بقلم: الدكتور محمد محاسن
أتناول في هذا المقال مفهوم قيادة القُرب بوصفه نمطًا قياديًا قائمًا على أخلاقيات الحضور، وتحمل المسؤولية، واحترام الكرامة الإنسانية، من خلال قراءة تحليلية لمشاهد رمزية كاشفة في الفضاء العام. ويُبرز المقال كيف تتحول الوضعيات البسيطة —كالتعرض المشترك للبَلَل تحت المطر— إلى اختبارات أخلاقية تكشف حقيقة العلاقة بين السلطة والإنسان. ومن خلال مقاربة سوسيولوجية ونفسية، يتبين أن القيادة الأصيلة لا تُقاس بالمكانة ولا بالامتيازات، بل بقدرة القائد على القرب الجسدي والرمزي، وعلى تقاسم المشقة بدل تحويلها إلى عبء على الآخرين. ليتم تأكيد كون قيادة القُرب تمثل رافعة مركزية لبناء الثقة وتحقيق العدالة العلائقية وتعزيز التماسك داخل التنظيمات، ولا سيما في الفضاءات العمومية والأكاديمية.
الكلمات المفاتيح
قيادة القُرب؛ الحضور القيادي؛ الكرامة الإنسانية؛ القدوة؛ العدالة العلائقية؛ السلطة والمسؤولية؛ القرب الرمزي؛ الأمان العلائقي؛ الحكامة الأخلاقية؛ القيادة الأكاديمية.
توطئة
هناك من المشاهد ما تَختصر – في لحظة واحدة – ما تعجز عنه الخطب المطوّلة في توصيف معنى القيادة. لا لأنها تُجسّد السلطة، بل لأنها تكشف -غالبًا من دون ادّعاء- حقيقة الوضعية القيادية التي يتّخذها صاحب القرار. ففي مجال القيادة، كثيرًا ما تكون الوضعية أصدق تعبيرًا من النوايا المعلنة والخطابات المنمّقة.
لقد قدّم تحليل زميلنا رشيد بوتي، عبر احدى تدويناته بتاريخ 25/12/2025، المستلهم من وضعية صاحب السمو الملكي الأمير مولاي الحسن، قراءةً لافتة لقيادة تقوم على القُرب: قُرب بلا مسافة مصطنعة، وبلا استعراض رمزي، وبلا حواجز خفية. فالدلالة الأعمق لا تكمن في مجرد التواجد الجسدي وسط الناس، بل في القرب القيَمي: أن يكون القائد معرّضًا لما يتعرّض له الآخرون من بَلل تحت المطر، بلا حماية خاصة ولا امتياز ظاهر. إنها رسالة صامتة، لكنها بالغة الوضوح: لا معنى للاحتماء حين يظل من حولك مكشوفين.
في المقابل، أثارت صورة أخرى، جرى تداولها على نطاق واسع، موجة استنكار عارمة، إذ أظهرت شخصية عامة تتصدر منظمة تُعنى بحقوق الإنسان، محتمية بمظلة يحملها شخص آخر، تابعاً لها كالظل بينما بقي هو بدون حماية وقد ندّاه المطر من رأسه حتى أخمص قدميه، مختزَلًا في وظيفة حماية راحة غيره. إن المفارقة هنا لا تتعلق بالراحة الجسدية، بل تمس جوهر الكرامة الإنسانية.
- القُرب: علاقة إنسانية لا تقنية تدبيرية
فقيادة القُرب ليست أداة تواصل، ولا استراتيجية لتدبير الصورة أو كسب التعاطف فحسب؛ بل إنها قبل كل شيء أخلاقيات علاقة: حضور فعلي واستعداد نفسي واع ووضوح في التعامل وانسجام بين القول والفعل. فهي لا تبحث عن الشرعية عبر الخطاب، بل تُراكمها عبر ثبات السلوك اليومي.
ويتجلى القُرب الحقيقي في: الحضور الميداني غير المتعالي والتعفف في العلاقة دون تفريط في المسؤولية ورفض كل امتياز يُنتج الإذلال ولو كان غير مقصود. قد يرفع القائد شعار القُرب دون أن يُجسّده، لكنه لا يستطيع أن يُجسّد القُرب دون أن يلمسه الآخرون مباشرة.
- المطر بوصفه محكًّا أخلاقيًا
في مثل هذه المشاهد، يتحوّل المطر إلى محكّ أخلاقي كاشف. فهو يعرّي البنية الدقيقة للسلطة: من يحمي من؟ من يتحمّل المشقة؟ ومن يوكَل له عبء الانزعاج باسم الخدمة أو البروتوكول؟
فالوقوف تحت المطر مع الآخرين يعني: أنا شريك في نفس الوضع الإنساني. أما الاحتماء منه بينما يُترك غيرك مكشوفًا فقد يعني: راحتي تتقدّم على كرامتك وأهم منها.
لهذا السبب تثير هذه الصور ردود فعل قوية، فهي تُحرّك الإحساس بـالظلم اليومي الصامت؛ ذلك الظلم الذي لا يُقنَّن، لكنه يتراكم ويقوّض الثقة ويغذّي الشعور بالمهانة.
- مشهد مُلهم: أسود الأطلس
في هذا السياق، يستحق موقف المنتخب الوطني المغربي خلال كأس العرب وقفة خاصة. فعند عزف النشيد الوطني، وتحت المطر، بادر لاعبو أسود الأطلس، بعفوية صادقة، إلى حماية الأطفال المرافقين لهم عبر تقاسم معاطفهم الواقية معهم.
لم يكن المشهد مُعدًّا، ولا محسوبًا، ومع ذلك بلغ أثره حدّ الرمزية. لأنه يُجسّد قاعدة جوهرية في قيادة القُرب مفادها أن: المكانة لا تمنح حقّ الاستفادة، بل تفرض واجب الحماية. فالاحترام لا يُفرض بالقوة ولا يُستدرج بالكلام، بل يُكتسب عبر أفعال صغيرة تكشف هرمية أخلاقية معكوسة، تتقدّم فيها المسؤولية على الامتياز.
- قراءة سوسيولوجية: حين تتكشّف الهيمنة في التفاصيل
قد تتسامح المجتمعات مع أشكال معينة من التراتبية حين تُدركها بوصفها مشروعة أو وظيفية. لكنها ترفضها بشدة حين تتجسّد عبر ممارسات رمزية تنطوي على إهانة أو استغلال.
فحمل المظلة قد يُفهم، في سياق ما، كخدمة عادية، وقد يُؤول، في سياق آخر، كرمز خضوع، تبعًا لطبيعة العلاقة، ووضعية الجسد، والفارق الظاهر في السلطة. وحين يصبح هذا الفارق فجًّا، فإنه يولِّد انطباعاً خطيراً مفاده أن بعض البشر إنما وُجدوا لاستعباد الآخرين، وتحقيق ذواتهم عبر مشقتهم.
ويبلغ التناقض ذروته حين تصدر هذه الوضعية عن شخصية ترفع شعار الدفاع عن حقوق الإنسان، إذ تصبح الهوة بين القيم المعلنة والممارسة المرئية غير قابلة أخلاقيًا للتبرير أو التسويغ.
- قراءة نفسية: الانسجام والأمان العلائقي
من زاوية نفسية، فقيادة القُرب تنتج ما يمكن تسميته ب “الأمان العلائقي” بمعنى شعور الأفراد بأنهم مرئيون ومحترمون وغير قابلين للاستبدال أو التسخير. وهو شرط أساسي للانخراط الحقيقي والمسؤول.
في المقابل، يولّد الامتياز غير المبالي بالكلفة الإنسانية غضبًا أخلاقيًا مكبوتًا وانسحابًا نفسيًا صامتًا وسخرية مدمّرة للمعنى وفقدانًا تدريجيًا للانتماء.
ذلك أنه في القيادة، لا تُصدر الأحكام عبر الخطابات، بل عبر الإشارات السلوكية الدقيقة؛ تلك التي لا تُخطَّط ولا تُبرَّر، لكنها تكشف بوضوح درجة الانسجام-أو التناقض- بين الخطاب والممارسة.
- عبر كل المواقع: مبدأ يتجاوز المناصب
سواء تعلق الأمر بوزير أو رئيس أو عميد أو مدير أو مسؤول فريق أو مصلحة-أيا كان الموقع- فإن قيادة القُرب تسهم في إعادة ضبط العلاقات الإنسانية داخل أي تنظيم.
فهي لا تلغي الأدوار، لكنها تُخلص المكانةَ من الآثار السامة: كالخوف والغطرسة والتبعية والإذلال. بل وتكاد تبعث ثلاث رسائل مؤسسة:
- القيمة الإنسانية تسبق الموقع الوظيفي،
- المسؤولية لا تُبرّر الامتياز المُهين،
- القدوة ممارسة صامتة للعدالة.
حين تُجسَّد هذه المبادئ، تستقيم العلاقات، ويصبح التعاون خيارًا طبيعيًا، وتستعيد السلطة معناها الأخلاقي.
- وفي الجامعة: قيادة القُرب كشرط للصحة المؤسسية
في الجامعة، حيث تُؤسَّس المسافة أحيانًا بوصفها قاعدة تنظيمية، لا تُعد قيادة القُرب ترفًا، بل شرطًا للصحة المؤسسية والتوازن النفسي.
فهي تُخفّف من الصراعات العقيمة وتُرمّم الثقة المتآكلة وتُهدّئ التوترات غير المعلنة وتُعيد للالتزام الأكاديمي معناه. كما تُحوّل السلطة من موقع دفاعي إلى قدرة على الاحتواء والتعبئة.
عود على بدء
إن السلطة ليست ملاذاً بل هي تحمّل واعٍ للمسؤولية. فقيادة القُرب تذكرنا بحقيقة بسيطة وصارمة في آن: السلطة ليست احتماءً من المشقة، بل تحمّل واعٍ لها. والقائد الأصيل لا يحتمي على حساب غيره، بل يتقاسم القيود والمخاطر الرمزية، وأحيانًا العناء.
تحت المطر، تنكشف الحقائق: بعضهم يبحث عن المأوى، وبعضهم يقدّمه. والمجتمع، بحسّه الأخلاقي الحاد، لا يخطئ في التمييز بين كرامة مُجسَّدة… وسلطة مُستعرَضة.