حكى لي صديق مقيم في بلد أوروبي مرة، كيف قرر قبل مَقْدَمِ شهر رمضان بأيام أن يشد الرحال إلى “الموغريب” – كما يحب أن ينطق اسم بلده- ليؤدي فريضة شهر الصيام وطقوسها، التي يعشقها على نحو صوفي، بين الأهل والأحباب والأصدقاء والمغاربة وسائر المسلمين أجمعين..
صديقي متزوج من أجنبية نصرانية، لم يسبق لها أن زارت المغرب حتى ذلك الحين، فعبّرت له عن رغبتها في مرافقته إلى الديار وقضاء نفس الفترة معه (رَجْلِي برجليك) على طريقة نساء النصارى!
وذلك ما كان..
حلّ الزوجان بين أفراد الأسرة المغربية، وكان طبيعيا أن يتكفل صديقي يومين قبل حلول أوان الصيام بالذهاب إلى السوق للتبضع، برفقة زوجته. كانت هذه الأخيرة – يقول الصديق- تجول بعينيها في الأرجاء النشيطة جدا للسوق الشعبي حيث اختلطت مشاهد أكوام “الشباكية” والقزبور والمعدنوس ولكرافس والحمص المرقد وزكيطات الذبائح أمام محلات الجزارة.. وسائر السلع المعروضة بوفرة ملفتة..
واتسعت عينا الزوجة النصرانية، أكثر فأكثر، وهي تعاين المتبضعين والمتبضعات المغاربة ينوؤون بثقل ما يحملون أو يجرّون قُففا وأكياس بلاستيكية فاضت بما احتوت عليه من مختلف أنواع المواد الاستهلاكية..
التفتت الزوجة الأجنبية إلى زوجها المغربي وكان على وشك التوجه صوب محل جزار اعتاد التبضع منه قبل هجرته، وسألته:
– هل أعلنت الحكومة المغربية في التلفزة عن حالة طوارىء في المغرب؟
– (الزوج مندهشا) لا!
– ألا تشتغل الأسواق في المغرب خلال شهر رمضان؟
– بل تشتغل!
– لماذا يُقبل الناس بهذه الكثافة على الشراء، والإصرار على حمل كل هذه الكميات من المواد الاستهلاكية إلى بيوتهم؟
اعترف لي صديقي أنه أُحرِج حينها ولم يجد جوابا مقنعا يُمكن أن يستوعبه عقل زوجته الذي تشكَّل في بيئة اجتماعية وتعليمية “ديكارتية”.. وتظاهر كما قال بأنه منشغل بما كان بصدده.. لكنه بدلا من شراء خمس كيلوغرامات لحم كما كان ينوي اكتفى بكيلوغرامين اثنين!
أتذكر تفاصيل هذه الواقعة الرمضانية الطريفة كما رواها صديقي كل عام مع حلول هذا الشهر الكريم. حين أكون بصدد مُعاينة زحامنا نحن المغاربة على أماكن التبضع تاركين كل شؤون الحياة الأخرى وكأن قيامة دنيوية وشيكة تفرض تكديس أكبر قدر من الطعام المتنوع استعدادا لإمضاء أيام عزلة عن العالم في أقبية تحت الأرض!
والحال أن الأمر يتعلق بشهر ديني بامتياز.. أعظم الأيام في الإسلام.. أي أن المناسبة روحية صرف، حيث المُفترض إيلاء جل الاهتمام للقلب لا البطن!
ويستغل الباعة هذا التهافت على سلعهم فينفخون في الأسعار مُتحججين بكثرة الطلب أمام حجم العرض، وهذه أهم قاعدة في تحديد نسبة الأثمنة وهامش الربح، كما هو معلوم.
ومن أغرب الغرائب أنك تجد أصحاب المداخيل المتواضعة لا يضجُّون من كل ذلك الجشع ليرعووا عن غي الشراء وحُمّاه، بل يكون غاية همهم الظفر بنصيبهم بكميات زائدة عن العادة من السوق قبل غيرهم!
وتحضرني في ذات المناسبة (أيام قبل حلول رمضان) تصورات “شيطانية” فأتخيل أن خصاصا، لا قدَّر الله، سُجِّل في المعروض من “الشباكية” أو اللحوم أو القزبر والمعدنوس ولكرافص.. وغيرها من المواد الأساسية المستهلكة خلال هذا الشهر الفضيل، وأتساءل: تُرى ما الذي سيحدث في وضع عصيب حيث يكثر الطلب ويقل العرض في الأسواق المغربية؟
ألن يتزاحم المستهلكون أمام الباعة فيدوس قويهم ضعيفهم، وتنشب بينهم معارك وشجارات يتبادلون فيها الضرب والجرح… وتتعدد المواجهات وتتسع وتتحول إلى ما لا تُحمد عقباه ولا التحكم في نتائجه، وكأن الأمر حرب أهلية لسبب جلل؟
وقانا الله وإياكم من مغبة سوء مآل أسود، على غرار تصورات “شيطانية” من هذا القبيل، وجعل أسواقنا عامرة دائما بأكوام الشباكية وأكداس الزكَيطات والدجاج الأبيض والكروازي والبلدي مائة بالمائة والبيض الرومي والبلدي والقزبر والمعدنوس ولكرافص… وكل ما لذ وطاب في المائدة الرمضانية!
رمضانكم مبارك سعيد وتقبل الله صيامكم وتعبُّدكم.