صيانة الذات وحصانة التوازن النفسي في القيادة الأكاديمي

بقلم: الدكتور محمد محاسن

بقلم: الدكتور محمد محاسن

تلخيصا

في هذا المقال أتناول بُعدًا جوهريًا طالما ثم إغفاله في الحديث عن القيادة الأكاديمية. يتعلق الأمر بصيانة القائد لذاته النفسية والعقلية؛ حيث أسعى لإبراز أهمية الهدوء، والوعي بالعلاقات المستنزِفة، وأولوية السلام الداخلي على إرضاء الآخرين، باعتبارها شروطًا أساسية لممارسة قيادة متزنة ومستدامة. وأخلص في مقالي هذا إلى أن قيادة الآخرين تبدأ، بالضرورة، من قيادة الذات.

الكلمات المفاتيح: القيادة الأكاديمية؛ التوازن النفسي؛ صيانة الذات؛ السلام الداخلي؛ العلاقات المستنزِفة؛ الوعي القيادي.

توطئة

غالبًا ما تُختزل القيادة الأكاديمية في أبعادها الإجرائية: مهام تُنجز وقرارات تُتخذ واجتماعات لا تنتهي وتمثيل مؤسسي داخل فضاءات مثقلة بالتنافس والانتظارات المتضاربة. غير أن هذا التصور، على شيوعه، يغفل بُعدًا جوهريًا لا تقل أهميته عن باقي الأبعاد، وهو أن القائد الأكاديمي، قبل أن يكون موقعًا تنظيميًا، هو ذات إنسانية، لها طاقتها وحدودها، انسجامها واختلالها.

إن ممارسة القيادة على نحو رشيد ومستدام تقتضي، في عمقها، القدرة على قيادة الذات: صيانتها وتحصينها والعناية بتوازنها النفسي والعقلي، لا بدافع الانسحاب أو الانكفاء، بل باعتبار ذلك شرطًا أساسيًا للقيام بالدور القيادي بوعي واتزان.

من كثرة الحِجاج إلى حكمة الهدوء

من أسرار القيادة الناضجة الابتعاد عن كثرة الحِجاج والجدل المستنزف، ليس لأن القائد يفتقر إلى الحجة أو القدرة على الدفاع عن مواقفه، بل لأن الجدل الدائم يُبدّد الطاقة النفسية ويُربك صفاء الرؤية. فالقائد الذي ينخرط في كل نقاش ويستجيب لكل استفزاز، يجد نفسه مع الوقت أسير انفعالاته بدل أن يكون سيد قراراته.

إن الهدوء هنا لا يعني اللامبالاة، بل يعكس قدرة واعية على التحكم في الانفعالات وتحليلها، بل وتغيير مسارها. ومن هذا التحكم ينبثق سلوك متزن وقرار محسوب وتوازن نفسي يُشكّل قاعدة صلبة لأي ممارسة قيادية راشدة.

الأشخاص المسمِّمون: استنزاف صامت للطاقة

في المسارات القيادية، يلتقي القائد بأشخاص لا يواجهونه بالضرورة مواجهة مباشرة، لكنهم يعكّرون صفو حياته ويزرعون الشك، ويبثّون السلبية في محيطه القريب. إن تأثير هؤلاء لا يكون صاخبًا في الغالب، لكنه تراكمي وصامت ومُنهِك.

فالعيش وسط محيط مشبع بالسلبية أشبه بمن يُلقي بنفسه في مستنقع خانق، لا يقتله فورًا، لكنه يُضعف قدرته على التنفس، ويُثقِل حركته، ويستنزف طاقته ببطء. والوعي بخطورة هذا النوع من التأثير يُعدّ خطوة أولى في حماية السلامة النفسية للقائد.

المسافة كخيار علاجي

كثيرة هي الأحيان التي يستحب فيها خلق مسافة واعية بين القائد وبعض الأشخاص، فيصبح فعل ذلك أفضل مرْهَم يُخفف من آثار التسمم النفسي. هذه المسافة لا تُعبّر عن قطيعة عدائية ولا عن تعالٍ، بل عن إدراك ناضج لحدود الطاقة الإنسانية وضرورة حمايتها.

فعندما تتأكد للقائد حقيقة الاستنزاف، يصبح قطع الجسور قرارًا شجاعًا لا مجال للتردد فيه. فالصحة النفسية والراحة الداخلية تتجاوز في أهميتها بعض العلاقات، مهما كان تاريخها أو طبيعتها، لأن القائد المُنهك لا يقود، بل يتحول إلى أداة تُدار من قِبَل ضغطه الداخلي. الذي يصبح متحكما بها.

السلام الداخلي قبل إرضاء الآخرين

ليس مطلوبًا من القائد الأكاديمي أن يُرضي الجميع، ولا أن يكون مرآة لتوقعات الآخرين المتناقضة. فالسعي الدائم إلى نيل القبول يفضي غالبًا إلى فقدان البوصلة الذاتية، ويحوّل القيادة إلى عبء نفسي بدل أن تكون فعلًا واعيًا.

إن السلام الداخلي يظل أثمن من ظنون بعض الأشخاص أو أحكامهم، والقيمة الحقيقية للقائد لا تُقاس بما يُقال عنه، بل بقدرته على الحفاظ على تماسكه، ووضوح رؤيته، واستقلال قراره. ومن هذا المنطلق، يصبح قول “لا” حين يلزم نوعًا من الشجاعة المُخلِّصة، لا علامة على القسوة أو الرفض المجاني.

الرفقة الداعمة والاختيار الواعي

من الخطإ الاعتقاد أن بإمكان القائد أن يكتفي بذاته لبناء شخصيته وبسط تأثيره والتعافي وقت الشدة والوهن، دون الوعي كل الوعي بحجم مسؤوليته عن اختيار محيطه. فالرفقة الطيبة والأصدقاء الحقيقيون هم أولئك الذين يرفعون القائد بدعمهم في أوقات الضعف، ويُذكّرونه بذاته حين تثقل عليه الأدوار. هؤلاء لا يستنزٍفون الطاقة، بل يُجدّدونها، ولا يُعمّقون الإحباط، بل يُخفّفون وطأته.

إن الاهتمام بالآخرين لا يعني بالضرورة السعي إلى تغييرهم، إذ لا يمكن تغيير من لا يرغب في التغير. إنما يكمن الوعي القيادي في اختيار من يُمكن أن يُشكّلوا إضافة، لا عبئًا، ومن يساهمون في البناء لا في الهدم الصامت.

عود على بدء

لن أبالغ في القول عن تجربة بأن القيادة الأكاديمية ليست تضحية دائمة بالذات، ولا انغماسًا غير مشروط في محيط مُستنزِف. إنها، في جوهرها، فعل اختيار: اختيار السِّلم بدل الفوضى، والانسجام بدل الاستنزاف، والوعي بدل الانجرار والانسياق والرضوخ والانصياع.

من أجل ذلك، على القائد أن يُحيط نفسه بأشخاص يمدّونه بالطاقة بدل أن يستنزفوها، وأن يختار ذاته أولًا، لا أنانيةً، بل وعيًا بمسؤوليته.

فمن لا يحسن قيادة نفسه، يعجز – مهما حسنت نواياه – عن قيادة الآخرين

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد