مشاكسات ليس إلا.. أو ورطة “الزعيم” غير الزعيم

بقلم حسن السوسي

يختار الانسان في مرحلة ما من عمره كيف يعيش ماديا ومعنويا، ضمن ظروف ليس بيده جل مفاتيحها. غير انه يحاول، مع ذلك، ان يجد لإرادته ما يكفي من القوة حتى تفتح له طريقا مقبولا في تضاريس الحياة الوعرة يشعر فيه بالأمان المعنوي والمادي القادر على اعطائه طاقة خلاقة في مواجهة تحديات الطريق ومخاطر الوصول الى الأهداف المرسومة حتى في الوقت الذي تكون فيه سقوف تلك الأهداف غير عالية مقارنة بأهداف من تسمح له ظروفه الخاصة بان يكون طموحه أكبر وأهدافه أشمل.
وليس هناك من بإمكانه لوم الانسان على عدم قدرته على تحقيق كل ما يصبو اليه في الحياة، متى كان جادا في مسعاه وواقعيا وعقلانيا في تعاطيه مع تحديات الطريق نحو تحقيق الغايات المنشودة. ان الذي يلام حقا هو من لا يسعى، ومن لا يحاول قراءة ظروف مسعاه المادية والمعنوية، الموضوعية والذاتية بشكل عقلاني وواقعي مبدع.
ويمكن فهم كل مسعى نضالي في اي مستوى من مستويات النضال السياسي والاجتماعي والثقافي ضمن هذا المنظور. أي ان الالتزام بمحددات هذا الحقل او ذاك من نشاطه هو الذي يحكم في نهاية المطاف في تحديد المسافة بينه وبين أهداف نضاله تحققا او استحالة تحقق.

لكن عندما ينخرط اي إنسان في مشروع غير واقعي أو لا يتحكم ولو نسبيا في أي عامل من عوامله الذاتية والموضوعية، فإنه بذلك يرهن نفسه بالمجهول ويفرض على نفسه نوعا من الانتحار السياسي بمختلف ابعاده وتجلياته المادية والرمزية على اعتبار ان ارادته تكون معطلة الى حد كبير، خاصة اذا ارتبط في مختلف مساعيه بإرادة الغير كما هو الأمر بالنسبة لمن وقع في احضان هذه القوة الخارجية او تلك.
ويحضرني هنا مثال عدد من الصحراويين المغاربة الذين وجدوا أنفسهم في مرحلة ما من حياتهم النضالية العفوية، ربما، ضحية أجندة قيادة سياسية جزائرية مسبقة الصنع والتصميم لمناهضة المغرب في مسعاه نحو استكمال وحدته الترابية وتحرير أقاليمه الجنوبية من الاستعمار الإسباني.
ذلك ان جل هؤلاء قد ظلوا أسراء تلك الأجندة والاستراتيجية التي لا يملكون ترف حتى مناقشة مضامينها، فأحرى التمرد عليها بشكل صريح وواضح وهم تحت قبضة المتحكمين في تلك الاستراتيجية.
وهذا هو ما يفسر في بعد أساسي منه، على أقل تقدير، كيف ان المخرج الوحيد الذي يجده أمامه كل من يحاول استعادة حريته وقراره المصادر في غفلة منه في الأغلب الأعم هو الفرار من مخيمات الاحتجاز في تيندوف مع ما يرافق ذلك من المخاطر على الحياة والأمن الشخصي والعائلي لمن يغامر بالإقدام على هذه المخاطرة.
وليس هذا هو واقع حال كل من تورط في خدمة اجندة القيادات الجزائرية المتعاقبة بطبيعة الحال، وإنما هناك من يبدو انهم استمرأوا وضعهم الجديد فعملوا على تحين الفرص لتبوإ مواقع الحظوة والامتياز تحت إمرة المتحكمين في مصائر المغاربة الصحراويين المحتجزين في تيندوف ولعبوا دور الجلاد في حق مواطنيهم المغاربة الذين فرضت عليهم حالة اللجوء والاحتجاز او الذين وقعوا في أسر عصابات جبهة البولزاريو المسلحة المدعومة، توجيها وتخطيطا وتسليحا، من قبل القيادات العسكرية الجزائرية.
وليس هناك ادنى شك في كون محمد عبد العزيز زعيم الجبهة الانفصالية الذي توفي أمس من هذه الفصيلة من الذين باعوا وطنهم للاجنبي وعاشوا تحت كنفه متوسلين رضاه خانعين خاضعين الى ان انتهى مشواره في الحياة ووافاه الأجل المحتوم.
ولعل الأدهى في الأمر أنه قد يكون ربما في وضع من استعاد بعض الوعي بخطورة ما ورّط فيه نفسه من افعال قذرة ضد شعبه ووطنه المغرب، لكن ذلك، اذا حصل فقد يكون بعد فوات الأوان. فما نفعه وما جدواه؟ وأقول هذا لأنه لم يعد قادرًا على التعبير عن نفسه اضافة الى اعتقادي في القول المأثور اذكروا موتاكم بخير ولأنني لم اجد لهذا الشخص من خير واضح وصريح، افترضت، من باب الخير، ومن اضعف الإيمان، انه ربما يكون قد استعاد بعضا من شعوره الوطني ولو على فراش الموت وهو يعايش فشل مشروعه الذاتي. وهذا ظن قد لا يدخل ضمن مشمولات : ان بعض الظن إثم. وإلا فأنا فسأعتذر عن حسن ظني هذا دون اكثرات.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد