المناصفة على الطريقة المغربية

بقلم الأستاذة حنان قصبي

طالبت مذكرة “الحركة من أجل ديمقراطية المناصفة” سنة 2011، بخصوص التعديلات الدستورية آنذاك “بجعل الفقه الدستوري أداة للوصول المتساوي إلى الموارد والعوائد والسلط والخدمات الأساسية للرجال والنساء (…) مع اتخاذ تدابير قادرة على توسيع فرص استفادة النساء باعتبارهن الجنس الأقل استفادة”.

ولعل غرابة هذا المطلب هو كونه يأتي بعد خوض الحركة النسائية المغربية نضالات مكثفة، وطويلة المدى، وفي جميع الجبهات، وعلى امتداد عدة عقود، من أجل انتزاع حقوق النساء في جميع المجالات (المجال السياسي، ومجال الشغل، والأحوال الشخصية…). فالمرأة المغربية حصلت على الحق في التصويت والترشيح سنة 1963، وانـتُـخِـبت أولُ امرأة في البرلمان المغربي سنة 1993، كما أن دستور سنة 1992 هو الذي نص في ديباجته على تشبث المغرب بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها دوليا، ثم جاء إصلاح مدونة الأسرة سنة 2004 والذي سيعتبر قفزة هامة بالمقارنة مع صيغة مدونة الأحوال الشخصية التي صاغتها القوى المحافظة بزعامة علال الفاسي سنة 1958.

وجدتِ المناصفةُ سندا دستوريا وقانونيا لها في دستور 2011 (الفصل 6، والفصل 19)، وفي القانون التنظيمي للأحزاب (الفصل 26 على وجه الخصوص). بالإضافة إلى السند الحقوقي المتمثل في المواثيق الدولية التي صادق عليها المغرب. لكن المشكل الذي يطرح هنا هو: هل مآل الزخم النضالي النسائي الذي تجسد على امتداد عدة عقود هو المناصفة؟ وهل يمكن الثقة في دولة لا يمكن اعتبارها ديمقراطية ؟

إذا كانت المناصفة إجراء دستوريا وقانونيا تشرف عليه الدولة وتضمنه، فإن هذه الدولة يجب أن تتوفر على ما يجعلها تقوم بهذه المهمة. ولا يمكن لدولة متهمة بانتهاك القانون وبعدم احترام حقوق الإنسان أن تكون وفية لعهودها في هذا الملف. ولا يمكن فهم هذا الوضع إلا بفهم طبيعة النظام السياسي المغربي.

تقول الباحثة منية بناني شرايبي أن الحياة السياسية بالمغرب “تتسم بظاهرتين هما: أحزاب متنافسة على مراكمة الولايات الانتخابية والحكومية، وأحزاب تقاطع الانتخابات”، وتضيف أن الساحة السياسية المغربية تنقسم إلى: أ) بنية سياسية مُمَأسسة ب) وفضاء احتجاجي وسياسة خارج الأطر التقليدية. كما تميز بين” أحزاب المناضلين وأحزاب الوجهاء”. وتؤكد على “أن المشهد الحزبي لا يعكس البنية المجتمعية حيث أن الأحزاب يهيمن عليها الحضريون والرجال والكهول وأصحاب الشهادات والإطارات العليا والمتوسطة والمشغلين في القطاع العام” لتخلص إلى “ضعف الحضور النسائي داخل الأحزاب على الرغم من الفصل 26 من قانون الأحزاب السياسية”.

فإذا كانت الدولة محافظة وهاضمة لحقوق المرأة فإن الأحزاب والنقابات تسيطر عليها الذهنية الذكورية. شهد حضور المرأة منذ التسعينيات ارتفاعا ملحوظا في الأجهزة القيادية للأحزاب المغربية، تُـوِجَ سنة 2005 بقانون الأحزاب الذي فرض عليها التنصيص في قوانينها على نسبة المرأة داخل أجهزتها. أما النقابات فوضع المرأة في أجهزتها أسوأ وأضعف. وعلى سبيل المثال: فإن عدد النساء المنخرطات في أعرق نقابة عمالية مغربية، الاتحاد المغربي للشغل، حسب إحصائيات 2006، بلغ 57600 امرأة من بين 320000 منخرط، أي بنسبة 12% من مجموع المنخرطين.

لكن حضور النساء بنسبة مهمة في قيادة الأحزاب والنقابات لا يدل دائما على فعاليتهن وتمثيلهن للنساء ولقضاياهن. فحزب الاستقلال مثلا الذي يعتبر حزبا محافظا وتقليديا، كان أول حزب مغربي وصلت فيه المرأة لمراكز قيادية بنسبة 10% سنة 1982 دون أن يعني ذلك أن إيديولوجية الحزب تضمن دفاعا عن حقوق المرأة.

وفيما يخص نسبة تمثيلية النساء في أجهزة الأحزاب، اختارت بعضها نسبة أقل من الثلث، وتبنى بعضها الآخر الثلث المنصوص عليه في القانون التنظيمي للأحزاب في المادة 26. وتبقى المناصفة سواء في الأجهزة الحزبية والنقابية أو في أجهزة الدولة أفقا بعيد المدى وصعب المنال. وهذا ما تدل عليه نسب حضور المرأة في الأجهزة القيادية للأحزاب (المرجع: تعزيز دور الأحزاب والنقابات في النهوض بالمشاركة السياسية والعامة للنساء، إعداد سهام النجارـ وريم الحلواس غربال، 2014.):

– حزب الاستقلال: خصص 30% من بين 100 عضو ينتخبهم المجلس الوطني لتشكيل اللجنة المركزية.

– حزب التجمع الوطني للأحرار: بلغ تمثيل النساء في المكتب السياسي 28,57%

– حزب الحركة الشعبية: لم تتجاوز نسبة تمثيلية النساء في قيادته 13,63%

– حزب الأصالة والمعاصرة: بلغت تمثيلية النساء في المكتبة السياسي 35,71% (تجاوز الحزب النسبة المطلوبة قانونيا وهي الثلث).

– الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية: بلغت تمثيلية النساء في المكتب السياسي 34,37% (تجاوز الحزب النسبة المطلوبة قانوينا وهي الثلث).

إن قلق المصطلح، والانتقال من النضال السياسي على أسس الكونية إلى الإصلاح القانوني على أساس تكريس دور الدولة، وتخبط الأحزاب والنقابات في تمثيلية شكلية لا تعبر فعلا عن مضمون البعد النضالي الحداثي للحركة النسائية من جهة، وتجاهلها لمطالب النساء من جهة أخرى، وعدم احترام الدولة لما أقرته وأنجزته، بسبب غياب آليات للمتابعة والزجر، وفرض تطبيق المحتوى الدستوري ومضامين القوانين المتعلقة بالمناصفة، كل ذلك يجعل من مبدأ المناصفة كآلية للمشاركة السياسية وسيلة هشة وأداة غير فعالة وآلية قد ترتد ضد النساء أنفسهن بالرغم من أنها الحل الأكثر لمعانا الآن والأكثر واقعية وبراغماتية.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد