“البحث في مرافق الذكرى لترسيخ الهوية الأمازيغية”

بقلم: الأديبة المغربية مالكة عسال

قراءة في ديوان رائحة عريقة للشاعرة الأمازيغية لخديجة يكن

مقدمة

وصلني الديوان الأنيق بعنوان “رائحة عريقة” للمبدعة الأمازيغية خديجة يكن وهو من الحجم الصغير يضم حوالي 40 قصيدة شعرية باللغة العربية مترجمة إلى الأمازيغية من قبل المؤلفة، حيث الترجمة ترفل في حروف فرنسية، والأضمومة تنسرح على 117 صفحة.. وقبل أن أفصل فيه بإطلالتي المتواضعة، شدني بقوة تلاقح اللغات الثلاث العربية والأمازيغية والفرنسية وانصهار بعضها ببعض، لخلق لوحات شعرية في شلال سحري دافق، ولم تمهلني اللحظات لألامس العتبة النصية كما يليق بها، بل على التو توغلت في النصوص.. ولكن تداركت الأمر لألقي نظرة خاطفة على اللوحة الواقعية المأخوذة لنبتة عريقة اسمها الخزامى، وما تفوح به من طيب رائحة، حيث امتصت الشاعرة هذا المشهد عبر مخيلتها، لترمز إلى رائحة الأسلاف العريقة التي تشبه رائحة الخزامى، لتعبر بالواضح على ذوبان الشاعرة في عروق الأجداد، والتشبث بوشائج متينة ومتماسكة بهم؛ وهذا ما سنجده في مجمل نصوص الديوان الذي تعددت مواضيعه، رغم أنها تصب كلها في بوتقة واحدة وهو الحب الكبير للوطن …

1ـ العشق الصوفي للوطن

الذات الشاعرة تُبحر في مرافق الذكرى بين طيات القبائل الأمازيغية المتربعة على القمم الجبلية ،وسفوحها العطرة، تتنسم في عروقها رائحة الأجداد، منجرّة بأشواق حارة نحو طبيعة أخاذة بسيولها السلسبيل؛ عاطفة متأججة تتفجر وطنية ووفاء للوطن وأبنائه، وما يتصفون به من قيم نبيلة، معتمدة ضمير المخاطب “ال ــ أنت” الذي تكن له الذات الشاعرة كل تقدير، وتود أن تحلق معه في مفازات الكون، تغور في أعماق كائناته تؤثث لما هو جميل، وهذا “ال ــ أنت” ليس إلا حرف الشعر الذي ركبت مبدعتنا خديجة يكن صهوته لتحلق على جناحيه في العالي، ليس التحليق بالمفهوم المعتاد /الطيران ،وإنما التحليق برؤى وتأملات عميقة في خلد النفس، وما يربكها من تناقضات كبّدها شرخ  يعسر رتقه.. ثم تعود الذات المبدعة إلى الواقع باحثة في شقوقه عن الجذور الأصيلة /الأصلية /العريقة /النواة الأولى: نوع من التيه اجتاح الذات الشاعرة من خلال أسرار مبهمة وأوضاع ملتبسة، لم تجد معه حلاّ لألغازها المعقّدة،.. فالمبدعة خديجة يكن عاشقة لوطنها حتى النخاع، وتتلمظ من الاحتراق إزاء المناطق المعزولة التي تتلظى بحريق الإقصاء والتهميش، حيث تقتصر شروط العيش على بعض الضروريات غير كافية، فتتألم لآلام أهلها، وتتقاسم معهم قسوة العيش في هذه البقاع النائية …

أبدو غريبة

وسط الطبيعة الصامتة

غريبة

أمام هذا الجسد الضخم.. (ص: 116)

2ـ التحليق في مناخات الوطن

تراها على تلّ الخلوة تتأمل الوطن رقعة رقعة، منشَدّة إلى رونق هضابه، ولألأة مياهه وعذوبة مناظره ومتعة هدوئه، فهي كالطائر الرخ تحلق في فضاءاته بعشق، وكأنها عالم جغرافي يحاول دراسة أعشابه  البرية وتربتها الخصبة وصخورها الصلبة، تنقر المساحات الأمازيغية منطقة منطقة بأسمائها ومكوناتها الطبيعية، تتغنى بجمالها وتَرثي الذابل منها وتنصهر في عشق صوفي بأهلها، وهذا يدل باختصار شديد على ما تتصف به الذات المبدعة من خصال حميدة تتلخص في الوطنية الجامحة، والمحبة والود وحب الخير للمواطنين، وهذا ليس بغريب على ذات محملة بمشاعر رقيقة، وقلب رهيف، وإحساس بليغ وروح طيبة، تشحذ حرفها في البعد الإنساني والطبيعي، واللذين كانا مهمازا لدَقّ ناقوس الشعر لدى شاعرتنا خديجة يكن في أسمى تجلياته .

فنسجت بعطره

عقودا من أشعار

أبعثها للعالم

واحدة واحدة.. (ص: 106)

رغم عيش الشاعرة في الحاضرة التي تعج بزعيق السيارات وفحيح الدراجات، وأزيز الحافلات، وصرير القطارات، وصخب المارة ،وأجراس الشاحنات، فهي لم تتعلق بالحاضرة، بقدر تشبثها بالمناطق الطبيعية من الوطن التي تزينها قلائد من التلال والجبال، وصفائح من السهول والهضاب، وسلاسل من الأودية والأنهار، ولا أدل على ذلك من معجمها الغزير بهذه المصطلحات: الصحراء /الرمال /الجداول /الهضاب /الأودية /التلال /المراعي /العيون /العصافير /الحقول /الأعشاب البرية /النسيم /ثمار الليمون /التراب /الحصى /الثلوج /القمم /الرياح /الرمان /العرعر/… التي تُكَرّر بنفس الشوق والحماس في أغلب النصوص، وذلك لأمرين اثنين لا ثالث لهما:

ـ أولا: الذات الشاعرة تتنسم فيها ريح الأجداد /الأصل الأمازيغي العريق القح، الخالص من كل الشوائب لترسيخ الهوية كنبع أول لوجودها، ومَن مِنا لا يعترف أن الأمازيغ هم سكان المغرب الأولون المنحدرون من أبناء ما زغ …

ـ والثاني: هذه المناطق شكلت مادة دسمة لقلم الشاعرة خديجة يكن فهي تغرف من منابعها الثرة حمولتها الشعرية المؤجِّجة للقريحة ..

3ـ الحلم والتيه

انطلاقا من تأمل الذات الشاعرة للواقع، وحيثياته، والتفرس بدقة في أصوله وأجزائه، وما انقلب عليه من حال اليوم، تلبَس عباءة التحدي لشجب النمطي والإقليمي الذين يُعليان من شأن البعض، ويُلقيان بالآخر  في قنوات التهميش، وعلى غرار ذلك فالذات الشاعرة تربط الحاضر بالماضي، لاكتساح الأشواك من الطريق لتعلن كينونتها رغم أنف الفوارق المفتعلة، وهذه صيحة نضالية تتلبس رؤية إنسانية من أجل الحرية، والعيش بالكرامة وكافة الحقوق الإنسانية، ليعيش الإنسان في كل بقعة من هذه الأرض الطيبة، على قدم المساواة دون تفرقة  بين هذا وذاك …

تتحدى أشواك البؤس

بقلب المؤمن

تتحدى خطواتي

وأنسج بقلاعي القديمة

نشيد البقاء.. (ص:87)

صمود قوي للقفز على النتوءات والاضطرابات المربكة لتأسيس قلعة البقاء والانتماء في نفس الوقت إلى عروق الأصالة، ونفحة الجذور، ارتباط وثيق بالتراث /بالسالف /حيث كان المجد شامخا، والنخوة في أبهاها ..

ومَن منا لا يحلم ويأمل ويتمنى ويحاول التغيير من حسن إلى أحسن بكل الوسائل المادية والمعنوية ليعيش بكرامة وحقوق مشروعة.. وفي غياب الآليات لتحقيق الحلم، وهيمنة الزمن الأغبر الذي تشابكت فيه كل الطرق تاهت معه الذات الشاعرة عن أيهما يفضي إلى المرفأ الوضيء، فتعب التفكير وامتلأ الخاطر وتكبلت الروح وتلاشى الهدف وكبر السؤال وتاهت الخطى، والتيه والاهتزاز لم يكن إلا في النفس، وما انطلت به الروح الشاعرة من تأزم فادح …

4ـ الارتباط بالهوية

الشاعرة خديجة يكن دفعها الإحساس الحارق بالانتماء ،وكأنها تخشى خطفه من القراصنة، أو قطاع الطرق فتتشبث بالهوية  بكل إخلاص خوفا عليها من الاندثار أو التلاشي، فيضيع معه الانتماء، فهي متأكدة من أن ثبوت هذين العنصرين الهوية والانتماء لن يكتملا أو يتحققا إلا بثلاث: الوطن واللغة والدين، والذات الشاعرة توافي هذه الأركان حقها، فتعبر عن حبها وعشقها لهما، وتُدني جناح الإخلاص لهما حد التضحية؛ فتبحث  في عمق الذاكرة عن ثوابت وجذور من خلال  ترسبات وراثية، وتراكمات ثقافية  للإمساك بخيط رابط لتكريس الانتماء، والحفاظ على الهوية، والدافع الأسمى لذلك، هو الإحساس بأخطار تهدّدهما، إما عن طريق الإقصاء والتهميش أو عدوان ما ..

لو انا بحثت فيك

عن جذور الأزمنة

عن أسرارك العميقة

في تجاعيد وديانك

ترى لو بحثت

فهل سأجد فيك اثرا.. (ص: 118)

وهذا هو السر في غيض من فيض الشاعر الكبير محمود درويش إخلاصا لفلسطين للحفاظ على الانتماء، وعلى نفس الدرب سار غيره من شعراء الهوية، الذي أحسوا بالظلم والإجحاف، أو عدوان قد يهدد أنسابهم وهوياتهم وانتماءاتهم في مناطق أخرى …

باختصار شديد فما تفضلت به شاعرنا يدل على سمك الارتباط، ومتانة التشبث بمعاني الهوية، وتعتز بهما، وتفتخر بما غرسه الأجداد فيها من مبادئ فولاذية أصيلة لا تعصف بها ريح، ولا يحطمها إعصار مهما كانت قوته، تتعالى عمّن يبيع عرضه وشرفه بقطرات من المال، ولا تُجاوِر مَن يسيل لعابه للتسلق على حساب الآخر من أجل منصب أو كرسي ..

فالذات الشاعرة نزيهة في إبداعها وسلوكها، لها جلالها من الكبرياء وعزة النفس، لا يجبرها أي قرار للخنوع مقابل الدوس على الحرية والكرامة، وهذا ليس بالأمر الهين على مبدع إن لم يكن متشبعا بالقيم النبيلة، متشربا بثقافة الأجداد بحِكَمها وأمثالها النيرة، وله نظرة عميقة للكون والحياة …

5ـ التأمل الوجودي

ومن العراقة والأمل في الجذور والماضي البعيد، تعود الذات الشاعرة أدراجها، لتتأمل الوجود وتحدد موقعها، والمحيط بها، وما يعج به من تحولات الكائنات على صرح الحياة، حيث تتنامى وتتكاثر وتنمو وتينع، ولكن في النهاية يعصف بها الموت، لتؤكد أن أجيالا وأجيالا مرت من هنا بنفس الطريقة، وهذا التأمل الوجودي لم يكن مائدة الشعراء فحسب، بل وكان للفلاسفة والأطباء والعلماء أيضا دورا كبيرا فيه حيث أفاض البعض في ثيماته، وخلخل موضوعُه البعضَ الآخر الذين هيأوا مختبراتهم، وكثفوا بحوثهم من أجل الاهتداء إلى حل.. وما نتائج استنساخ “نعجة دولي” إلا واحدة من الإجابات على إشكاليات الموت الرهيبة والمبهمة.. فشاعرتنا خديجة يكن تلبست هذه المعضلة، وخصصت لها حيزا شعريا محترما ومكانة لا تُحسَد عليها …

أنا كل الطيور التي طارت

من بدء الوجود.. إلى الأبد

أنا كل ورقة

يبست ثم اخضرت

من بدء الوجو.. (ص: 81)

على سبيل الختم

من خلال ما تقدم فديوان خديجة يكن “رائحة عريقة” فلو بحجم الكف، فهو بثقل شاحنة ليس من باب الحجم والكتلة، وإنما من حيث المعنى والدلالة، التي عرفت الشاعرة كيف تمتص أحقاب الوقت بإيقاعاته بأزماته، بمعضلاته، في توقيع شعري متميز سلس، ولغة شفافة سهلة القبض، وأسلوب لين وكلمات مشحونة بالعمق، والدلالة، لتؤثث صرحها الشعري بالفرادة والتميز

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد