قلَّ مثيلها في بعض المجتمعات الأخرى.
لكن الذي أثار انتباهنا، هو أن جهات عديدة تصدت لهذه الجائحة بإمكانياتها المهنية أو النفسية أو المادية دون أن تقوم بعمل يمكن اعتباره خارجا عن اختصاصها وطبيعة وظيفتها. وفي هذا السياق قام رجل التعليم بوظيفته كما اعتاد القيام بها زمن الرخاء والعافية، حيث قدم دروسه عن بعد. كما أن رجال الصحة: أطباء وممرضين قاموا بواجبهم المهني كما اعتادوا القيام به في الأيام العادية، وكذلك رجال الشرطة والقوات المساعدة وغيرهم. ومن ثمة، فإن هؤلاء جميعا أبلوا البلاء الحسن (ومازالوا) في دفع الضرر عن الوطن والمواطنين، وكانوا يستحقون منَّا التقدير والتحية كباقي الجهات التي اجتهدت من داخل وظيفتها المهنية المعهودة في تعزيز الخطوط الأمامية في المعركة.
غير أن جهات أخرى فاجأتنا بأدوار هي ليست مطلوبة منها، وليست مسؤولة عن تلبيتها. بل لا يمكن محاسبتها عنها في حالة امتناعها عن القيام بها، ولا في حالة الإخفاق فيها. لكنها قامت بها بروح دينية ووطنية عالية، وبنكران ذات ملحوظة. لذلك فهي تستحق منا الإشادة والتنويه والتصفيق. فمن هي يا تُرى؟
إنهم مجموعة من الشباب وهبوا أنفسهم لإعانة الأسر الفقيرة والمعوزة التي وجدت نفسها صبيحة يوم تطبيق حالة الطوارئ الصحية بدون عمل ولا أكل ولا شرب ولا قدرة على الخروج من البيت. وهي أسر تعدُّ بالمئات أو الآلاف تنتشر في معظم الأحياء الشعبية بمختلف مدن المملكة، ولا يعلم وضعهم المزري والكارثي إلا الله تعالى. كما أن الدولة عجزت عن حل مشاكلهم في أوقات السراء، وهي اليوم مازالت تحصي أنفاسهم، وتدرس طرق تقديم مساعدات مالية لهم وهي مدركة أيم إدراك أن مساعداتها لا تغني ولا تسمن من جوع. لكن هؤلاء الشباب تحركوا بطريقة سحرية لإحصاء هذه الأسر، وجمع المال من المحسنين والمتصدقين، وطرق أبواب بيوتها كل صباح، مما أشعر أفرادها بأنهم ليسوا وحدهم في هذه المحنة، وأنهم جزء مهم من هذا الشعب، ومن هذا الوطن.
إن جائحة كورونا فضحت المخططات الحكومية العقيمة التي صِيغت من قبل – دون روية أو دراسة علمية – لمواجهة الظروف العصيبة، وأكدت على أن المسؤولية الاجتماعية لا ينبغي إغفالها في نقد العمل الحكومي، ولا في عدم جعلها مدخلا للمحاسبة. ذلك أن للدولة خيرات بحرية وفلاحية ومعدنية ومالية كبيرة، إلا أنها لا تتوزع على أبنائها بمعايير العدل والمساواة والاستحقاق وبما يحقق لهم الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية. فهل تحمِلهم كورونا فيروس على إعادة ترتيب الأوليات المجتمعية، والبدء بمحاربة الفقر وتداعياته، وتوسيع وعاء الشغل، وتوزيع الثروة الوطنية بما لا يغضب الله.
إن الفقر ليس قدرا محتوما على بعض الأسر المغربية، كما أن الغنى الفاحش ليس قدرا تصنعه أسباب وجيهة. وإنما الفقر والغنى حالات ينتجها النظام الاقتصادي والسياسي والثقافي الذي تعمل بعض الجهات داخل كل مجتمع على تنميطه، ودوام فعاليته، والحفاظ على مكامن قوته.
إن نجاح الحرب ضد كورونا وتحقيق النصر عليها، يجب أن يَجُرَّ الحكومة جرّاً إلى معركة أخرى أكثر خطورة من هذه الجائحة، وهي وضع سياسات تنموية تفضي إلى إجراءات اقتصادية واجتماعية راشدة، لا ظلم فيها ولا اعتداء على ما حمى الله. ولا يُكرم هذا الشعب إلا باعتماد سياسة “إنفاق العفو”.. زكاةً، وتأميماً لثروات البلاد العامة، وتفعيلاً للمجتمع الخيري والإحساني، وتكريساً للعطاء والتكافل الاجتماعي ولو بمنطق الإجبار.