حركة 20 فبراير: المخزن ومعاداة السياسة اللامفكر فيه في الإصلاحات بالمغرب (1/2)

بقلم: بياتريس هيبو

ترجمة: حسن بيقي

ليست الحركة الاجتماعية في المغرب وليدة 2011، بل كان امتدادها وانتشارها منذ سنوات عدة في أشكال متنوعة (اعتصام المعطلين حاملي الشهادات، إضرابات وتظاهرات الحركة النقابية، احتجاج ضد غلاء المعيشة، حركة النساء السلاليات، المطالبة بحقوق خاصة أو الاحتجاج ضد أصحاب الامتياز في الخدمات العمومية)، دون أن يصل الأمر إلى حد الاحتجاج ضد الملكية، لا بالأمس ولا اليوم. وبالرغم من ذلك، لا ينبغي أن نساير أطروحة الاستثناء المغربي. ف”الربيع العربي” أحدث ارتجاجا كبيرا في المغرب وكان تأثير وقائع تونس ومصر عليه حقيقيا؛ تجلى ذلك التأثير بالأساس في تعميم المطالب وتعزيز شرعيتها، سيما وأنه أتاح للشعب فرصة انتشار انتقادات كانت، حتى ذلك الوقت، تثار بشكل محتشم أو محصورة في دائرة نخبوية مميزة. لقد رفعت حركة 20 فبراير عتبة انتقاد الفساد المستفحل على نطاق شامل ومنظم؛ وكثفت مطالبها من أجل عدالة اجتماعية وولوج حقيقي لمجالي التربية والصحة وإحقاق العدالة؛ كما عبرت عن أشكال الإحباط بشأن الإمكانيات الحقيقية للاندماج، والحصول على الشغل وحياة الرفاه. بل مكنت الحركة من القيام بالاحتجاج في مواقع لم يكن من الممكن التفكير فيها من قبل، كاحتجاج صحفيي وكالة المغرب العربي للأنباء، علما أنها وكالة صحافية رسمية بالمملكة، وامتناعها عن مزاولة وظائف دعائية، فضلا عن تصريح لصحفيي الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة بتعجيل رحيل رئيسهم القوي وإطلاق مبادرات كان من العسير التعبير عنها، كمبادرة إنشاء حلقة الصحافيين المستقلين. هكذا تكون “حركة 20 فبراير” قد أتاحت التعبير عن إحساس معمم بالإذلال، عن حياة يومية غاصة بالمحسوبية والامتيازات، عن تسهيلات ممنوحة لذوي الحظوة، عن تحرشات ومضايقات، عن انسداد أفق الترقي الاجتماعي، وعن عراقيل تعترض غالبية الناس في فرض احترام حقوقهم.

إن ما جعل هذا الوضع يتغير ويتميز مقارنة مع أوضاع تسلطية أخرى في “العالم العربي”، هو أننا لسنا أمام نظام متصلب وشائخ. فمنذ ما يزيد عن عقد من الزمن، ما فتئت الإصلاحات مستمرة في المغرب. فمع تجربة “التناوب التوافقي” امتدت الإصلاحات – والتي اقتصرت حتى الآن على إصلاحات اقتصادية فقط- إلى ما هو سياسي وبشكل أدق إلى أنماط الحكم. فلم يكن الأمر متعلقا بعملية الدمقرطة، وإنما لإضفاء “التعددية” على علاقات السلطة وعلى العلاقات مع السلطة وبموجبها فتحت فضاءات للحرية ومنتديات للمناقشة قصد توسيع إمكانيات تدبير الصراع. إن هذه الدينامية عرفت ميزة مزدوجة في علاقة مباشرة مع التعاليم الشهيرة لحكامة شاملة. فمن جهة، كانت نتيجة تقنوقراطية استندت أساسا على الخبرة المحايدة واللاسياسة، ومن جهة أخرى، تحققت عبر تطور الوسط الجمعوي الذي تم فهمه وتفسيره كوسيط لممارسة السلطة. فبالرغم مما يفرزه الاشتغال الداخلي للجمعيات من مشكلات، ومن مراقبة شاملة لها بل ومن التعامل معها تعاملا أذاتيا، وكذلك بالرغم من كون خطاب المشاركة تقنية للهيمنة، فإن هذا التوجه قد عرف ديناميكيته الخاصة: لقد سمح بتدبير أشكال الاستياء وتسوية جزء من تلك المشكلات المادية الأساسية (الولوج إلى مياه الشرب والكهرباء، محو الأمية، التكوين، وتدبير البطالة)، بل أفضى الأمر إلى حد مطارحة قضايا سياسة كبرى. هكذا ستناط بالجمعيات والتكنوقراط زمام معالجة موضوعات حساسة جدا كالرشوة والملك العام والحكامة المحلية والمسألة الأمازيغية وإدارة التراث… وإتاحة نقاشات عمومية وإيجاد حلول معينة للتوترات، بل انبثاق مؤسسات جديدة أو ممارسات سياسية.

فبالمقارنة مع هذه التطورات الأخيرة، اقترحت حركة “20 فبراير”، مع ذلك، حدودا لهذه الدينامية من الإصلاحات. فإذا استطاعت هذه الأخيرة أن تنجح في تعطيل الطاقة المتفجرة للمطالب، فإنها لم تقدم إجابة حقيقية عن المشكلات التي رفعتها الحركة. وبهذا المعنى، يدعو “الربيع العربي” في المغرب إلى مساءلة دلالة الإصلاح ومعناه. فحول هذا الموضوع هناك مسارات للتفكير عديدة، لكن هناك في ما يبدو لي، اليوم، مساران أساسيان لا ثالث لهما.

المسار الأول يهدف إلى ربط الصلة بين الإصلاح والفاعلين فيه (الجمعيات والتكنوقراط) وما اتفق على نعته بالموقف اللاسياسي، أي رؤية سلبية أكثر جذرية للمجال السياسي من قبل السياسيين أنفسهم، هي وضعية طامحة إلى إبعاد كل ما هو معترف به كسياسة، ويود، بالتالي، أن يمنح كل الحرية للفاعلين الذين يعدون أنفسهم خارج عن المجال السياسي للاستثمار في هذا الحقل. ففي بلد كالمغرب، يتخذ الموقف اللاسياسي شكلا خاصا: الإصلاحات لا تحركها الأحزاب السياسية، بل توجه بشكل كبير جدا من قبل الملك و مستشاريه. إنهم، حقيقة، فاعلون لا سياسيين وتقنوقراط مدعومين من جمعيات تشرف على تنفيذها ضمن محاولات الاحتيال على الإدارة العمومية وعلى الأحزاب السياسية. إن هذه الإصلاحات والطريقة التي تم التفكير فيها والسهر على تنفيذها، عدلت من التمثلات السائدة عن الدولة والفضاء السياسي وبالتالي، عن عملية المشروعية. وبالفعل، ثمة “إزالة الطابع السياسي” عن الشؤون السياسية الهامة، وهو ما يوازي إحالة السياسي عن المواقع التي تعتبر “لا-مواقع”، أي تعتبر فضاءات خالية من السجالات ومن الصراعات. إن هذا التوافق حول رفض السياسي هو توافق دال، كما هو الشأن في أي مكان أخر، عن ممارسة معينة للهيمنة. إنه يحجب ويدل عن أمنية جارفة للحكام، وهي أن يحكموا بلا شعب، وأن يحكموا بلا سياسة؛ وهذا هو المعنى الذي يترجمه بشكل جيد مفهوم الحكامة. لقد ظهرت مواقع “جديدة” كما هو الشأن في صفقات الخبرة والوكالات واللجن، والتي تعتبر حلبات “جديدة” للسلطة. غير أنها ليست بالضرورة مستثمرة بفاعلين جدد بل، على العكس من ذلك، إن أغلب المواقع التي تأسست بشكل جيد – بفضل غناها المادي والبشري، المالي والاجتماعي – هي التي تغتنم بطريقة أسرع وأنجع الطاقات التي تمنحها لهم هذه الصيغ والفرص الجديدة لإعادة الانتشار. فباسم الحداثة والمستحدث الآتي، لم تتردد تلك النخب القديمة من رفض الترتيبات السالفة، بشكل ملموس، ومن عرض نفسها كتقنوقراط أو كفاعلين جمعويين. إنها إذن تشكيلة تافهة معادية للمجال السياسي، والتي تريد أن يكون نقد السياسات الماضية، وبناء “الأزمة” والأمل في بناء نظام” جديد”، يتحقق، في أغلب الأحيان، لصالح من يصرح بهذا الخطاب، دون أن يكون بالضرورة لصالح أطر سياسية وإدارية جديدة.

فبعد تجربة “التناوب التوافقي” التي اعتبرت مخيبة لآمال الناس سياسيا، حظي الخطاب السياسي الجديد، الذي بزغ في متم حكم الحسن الثاني وانفتح مع عهد محمد السادس، بامتياز على فاعلين هما: التكنوقراط والجمعيات. إن هذه الأخيرة، كونها قد فكت الارتباط عن المنافع الخاصة وشعورا منها بالخدمة العمومية والبحت عن الخير المشترك، ستكون مؤهلة لأن تتبوأ مهام تدبير المعضلات الاجتماعية، وتدفع بالسكان قدما إلى المشاركة وإسماع أصواتهم في ضوء احترام النظام الاقتصادي والسياسي المهيمن والتزام الانضباط، لأنه يفترض فيها، على وجه التدقيق، أن تكون محايدة وغير مدرجة في اللعبة السياسية. أما بالنسبة للتكنوقراط والكفاءات واللاسياسيين، فهم من ستوكل إليهم وحدهم دون غيرهم رفع التحدي الاقتصادي والاجتماعي للبلد. إنهم الأقدر على تطوير رؤية إدارية واقتصادية ملائمة لمواجهة تحديات المنافسة الدولية، إذا ما استنكفت عن تحقيق مصالح المتحزبين وعن النزاعات الضيقة. إن حركة نزع المصداقية عن الإدارة والحكومة، لكونهما متهمتان بالتحزب، والتسييس وفقدان الكفاءة، تترافق، كما هو الشأن في كثير من البلدان، مع المبالغة في قيمة البنيات التكنوقراطية والجمعوية، والتي من المفترض أن تكون موضوعية وكفأة. إن هذه السيرورة الشاملة، والتي تتغذى إلى حد كبير من خطاب نيو- ليبرالي، ستتخذ، مع ذلك، دلالة خاصة في المغرب، على اعتبار أن البنيات التكنوقراطية كانت دوما مسنودة من القصر، في حين أن الوسط الجمعوي، وعلى الرغم من استقلاليته تاريخيا إن لم نقل معارضا للسلطة المركزية، فإنه لم يكن مؤذيا في تموقعه الحالي. ففي الوقت الراهن، أصبح التكنوقراط يعينون في مناصب العمال (في الماضي كانت حكرا على الجهاز العسكري ثم بعد ذلك على الجهاز الأمني) وفي الوزارة (بالأمس كانت متروكة للسياسيين والحلفاء) وعلى رأس الشركات العمومية ووكالة الضبط… نحن نشهد هنا عمليا إعادة تفعيل خبرة متواجدة منذ القرن التاسع عشر وتم تعزيزها في عهد الاستعمار: هناك ازدواجية المؤسسات من خلال روابط مشخصنة وتطوير نظام التعيين الذي يستهدف جماعة الأعيان أو أشخاص فاقدة للعصب القبلي وعاجزة عن تحريك الدعم خارج بلاط القصر. إن تقنوقراط اليوم يظهرون بمظهر أشبه بخدام الأمس، فمطمحهم الأقصى هو تقديم الخدمة ليس إلا، لأن السلطة تتشكل وتدار في مقبع الخليفة. وعلى ذات النحو، قامت الجمعيات باكتساح الفضاء العمومي بإثارة مواضيع اعتبرت أكثر حساسية وغير متوافق عليها لكي تكون متروكة ” للسياسيين”. إن منتدى الإنصاف والمصالحة ومنتدى الوقاية من الرشوة والمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية والمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان (المجلس الوطني لحقوق الإنسان فيما بعد)، ما كانت لترى النور لولا هذه الدينامية الجمعوية؛ أضف إلى ذلك، أن الأفكار الواردة في التقرير الخمسيني ما كانت لأن تثرى إلى هذا الحد لولا مساهمة المجتمع المسمى بالمدني. يحدث هذا، كما لو أن الفاعلين السياسيين عاجزون عن تدبير الصراع والنقاش بشكل مفتوح. ومن خلال استغلال مجال اللاتسييس، فإن التكنوقراط والفاعلين الجمعويين يعطون الانطباع على أنهم يعيدون صياغة الثنائية التي زرعها المخزن إبان عهد الاستقلال والتعبير عن إرادة التمييز حيال الإدارة والحكومة. إنهم يغدون بالتالي فكرة نزع المصداقية عن المجال السياسي كما هي مجسدة في الأحزاب السياسية والبرلمان والانتخابات، مع أنها، في نهاية المطاف، غارقة في السياسة حتى النخاع. ففي ظل استمرار التشكيلة الكلاسيكية القائمة في المغرب، فإنها تساهم بجلاء في تعزيز مكانة القصر في الحياة السياسية، بل كذلك، وهذا أمر جديد، في الحياة الاقتصادية والمالية.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد