بقلم الدكتور محمد محاسن
ملخص
أتناول في هذا المقال ثلاثة مفاهيم رئيسة: التناسق الداخلي (Congruence) والتناغم Rapport)) والانسجام (Harmony) بوصفها ركائز للقيادة الأكاديمية الحقيقية. وانطلاقاً من علوم الاتصال بين الأفراد وعلم نفس القيادة وبعض نماذج البرمجة العصبية اللغوية، يسلّط المقال الضوء على دور هذه المفاهيم في تشكيل صورة القائد الجامعي ومصداقيته، وقدرته على تعبئة مكونات الجامعة وتحفيزها. كما أن دائرة التحليل تتسع لتشمل مسؤولية الوزارة الوصية في ضمان حوار اجتماعي ذي مصداقية، مستشهداً بحالة مشروع القانون 59.24 بالمغرب؛ مقترحا أدوات عملية ونماذج مقارنة من تجارب دولية لإلهام مقاربة أكثر تشاركية وعدلاً في حكامة التعليم العالي.
الكلمات المفاتيح: التناسق، التناغم، الانسجام، القيادة الأكاديمية، الحوار الاجتماعي، المصداقية، الحكامة الجامعية، إصلاح التعليم العالي.
1) توطئة: القيادة كفنّ التناسق والإلهام
كما دأبت على التذكير بذلك، إن القيادة الأكاديمية لا تقتصر على ممارسة السلطة الإدارية أو التحكم في الموارد، بل تتعداها إلى القدرة على إلهام الفاعلين الأكاديميين والتفافهم حول رؤية مشتركة. وتتأسس هذه القدرة على تناسق القيم والخطاب والقرارات، وهو تناسق يشكل حجر الأساس للشرعية المؤسسية وبناء الثقة الجماعية، خصوصاً في زمن الإصلاحات والتحولات المتسارعة (1).
2) التناسق الداخلي: توافق القول والفعل
يشير مفهوم التناسق الداخلي إلى التطابق بين اللغة اللفظية/الصائتة، ولغة الجسد/الصامتة (الإيماءات، الهيئة، التعابير الدقيقة)، والإشارات الموازية للكلام (نبرة الصوت، الإيقاع، التوقفات).
v الأثر الداخلي والخارجي: هذا التطابق ينعكس على الأفكار والعواطف والسلوكيات فيجعل القائد أكثر أصالة واتزاناً (2).
v المصداقية والقدوة: في السياق الجامعي، حيث يُدقَّق في النزاهة والشفافية، يشكل التناسق رأس مال شرعية حقيقي (3).
v الأثر على التعبئة: عندما تتطابق الخطابات مع القرارات العملية، يتعزز استعداد أعضاء هيئة التدريس والطلبة للانخراط الفعّال.
3) التناغم: فنّ التلاقي مع الآخر
يحيل مفهوم التناغم على قدرة القائد على الدخول في حالة “رجع الصدى” مع محيطه العاطفي والعقلي.
v الحوار الاجتماعي: التناغم يتيح تواصلاً بنّاءً مع النقابات والطلبة والشركاء الاجتماعيين.
v إدارة التوترات: بفضله يستطيع القائد فهم ما بين السطور وتكييف رسائله والتوصل إلى حلول مشتركة بدل فرض قرارات أحادية الجانب (4).
4) الانسجام: توازن المنظومة الأكاديمية
أما الانسجام فيمثل النتيجة الطبيعية لتلاقي التناسق الداخلي والتناغم العلائقي.
v التوازن المؤسسي: يضمن تكاملاً حقيقياً بين مهام التدريس والبحث وخدمة المجتمع.
v مناخ الإبداع: الانسجام يهيّئ بيئة آمنة نفسياً تشجّع على الابتكار والتجريب (5).
للتركيز: حين يقوّض التناقض الشرعية
عواقب غياب التناسق:
ü فقدان المصداقية: التناقض بين القول والفعل يؤدي إلى عزوف جماعي وفقدان الثقة.
ü تصعيد النزاعات: تتحول الأطراف الاجتماعية إلى المواجهة بدل التفاوض.
ü مناخ من الشك: يزداد انتشار الشائعات والمقاومة لأي إصلاح.
الحالة الراهنة: يبرز مشروع القانون 59.24 مثالاً واضحاً، حيث رافق إعلان الوزارة حرصها على التشاور تسريعٌ في وتيرة المصادقة دون دمج كافٍ لمقترحات الأساتذة والهيئات الأكاديمية، ما أثار موجة انتقادات وأضعف شرعية الإصلاح في نظر المجتمع الجامعي.
5) توسيع المنظور: دور الوزارة ومصداقية الحوار الاجتماعي
لا يقتصر مطلب التناسق على القادة الجامعيين بل يشمل كذلك مؤسسات القرار على المستوى الوطني.
v تناسق الخطاب والفعل: الإعلان عن التشاور مع الإقدام على قرارات أحادية يخلق فجوة ثقة.
v البناء المشترك: إشراك النقابات والأساتيذ الباحثين والطلبة منذ المراحل الأولى للإصلاح يضمن قبولاً أوسع ويحد من المقاومة.
v المسؤولية المشتركة: لا يمكن تحقيق حكامة جامعية ذات مصداقية إلا عبر شراكة فعلية بين الوزارة والجامعات والفاعلين الاجتماعيين.
6) أدوات عملية لقائد متوازن
للتركيز: تقنيات المعايرة/ Calibration وإعادة التأطير/ Reformulation
v المراقبة الذاتية: رصد لحظات التناقض بين الأقوال والأفعال.
v المعايرة: الانتباه لإشارات الآخرين غير اللفظية وتكييف الرسائل تبعاً لها.
v إعادة التأطير: تحويل المقاومة إلى فرص للحوار والابتكار.
v ترسيخ التوازن العاطفي: تبني طقوس ذهنية تساعد القائد على استعادة حالة من التوازن والاتزان قبل اتخاذ القرارات المصيرية.
7) ملحق: نماذج دولية رائدة
فرنسا: تنظيم مؤتمرات توافقية تجمع رؤساء الجامعات والنقابات والطلبة قبل إقرار الإصلاحات الكبرى.
كيبيك: لجان استشارية مختلطة جامعة-حكومة لرسم سياسات التمويل والولوج.
البلدان الاسكندنافية: ثقافة حوار ثلاثي الأطراف بشفافية كاملة في البيانات وتوقعات زمنية واضحة للإصلاحات.
عود على بدء
يشكل كل من التناسق، والتناغم، والانسجام مثلثاً استراتيجياً لبناء قيادة أكاديمية أصيلة وقادرة على التحول. إن إدماج هذه القيم على كل المستويات – من الوزارة إلى الشعب – شرط أساسي لاستعادة الثقة، وتعبئة الفاعلين، وتهيئة الجامعات لمستقبل مبتكر ومتجدد بعد 2030.