بقلم فاطمة الزهراء صلاح/ كاتبة مغربية
تبتسم ثم تتأوه جروحك، وأنا أتخيلك ترجعين بي من مدينة الغزوات الجزائرية إلى مدينة وجدة المغربية، على بعد ستين كيلومترا فقط من الحدود.
كأنك ذهبت للنزهة، هربا من رجال القبيلة، ثم رجعت في سر مكتوم وأنت خائفة من سيوفهم. بين يديك رضيعة مغمضة العينين، تمثل شهادة إثبات لزواج مبتور وكأنك زنيت فأبيح دمك.. كنت أبكي كجميع حديثي الولادة، الذين تركوا عش الرحم الدافئ لمواجهة حياة وظروف فرضت عليهم دون اختيار.
كان لبكائي نغمة أخرى، كأني كنت أشاطرك حزنك دون أن تشعري. أحسست بحرارة دموعك، فأنت ما زلت عروس الحدود، وها أنت تحملين خيبتك، ترجعين من حيث أتيت وأنت في حالة عزاء للنفس.
أخبرني حليبك الدافئ، المتدفق من ثدييك، أنه أصابك مصاب جلل، شعرت بمغص شديد في الأمعاء، طال ولم ينته، مع سيلان أخضر ممزوج بدم قاتم.. أخذتني جدتي من بين يديك وأرضعتني من ثدييها وهما تتدفقان حليبا. لم يكن فرق سنين العمر كبيرا بينكما.
كانت هي كذلك حديثة الولادة، خففت من ألمي ووحدتي، من يومها أصبحت أخت خالي بالرضاع الذي لا يكبرني إلا ببضعة أشهر! نحن الاثنان نشرب حليبك وحليب أمك، في غيابك أو انشغالك بتنظيف البيت. ترعرعنا بين شابتين يا نعتين: أمي وجدتي، أمضينا طفولتنا في الحب وفي الخصام، تابعنا دراستنا وكأنها مباراة حول التفوق، برعت في الطبخ وتنظيف المنزل، حلم البيت كله بي كسيدة بيت حاذقة على جميع المستويات لأسعد رب بيت المستقبل، أصبحت ملكة الطبخ والنفخ مثل نساء البيت، كان إرثا جميلا، كنت “الكرزة” على “التورتة ” لكن الدراسة شغلت بالي أكثر.
ترعرعنا ونحن نناديك في البيت “يا أختي. ” كبر واختبأ حنين نداء ” أمي” بداخلي في صمت رهيب لا ينطق أبدا،لم أناديِك أبدا ” أمي “، كنت أنادي جدتي “أمي .”لا زال ضجيج النداء الصامت يسكنني، أتبع في الشارع الطفل الصغير وهو ينطق ” أمي – ماما ” لأتلذذ بسماعها لعلها تسد ذاك الفراغ بداخلي.
فهل يا ترى عوضتك جدتي؟ بيت ليس بيتي وأني ” فم ” زائد وجب إطعامه على طاولة الأكل، وسط ضيق المكان.
تصورت نفسي “دمالة” مقيحة صارخة على قمة الأنف، تفسد المنظر والوجود. فماذا فعلتَ، يا واسع العينين، بزوجة مراهقة وبرضيعة في أسبوعها الأول حين ” بتي ما صبحتي؟ ” هل جال اختفائه في بالك يوما ؟ ماذا حل بنا؟ بعد اختفائك المفاجئ، وغيابك المخطط له دون وداع!
أطيل النظر إلى شرف الحدود وهو يؤكد :لغتك المباشرة، يا فاطم الزهور ،راهنت على الوظيفة الإخبارية قبل الفنية . ولعل في ذلك انحيازاً للرؤية التي تؤمن بأقصرالطرق إلى المستمع… بدلتيها للغة الاستعارية ودهاليزها الدلالية، واستغلال مساحات الكتابة في مزيد من الأحداث والحوارات عوضا لوصف الجماليّ الذي يشبه عند البعض علب التلفيف .. حجمه كبير وفائدته قليلة ..
لماذا اخترت اللهجة المستعملة في أغلب المقاطع.. لهجة جريئة ممعنة في البوح بجزئيات دالة كثيرة ، تنبش في المسكوت عنه عبر شفافية حديث يغوص في الحميمية قولا وسلوكا،
يا فاطم الزهور ، شخوصك متخيلة حقيقة لكنها تشبه الكثير في البنية الفوقية المكبلة بالفكرالتقليدي وفي بنيتها التحتية التي تتأرجح بين المستويين الاجتماعيين الفقير والمتوسط.
وقليل من الحب يكفي