من باريس: الدكتور محمد محاسن
توطئة
في خضمّ جدلٍ محتدم مع زميل لي بمنظمة اليونيسكو، كاد النقاش ـ حول سؤال ’’ من يدبر التعليم ’’ـ أن ينزلق إلى ثنائيةٍ مُضلِّلة: دولةٌ مُحتكِرة أو سوقٌ مُطلَقة. والحقيقة أنّ الخطر لا يكمن في التعدّد بحدّ ذاته، بل في انفلات المعنى حين يتسلّل منطق السوق إلى مجالٍ صُمّم أصلًا لبناء الإنسان، هكذا أعدت تأطير النقاش لينهج المسار السليم.
إن التعليم ليس خدمةً كسائر الخدمات، بل هو فضاءُ تشكُّل الوعي، ومختبرُ العلاقة بين الفرد والدولة. كما أن التفريط فيه ليس تفريطًا في “مرفق”، بل في بنية المواطنة. لذلك تبقى مسؤولية الدولة فيه سيادية تتعلق بحماية الحق وضبط المعايير وصون الأفق القيمي.
لا أحد يُنكر أدوارًا تكميلية للتعليم الخاص. لكن الإشكال يبدأ حين يُختزل النقاش في معادلةٍ مُضلِّلة: الدفع مقابل الجودة. فيختلط عندها السعر بالقيمة.
يبدو أن الواقع أكثر تعقيدًا، حيث إن الدفع لا يضمن الجودة دائمًا؛ كما أنّ عدم الدفع لا يعني بالضرورة ضعفًا.
والخطر كل الخطر هو ترسيخ الوهم الاجتماعي بأن الجودة تُشترى، وأن الارتقاء رهين القدرة على الدفع.
لقد انقلبت الآية في الوعي العام، حيث كان المرجع تاريخيًا تعليمًا عموميًا مجانيًا يموله المواطن عبر الضرائب، بوصفه ضامنًا للجدارة وتكافؤ الفرص. أمّا حين يُصبح “المجاني” مرادفًا لـ“الأدنى”، فإننا لا نُغيّر تمثّلًا فقط، بل نُعيد تشكيل سُلّم القيم.
الأخطر أن هذا الانزلاق يُنتج لا مساواة مُقنّعة قوامها انتقائيةٌ اجتماعية واستنزافٌ للكفاءات من العمومي واختزالٌ للجودة في مظاهر (لغات، تجهيزات) بدل العمق البيداغوجي. ولا زال المواطن يدفع الضرائب لتوفير خدمات التربية والتعليم في المستوى الذي يبتغيه ويرتضيه.
إن المبتغى ليس المطالبة باحتكار بيروقراطي، ولا بانسحاب لصالح السوق، بل المطلوب دولةٌ ضامنة للتوازن؛ دولة تُعيد للمدرسة العمومية موقع المرجعية لا موقع الاضطرار، تُؤطّر الخاص بشروطٍ صارمة تحمي المعنى قبل الربح، تحمي الموارد البشرية من الاستنزاف غير المنظم وتُخضع الجميع لمعايير جودة ومساءلة فعلية لا شكلية. إنها دعوة ل “توحيد الأفق القيمي”: كيف؟
صحيح أن الدعوة إلى “توحيد الأفق القيمي” كثيرًا ما تبقى عامة، ليبقى السؤال المشروع هو كيف نُفعِّلها عمليًا؟
إنني أبعد من الزعم بأنني أقترح هنا وصفةً جاهزة، بل سُلّم إجراءات أعتبرها متكاملة ومتّسقة:
– مواءمة المناهج مع الخطاب العمومي (الإعلام، الخطاب السياسي، الممارسات الإدارية) ، فلا جدوى من تدريس النزاهة مع تسامحٍ مؤسسي مع عكسها.
– حَكامة القيم داخل المدرسة من خلال تحويل القيم إلى ممارسات يومية قابلة للملاحظة والتقويم (نزاهة التقييم، عدالة المعاملة، تكافؤ الفرص داخل المؤسسة).
– تأهيل المعلّم بوصفه وسيطًا قيميًا بتوفير وإلزامية التكوين الأساس والمستمر لا في الديداكتيك فقط، بل في قيادة الصفّ أخلاقيًا، وإدارة التنوّع، وبناء الثقة.
– مؤشرات قياس غير معرفية عبر إدماج مؤشرات للسلوك المدني والعمل الجماعي والمسؤولية، ضمن أنظمة التقييم المؤسسي.
– شراكات ذكية مع الفضاءات المكمّلة من الأسرة والإعلام والفضاء الرقمي. كل ذلك ضمن تعاقدٍ واضح يحدّ من التناقض بين ما يُدرَّس وما يُمارَس.
– استقلالية التقييم والمساءلة عبر إحداث أو تفعيل هيئات تقييم مستقلة ونشر نتائج دورية بكل شفافية مع ربطها بتحفيزات/تصحيحات ملموسة.
هذه ليست “وصفة سحرية”، لكنها تُحوّل الشعار إلى بنية تشغيلية قابلة للتتبع. فتجربة الصين مثلا تظهر أن الدولة تتدخّل بحزم عندما يهدد السوق العدالة التربوية، خصوصًا فيما يتصل بالصناعات الموازية للتعليم. ليست العبرة في النقل الحرفي بطبيعة الحال، بل في جرأة التنظيم حين ينفلت المعنى.
فأي مدرسة نريد؟ السؤال ليس: أفراد أم مواطنون؟ بل: مواطنون قادرون على الإبداع والخلق، لا مجرد مستهلكين لواقع ساكن.
مدرسةٌ تُعلّم التفكير النقدي لا الحفظ فقط؛ تعلم المبادرة لا الامتثال الأعمى، تعلم القدرة على التعلم مدى الحياة لا الاكتفاء بالشهادة.
إننا بحاجة إلى تعاقد تربوي متوازن، عمومي قوي: قاعدة العدالة والمرجعية؛ خاص مُؤطَّر: مُكمّل لا بديل؛ دولة ضامنة: حارسة الجودة ومهندسة الأفق.
عود على بدء
حين نُسوّي بين السعر والقيمة، نُقوّض معنى الاستحقاق.
وحين تستعيد الدولة دورها كضامنٍ للتوازن، فإنها لا تدافع عن قطاع، بل عن فكرة المجتمع.
ليبقى السؤال المطروح هو:
هل نملك الجرأة لنُعيد ترتيب الأولويات حيث تكون الجودة حقًا مُتاحًا، لا امتيازًا يتم ابتياعه؟