صالح بن طريف بين التاريخ والأسطورة في كتاب جديد لمحمد بودجبير

 بقلم : خالد طحطح

 صدر حديثاً للباحث المغربي محمد بودجبير كتاب جديد بعنوان «نبيّ برغواطة: صالح بن طريف، عن مركز جسور للدراسات التاريخية والاجتماعية، ضمن سلسلة تحمل عنوان “أعظم الشخصيات في تاريخ المغرب”. ويأتي هذا الإصدار في طبعته الأولى سنة 2026، في نحو 200 صفحة، واضعاً أمام القارئ المغربي والعربي ملفاً تاريخياً بالغ الحساسية، يتصل بإحدى أكثر الشخصيات حضوراً وغموضاً في تاريخ المغرب الوسيط، وهي شخصية صالح بن طريف، الذي ارتبط اسمه بقيام التجربة البرغواطية في منطقة تامسنا.

الكتاب لا يقدّم نفسه بوصفه عملاً تقليدياً في الترجمة التاريخية، ولا يكتفي بجمع الأخبار المتفرقة عن صالح بن طريف وبرغواطة، بل يذهب أبعد من ذلك، محاولاً إعادة بناء صورة مركّبة لشخصية طالما حضرت في كتب الجغرافيا والملل والنحل والتاريخ حضوراً ملتبساً، بين الإدانة والتعجيب والتشويه والتهميش. ومن هنا، فإنّ أهمية هذا العمل لا تكمن فقط في موضوعه، بل أيضاً في زاوية النظر التي يعتمدها، إذ يسعى المؤلف إلى إخراج صالح بن طريف من خانة «المتنبئ» أو «الخارج عن المألوف» وحدها، وإعادة وضعه داخل سياقه التاريخي والسياسي والاجتماعي، بوصفه ابناً لمرحلة ثورية عميقة شهدها المغرب في القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي.

ينطلق الكتاب من فرضية مركزية مفادها أنّ صالح بن طريف لم يكن حادثة معزولة في التاريخ المغربي، بل كان ثمرة مباشرة لمناخ سياسي واجتماعي نشأ بعد ثورة ميسرة المطغري سنة 122هـ/740م، وهي الثورة التي هزّت البنية السياسية القائمة، وفتحت المجال أمام صعود قوى وشخصيات ومشاريع جديدة. وفي هذا السياق، يقرأ المؤلف تجربة برغواطة لا باعتبارها انحرافاً عابراً أو ظاهرة غرائبية فحسب، وإنما باعتبارها تعبيراً عن لحظة تاريخية مغربية كانت تبحث عن صيغها الخاصة في الحكم والدين والاجتماع.

ويولي محمد بودجبير في هذا العمل عناية واضحة بالبُعد الفكري للثورة، إذ يفتتح كتابه باستهلال طويل يتأمل فيه معنى الثورة ومفاعيلها في حياة الأمم. فالثورة، في تصوره، ليست مجرد تعبئة للقوى الحية أو تضامن مؤقت من أجل إسقاط سلطة استبدادية، بل هي ظهور لما كان متوارياً، وانكشاف لقوى دفينة، وارتفاع لأفكار ورجال ومشاريع كانت محجوبة تحت أثقال القهر والاستبداد. ومن هذا المنطلق، تبدو شخصية صالح بن طريف في الكتاب مرتبطة بزمن الفرص الممكنة، أي بذلك الزمن الذي تتيح فيه التحولات الكبرى بروز رجال غير عاديين، قادرين على تحويل مجرى التاريخ المحلي، وترك أثر عميق في الذاكرة السياسية والدينية للبلاد.

بحسب المعطيات التي يوردها الكتاب، عاش صالح بن طريف في الفترة الممتدة بين مطلع القرن الثاني الهجري، الموافق تقريباً للربع الأول من القرن الثامن الميلادي، وسنة 177هـ/793م. وقد ارتبط اسمه ببرغواطة، وهي القبيلة أو المجموعة القبلية التي أسست واحدة من أكثر التجارب السياسية والدينية فرادة في تاريخ المغرب. ويحرص المؤلف على تقديم هذه التجربة في اتساعها، فلا يجعل صالح بن طريف منفصلاً عن مجاله القبلي والجغرافي والسياسي، بل يربطه ببرغواطة، وبتامسنا، وبالمناخ الثوري الذي أعقب انهيار سلطة مركزية معينة أو ضعفها، وبحاجة المجتمعات المحلية إلى بناء نماذج حكم خاصة بها.

ولعلّ اللافت في هذا الكتاب أنّ المؤلف لا يتعامل مع الأخبار المتوارثة عن صالح بن طريف تعاملاً تسليمياً، بل ينبه إلى أن كثيراً مما نُسب إليه يبقى محل شك ونظر. فالشخصية التي بلغتنا أخبارها عبر مصادر قديمة، بعضها خصوم أو كتاب بعيدون عن التجربة البرغواطية، لا يمكن التعامل معها من خلال ظاهر الرواية فقط. ومن هنا، يفتح الكتاب باباً مهماً لإعادة قراءة المصادر، والتمييز بين ما قد يكون خبراً تاريخياً، وما قد يكون أثراً من آثار الصراع السياسي أو الديني أو المذهبي الذي رافق تشكل التجربة البرغواطية واستمرارها.

ويمتاز العمل أيضاً بكونه لا ينحصر في السرد الخطي لحياة صالح بن طريف، بل يتوسع في دراسة مختلف العناصر المحيطة به. فبعد الاستهلال والسردية الأساسية، يتوقف الكتاب عند شخصية صالح بوصفه رجلاً فذاً، ثم يقدم عبرة تاريخية، وينتقل إلى الحديث عن طريف بن مالك المصمودي، ثم يضع جدولاً تحقيبياً لحياة صالح بن طريف، في محاولة لترتيب الأحداث وربطها بسياقها الزمني. وبعد ذلك، يخصص المؤلف فصولاً لبرغواطة القبيلة، والديانة البرغواطية، ولمحة كرونولوجية عن تاريخ مملكة برغواطة، وشجرة ملوكها، وشعبها، ولغتها المحتملة، وتراثها، بما يجعل الكتاب أقرب إلى ملف تاريخي متكامل حول برغواطة، لا مجرد ترجمة لشخص واحد.

ومن بين الفصول اللافتة في الكتاب فصل بعنوان “القانون العرفي الأمازيغي مدخلاً لدراسة التجربة البرغواطية”، وهو عنوان يكشف عن رغبة المؤلف في تجاوز القراءة الدينية الصرفة للتجربة البرغواطية، وربطها بالبنيات الاجتماعية والقانونية والثقافية المحلية. فبرغواطة، في هذا الأفق، لا تبدو مجرد جماعة تبنت عقيدة خاصة، بل جماعة بنت نظاماً اجتماعياً وسياسياً يتداخل فيه الديني بالقبلي، والعرفي بالسلطوي، والمحلي بالثوري. وهذا المنحى يفتح إمكانات واسعة لفهم التجربة بعيداً عن الأحكام الاختزالية التي حصرتها في الغرابة أو الانحراف.

كما يخصص الكتاب حيزاً مهماً لمجال تامسنا، باعتباره الفضاء الجغرافي الذي احتضن التجربة البرغواطية. وتامسنا هنا ليست مجرد خلفية مكانية، بل مجال تاريخي حيّ، ساهم في تشكيل التجربة وإعطائها ملامحها الخاصة. فالمكان، في مثل هذه التجارب، ليس عنصراً محايداً؛ إنه يحدد إمكانات الفعل السياسي، وشكل العلاقة بين القبائل، وطبيعة الاتصال أو الصراع مع القوى المجاورة، كما يسهم في بناء الهوية الجماعية للجماعة التي تستقر فيه وتدافع عنه.

ويذهب الكتاب إلى أبعد من التجربة البرغواطية ذاتها، حين يفتح ملف أنبياء المغرب ومتنبئيه، فيضع صالح بن طريف ضمن سياق أوسع من الشخصيات التي نسبت إليها النبوة أو ادعتها أو اتُّهمت بها في تاريخ المغرب. ومن بين الأسماء التي يتوقف عندها المؤلف حاميم الغماري، وعاصم بن جميل اليزدجومي، ومدع مجهول من أواخر العهد المرابطي، ومحمد ابن أبي الطواجن الكتامي. وبهذا، لا يعود صالح بن طريف ظاهرة وحيدة، بل جزءاً من تاريخ طويل ومعقد من التوتر بين السلطة والدين، وبين الشرعية الرسمية والشرعيات المحلية، وبين النصوص الوافدة والتأويلات المغربية الخاصة.

هذا التوسيع في زاوية النظر يمنح الكتاب قيمة إضافية، لأنه يجعل من صالح بن طريف مدخلاً إلى فهم أوسع لطبيعة التدين والسياسة والسلطة في مغرب القرون الأولى. فالقرن الثاني الهجري لم يكن زمناً ساكناً، بل كان زمناً تتفاعل فيه الدعوات والمذاهب والثورات والقبائل ومشاريع الحكم. وفي مثل هذا السياق، يصبح من الضروري أن تُقرأ التجربة البرغواطية لا بوصفها هامشاً خارج التاريخ، بل باعتبارها إحدى الصيغ التي أنتجها التاريخ المغربي في لحظة بحثه عن استقلاله السياسي والرمزي.

وتتضح في الكتاب رغبة المؤلف في إعادة الاعتبار إلى الشخصيات المغيبة في التاريخ المغربي. فهو لا يستحضر صالح بن طريف لمجرد إثارة الفضول أو استعادة حكاية غريبة، بل يستدعيه بوصفه مثالاً على قدرة المغرب، في لحظات معينة، على إنجاب شخصيات كبرى ومشاريع غير مألوفة. ويظهر هذا المعنى بوضوح في الاستهلال، حيث يربط الكاتب بين مغرب القرن الثاني الهجري ومغرب القرن الحادي والعشرين، مؤكداً أن الأمة التي استطاعت في الماضي إنتاج رجال أفذاذ وتجارب حضارية وسياسية كبرى، تستطيع اليوم أيضاً أن تستعيد قدرتها على المبادرة والفعل، متى تحررت من أثقال الاستبداد والجمود والتبعية.

من الناحية الأسلوبية، يجمع الكتاب بين اللغة التاريخية واللغة التأملية، وبين السرد والتحليل. فالمؤلف لا يقدم مادته في شكل بارد أو محايد تماماً، بل يكتب بروح منحازة إلى إعادة طرح الأسئلة، وإلى كسر السرديات الجاهزة. كما أنّ العنوان نفسه، “نبيّ برغواطة”، يحمل جرأة واضحة، لأنه يستعيد التسمية التي التصقت بصالح بن طريف، لكنه لا يفعل ذلك بالضرورة لتثبيتها كما وردت في المصادر، وإنما ليجعلها موضوعاً للفحص والمساءلة والتأويل.

وتزداد أهمية العمل إذا أخذنا بعين الاعتبار أن تاريخ برغواطة ظل، في كثير من الكتابات، موضوعاً ملتبساً ومهمشاً. فقد حضرت هذه المملكة أو الجماعة السياسية في كتب التراث غالباً من خلال منظور خارجي، ينظر إليها بعين الريبة أو العداء أو الاستغراب. أما هذا الكتاب، فيحاول أن يقترب منها من الداخل التاريخي الممكن، أي من خلال فهم ظروف نشأتها، وطبيعة مجتمعها، ومسارات ملوكها، وخصوصية ديانتها، وموقعها في تامسنا، وعلاقتها بباقي القوى المغربية. وهذا المسعى، حتى إن ظل محكوماً بندرة المصادر وصعوبة الموضوع، يفتح أفقاً ضرورياً لإعادة كتابة جزء مهم من التاريخ المغربي.

ومن خلال فهرسه، يبدو الكتاب غنياً بالموضوعات التي تسمح للقارئ بتكوين صورة واسعة عن صالح بن طريف وبرغواطة. فهو لا يكتفي بفصل واحد عن الديانة البرغواطية، بل يعقبه بلمحة كرونولوجية عن تاريخ المملكة، وشجرة لملوكها، وحديث عن شعبها، وتساؤل عن لغتها وتراثها. وهذه العناصر تكشف أن المؤلف لا يريد تقديم شخصية صالح بمعزل عن البنية التي أنتجها أو أثّر فيها، بل يريد للقارئ أن يرى الشخصية والتجربة والمجال والقبيلة والدين واللغة والتاريخ في إطار واحد.

ويمكن القول إنّ كتاب “نبيّ برغواطة: صالح بن طريف” يمثل محاولة جادة لفتح نقاش جديد حول واحدة من أكثر المراحل غموضاً في التاريخ المغربي. فهو يضع القارئ أمام شخصية إشكالية، لا يمكن اختزالها في حكم واحد، وأمام تجربة سياسية ودينية لا يمكن التعامل معها بمنطق التبسيط. كما يدعو، بصورة مباشرة وغير مباشرة، إلى مراجعة الطريقة التي نقرأ بها تاريخ المغرب، خاصة حين يتعلق الأمر بالشخصيات والجماعات التي خرجت عن مسار السلطة الرسمية أو لم تكتب تاريخها بنفسها.

إنّ قيمة الكتاب تكمن أيضاً في أنه يعيد الاعتبار إلى السؤال التاريخي نفسه. فالتاريخ، كما يوحي هذا العمل، ليس مجرد أرشيف مغلق، بل مجال صراع وتأويل واستعادة. وكلما أعيد النظر في شخصية مثل صالح بن طريف، أو تجربة مثل برغواطة، انفتح أمامنا وجه آخر من وجوه المغرب، وجه أقل حضوراً في الذاكرة العامة، لكنه لا يقل أهمية في فهم تشكل البلاد ومجتمعاتها وأنظمتها ورؤاها.

بهذا المعنى، لا يبدو الكتاب مجرد إصدار جديد يضاف إلى رفوف الدراسات التاريخية، بل محاولة لإثارة انتباه القارئ إلى أن تاريخ المغرب أوسع بكثير من الصور المدرسية والمرويات المتداولة. ففي أعماق هذا التاريخ شخصيات مثيرة، وتجارب مدهشة، ومشاريع سياسية ودينية واجتماعية تستحق أن تُقرأ من جديد، لا بروح الإدانة المسبقة، ولا بروح التمجيد الساذج، بل بعين الباحث الذي يعرف أن الحقيقة التاريخية لا تُمنح جاهزة، وإنما تُبنى بالصبر والمقارنة والمساءلة.

ومن هنا، يشكل “نبيّ برغواطة” دعوة إلى إعادة فتح ملف برغواطة وصالح بن طريف، وإلى إدماج هذه التجربة في النقاش العام حول تاريخ المغرب، لا باعتبارها حاشية غريبة في المتون القديمة، بل باعتبارها جزءاً من الذاكرة السياسية والدينية والثقافية للبلاد. وهو، في الوقت نفسه، كتاب يذكّر بأن الشخصيات العظيمة أو المثيرة للجدل لا تظهر في الأزمنة الهادئة وحدها، بل كثيراً ما تولد في قلب العواصف، حين تضطرب السلطة، وتتغير الأفكار، وتبحث المجتمعات عن طريق جديد للخلاص والبناء.

وفي النهاية، يمكن اعتبار هذا العمل لبنة أولى في سلسلة يُنتظر منها أن تواصل الاشتغال على أعظم الشخصيات في تاريخ المغرب، خصوصاً تلك التي لم تنل ما تستحقه من البحث والتأمل. أما صالح بن طريف، كما يقدمه محمد بودجبير، فهو ليس مجرد اسم منسي في كتب القدماء، بل علامة على زمن مغربي كثيف، عرفت فيه البلاد كيف تنتج الفكرة والسلطة والاختلاف، وكيف تجعل من الهامش أحياناً مركزاً لصناعة التاريخ.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد