بقلم: محمد الطالبي
ترجمة: حسن بيقي
هناك ضربان من العلمانية: علمانية على النمط الفرنسي الموسومة بالتقييد المفرط للحريات، حيث تتوخى صب الناس في قالب المذهب القائم على الدولة المركزية، وعلمانية على النمط الإنكليزي أو على النمط الألماني تسمح مع ذلك للخصوصيات بأن يسلط الضوء عليها دون اقتراف عدوانية ولا إلحاق أذى بالآخرين. بالنسبة إلى آمل بإنسانية تمكن الإنسان من أن ينفتح انفتاحا كاملا خاليا من أي شكل من أشكال القمع. لهذا لابد أن يتفاهم كافة الناس على ضرورة قبول الاختلافات القائمة بينهم على نحو متبادل.
يحتاج المجتمع الدنيوي إلى قوانين تتيح له العيش في وئام قدر الإمكان في ظل تعايش أخوي وتنوع لكافة أعضائه. كما يتوجب منه كذلك سن قوانين ديمقراطية قدر الإمكان من قبل برلمانيين، والتي من شأنها أن تتيح إدارة الحكم بكيفية سليمة دون قمع لأحد. طبعا، يمكن أن نفاجأ بمعضلات تطفو على سطح مجتمعاتنا. لنفكر مثلا في مشكلة الوقف الطوعي للحمل أو في مشكلة الطلاق (…). نجد أن الأمر لا يتعلق حقا بمشكلة الدين بل بالمجتمع. المؤمن ليس مجبرا دينيا على الطلاق، فلا أحد يكرهه على فعل ذلك، مثلما يستطيع أن يحيا وفق معتقداته الدينية، لكن دون ابتغاء فرضها على الآخرين. إذا كان الأمر كذلك، سيكون على القانون أن يتكفل بإتاحة لأي شخص أن يعيش وفق أفكاره ومعتقداته. فبفضل أسلوب النقاش يفضي بالمرء إلى تعايش كافة مكونات المجتمع، حيث يجوز لكل واحد أن يعيش وفق قناعاته دون إلحاق الضرر بالآخرين. كل هذه الأمور يمكن أن تتحقق دفعة واحدة بفضل إعادة قراءة النص الديني من قبل أولئك من ترسخ الإيمان في أفئدتهم وباعتماد على تشريعات ملائمة.
إن كل القراءات هي مشروعة في إطار حرية التعبير المكفولة لكل شخص. وبالتالي ليس هناك من مسوغ يحول دون اقتراح قراءتي الخاصة، خصوصا أنني إنسان راسخ الإيمان وشاعر بانجذاب للنص القرآني. بالنسبة لقراءتي، أرى أن النص لا يتخذ فقط بعدا تاريخيا بل كذلك بعدا ترانسندنتاليا. وبالتالي، فإن الله يكلمني هنا والآن. ومن ثمة ينبغي على أن أجيب على قضايا تطرح نفسها هنا والآن باستقصاء عن إشراق رباني. إن هذه القراءة تجلب لنفسي انسجاما معينا تمكنني بأن أحيا حياة خالية من أي تمزق داخلي ويشعرني برضا تام بزمني. فلربما أعتقد أن ما هو مهم بالنسبة إلى قد يكون كذلك عند الآخرين. وعليه، فإني أرى أنه من واجبي أيضا إخبار الآخرين بما يجول في ذهني، فلا يحق لي أن أتصنع اللامبالاة، بما إني أمقت الخمول باعتباره سبب موت المجتمعات وموت الحوارات، وراحة أنانية للخامل. فضلا على أن القرآن أمرني بتجنب الخمول بقوله: “وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا “(الآية 143 من سورة البقرة).
لهذا السبب يعتبر التوافق أمرا ضروريا لكونه يسمح لوحده بتبني قواعد من شأنها أن تأذن لنا بالعيش المشترك. لكن من غير الممكن أن يحدث هذا إلا إذا توفرت نخبة كافية من المفكرين قادرين على إنجاز جملة مقترحات تفضي بهم إلى توافق من شأنه أن يسهم في خوض غمار العملية السياسية. بيد أن ما نراه في بلداننا، مع كامل الأسف، هو أن المجال السياسي يتم صناعة قراراته بأوامر عليا. لابد من سياسة نابعة من القاعدة عوض أن تكون سياسة صادرة من أجهزة فوقية. إن إحداث هذا القلب السياسي منوط بتحقيق مجتمع واع، ولكي يصير كذلك يتطلب وجود نقاش حيوي فعال داخله. لهذا السبب، أود أن أظل في تعالق منفتح مع الآخرين مع شعوري التام بأن من واجبي أن أبوح بما يخالج داخلي بغية إخراج في نهاية المطاف مجتمعاتنا من هذه الوضعية التصارعية، وضعية أفضت بعموم الناس إما بإلجامهم عن الكلام أو الدفع بهم نحو تمرد محمول بقنابل موقوتة في الأيادي.
لقد كان الفكر، لأمد طويل، مكبلا في الميدان الديني، على اعتبار أن الناس كانوا يعتقدون بأن ليس لديهم شرعية ضرورية للتدخل في شؤونه. هكذا أفضت الأمور إلى تكلس القوانين وتحجر المذاهب الدينية بالعمل على بترها كليا عن انشغالات المجتمع.
أجل، كانت هذه الأمور في البداية سائرة على هذا النحو. غير أن حلحلة هذا الوضع المتحجر لابد أن تصير كافة المجالات المعرفية رهن إشارتنا. وهذا ما قام به مفكرون عرب في الماضي: لقد ارتموا في أحضان الهيلينية وعملوا على إخضاع القرآن لكل صنوف المقاربات والتوسل بأدوات معرفية كانت رائجة في زمانهم. فماذا تعني المدرسة السكولائية إن لم تكن تدل على اقتران النزعة الهيلينية بالنزعة الدينية التوحيدية؟ هكذا يمكن اعتبار كل نص مقدس يصلح مقاربته وفق أدوات عصره. إذا كان العقل هبة ربانية، مع العلم أن لفظة عقل واردة في سور قرآنية عدة، فلكي يستخدمه المرء استخداما جيدا.
أرى أننا لا نتدبر النص القرآني إلا بشكل حرفي دون امتلاك الشجاعة في الانخراط فيما يدعوه القرآن بتدبر معانيه الباطنية. والحال، أن هذا الجهد ينبغي أن يتم بمعونة كل الأدوات المعرفية المتاحة في زماننا. هذا ما دفعني إلى أن أطالع مؤلفات عدة ذات طابع إرشادي تبسيطي للمعارف العلمية أو للفكر الفلسفي. زد على ذلك، هناك أناس آخرون يستدرجونني للتبادل معهم أطراف الحديث، وكان لابد من جهتي أن أستوعب ما يحمله من فحوى إيجابي حتى ولو كان ذلك مثيرا للاستفزاز. هكذا أفضى بي الأمر إلى تأمل مفهومي الصدفة والضرورة بعد قراءتي لكتاب العالم ممونو “الصدقة والضرورة”. فأنا لست في حاجة إلى أن أتجاهل الصدفة حتى أظل مسلما. إن المؤمن ينبغي عليه استيعاب ما نقترحه عليه وأن يحاول جاهدا الإتيان بشيء ما للعالم لا للإسلام فقط. إن أشد ما يثير الكره لدي هو أن يتم إقصاء الآخرين، لأن أي إنسان كيفما كان يمتلك في بواطنه شيئا ما. أما فيما يخص ما هو جوهري، من وجهة نظر وجودنا على الأرض، هو كوننا نملك جميعا أشياء كثيرة مشتركة، مع العلم بأن أي واحد منا له رؤيته الخاصة للعالم وما وراء العالم. هناك في القرآن كلام وارد عن الفطرة، أي عن الطبيعة الإنسانية. هذه الفطرة تجمعنا، مما يعني وجود قاعدة صلبة بيننا تكفي لكي يتحصل التفاهم.
يشعر المسلم في قرارة نفسه بالتزام طوعي للنص القرآني. فأن يرفضه يعني أن المؤمن أقام نفسه في وضع متناقض مع ما يعتقده. منطقيا، يستحيل عليه أن يعتقد بنص ديني ويرفضه في الوقت عينه. بمعنى أن الكافر بالمعنى الحرفي للكلمة هو Supprimer le mot répété لا يدع نفسه للإقناع”. بينما تتخذ المقاربة منحى أخر مختلف إذا تعلق الأمر بمجرد مسلم ثقافيا أو مسلم” غير مسلم” ينتمي إلى ثقافة بلا صلة بالنص القرآني. في العالم الإسلامي نعيش هذا النوع من التوتر، بدرجات متفاوتة، في التيوقراطية المعلنة أو المبطنة والذي يذهب البعض إلى حد ربطها بتطلعاتهم العلمانية – حالة وحيدة حقيقية – مثلما هو حال تركيا،.
تاريخيا، هناك تيار إسلامي وحيد جعل من التيوقراطية نظاما لحكمه، إنه التيار الشيعي. فمهما تفرقت الميول، فإن الفرق الشيعية كافة تجمع على أن النبي ترك إرثه الروحي والزمني لصهره علي بن أبي طالب، تارة بنص قرآني يتم تأويله وفق مسلك مذهبهم وطورا بوصية صريحة مشهودة بحديث الغدير يدعى “خم”. إن الأئمة سليل فاطمة ابنة النبي وعلي بن عمه، هم ورثة الحكم بالخلافة، وأي شخص توفي دون علمه بالإمام مات ميتة الجاهلية. لهذا فهو نظام لا يفسح مجالا للديمقراطية عدا فترة غيبة الإمام. أما في الطرف الآخر نجد فرق الخوارج تقر بضرورة اختيار الإمام وفق معيار الجدارة. ولابد بحسبهم أن يعزل إن اقتضت الضرورة إلى ذلك حال ثبوت فساد أو استشراء طغيان. وعلى إثر البون الكائن بين الشيعة والخوارج، ارتأت جماعة السنة أن تلعب دور الوسيط بأفكار مختلفة وهي تنحو جميعها مع ذلك إلى إضفاء الشرعية على كل سلطة قائمة بغرض صد باب إيقاظ الفتنة. هكذا وجدت الأنظمة السياسية كلها دون استثناء في طبقة الفقهاء أداة لتسويغ شرعيتها، كما وجد دوما فقهاء آخرون يبررون حق الجمهور في التمرد وحمل السلاح لمحاربتها. مثلا أولئك الذين اغتالوا عثمان اعتبروا قتله فعلا عادلا بينما رآه معارضوه فعلا جائرا. لذلك أنحاز معارضو اغتيال عثمان إلى معسكر معاوية طالبا منهم الثأر لمقتل عثمان. كما ناشد معارضي معاوية إلى الاحتكام إلى القرآن رافعا نسخا منه على أسنة الرماح في غزوة صفين. على هذا المنوال أصبح الخليفة الأموي حاكما شرعيا باسم الدين طالما أنه في سدة الحكم، وباسم الدين أيضا وقع انقلاب على حكمه. ثم انتقلت الشرعية إلى الخليفة العباسي أو كما رأيناها تنتقل إلى خليفة آخر في قرطبة، وخليفة آخر في المهدية، وخليفة ثالث في مراكش، وهلم جرا. هكذا يمكن القول أن الدرس الذي يمكن للمؤرخ أن يستخلصه جراء تعدد الشرعيات الدينية وإعادة النظر فيها، هو غياب تام لأي شرعية دينية على مستوى نظام الحكم. بل كان الدين ومازال مطية في خدمة سياسات معارضة كخطوة أولى للاستيلاء على السلطة، كما في حالات أخرى عدة، بغرض تبرير الطغيان والاستبداد على قاعدة تيولوجية مزعومة.
أما فيما يخص علاقات النص بالتعددية والديمقراطية، فأكرر أن أي واحد منا بإمكانه أن يدخل في علاقة مع النص بالطريقة التي يراها جيدة. في حين هناك البعض الأخر مازال يجتر آراء أسلافه كما تبلورت في القرنين 2 و3 هـ، وبالشكل الذي انعكست في مخيالاتهم لا في الواقعة التاريخية إلى حد أنهم اعتبروها التفسير والفهم الوحيد للنص القرآني. هناك منظومة متكاملة من الفكر الموروث ما ينفك الإسلاميون من رسم سياج عليها للحيلولة دون الخروج منها. وهذا حقهم. لكن تصورهم للحكم ينطلق من هذه المنظومة التي يعسر اقترانها بالديمقراطية. هذا لا يعني أن النص في حد ذاته – بالقطع مع التفسيرات الماضوية- يحول دون تأسيس الديمقراطية. إذا منحنا الحرية لأولئك اللاجئين إلى مظلة أهل السلف وبمنظومة فكر متوارثة من عصرهم، فإنه ينبغي كذلك أن تعطى الحرية لأولئك الذين لا يشاطرون مقاربتهم للنص القرآني. الحرية هي كل لا تقبل التبعيض، ولا أرغب أن تصير مجرد تكتيك أو تنفيذ لإدامة التوتاليتارية. إن كل نظام حكم حتـى النظام الديمقراطي يبقى مفتوحا لخيارات الأمة وفق ما يتلاءم معها، مع الأخذ بعين الاعتبار المعطيات المتغيرة للزمان والمكان، “إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون “سورة النحل، الآية 16). وعليه فإن كل نظام يرمي إلى تحقيق أهدافه من خلال التصديق الحر من قبل الأمة وضمان الحريات بالسعي إلى اجتناب الفتن، هو نظام يتماشى والنص القرآني. هذا الأخير يوصي كذلك بطاعة الله وطاعة الرسول وأولي الأمر ورد المتنازع عليه إليهما دون الاحتكام إلى العنف (سورة النساء الآية 59). بمعنى، أن نتصرف في سلوكنا بمكارم الأخلاق. كما أوصى الله الإنسان بعدم احتكار الرأي. فالله يحب”والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون” (سورة الشورى، الآية 38). وفي قوله أيضا “فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين”(سورة آل عمران، الآية 159). إن أقل ما في وسعنا قوله إذن، هو أن النص لا يتعارض مع الديمقراطية بل إنه ينمو من خلال أسلوب المداولة. الديمقراطية ليست شيئا آخر غير كونها أسلوب من أساليب التنظيم والمداولة بالوسائل الأنسب اعتمادا على معطيات متغيرة في الزمان والمكان.