بقلم / الأستاذ سمير أبو القاسم
بعد الاجتماع الأول للجنة التحضيرية، اكتملت صورة “القيادة السياسية”، في شخص المكتب السياسي الذي استبدل قسرا، بسبب استقالة الأمين العام السابق، وما آلت إليه الأوضاع التنظيمية للحزب من شلل، وفشل الحزب في تحقيق رهان الحصول على الرتبة الأولى في الاستحقاق التشريعي سنة 2016، وتحكم الأمانة العامة مقابل ضعف باقي أجهزة الحزب القيادية الناتج عن الانتقائية المحكمة في اختيار أعضائها، وعدم التوفق في اختيار العديد من مرشحي اللوائح الانتخابية المحلية والوطنية.
وها نحن اليوم أمام وضعية تتسم بتوزيع الاتهامات يمينا ويسارا، وسط ثلة من “القياديين” المحسوبين على رؤوس أصابع اليد الواحدة، الذين كانوا يتربعون على كرسي التخطيط والبرمجة والوقوف على كل كبيرة وصغيرة تخص شأن التدبير السياسي والتنظيمي والانتخابي للحزب.
وها نحن في قلب وضع يتميز بمناورات ضيقة الخلفيات والمنطلقات والأبعاد والغايات والأهداف. فبدل توسيع قاعدة المشاورات الداخلية بالانفتاح على أوسع عدد ممكن من الأعضاء داخل القيادة الوطنية، المتمثلة أصلا في المجلس الوطني، وبدل اللجوء إلى تغليب منطق الحكمة والعمل الجدي في التوجه والاختيار والتواصل، يسقط الجميع في فخ التراشق والاستقواء بما أوتي من علاقات وإمكانات.
لقد أخلفنا الموعد، حين لم نحسن الاختيار عبر مخرجات الدورة 22 للمجلس الوطني، وتم الاقتصار على تدبير آني محكوم بهاجس تأمين انسحاب سلس، دون تفكير عميق في تغيير قيادة الحزب بكاملها، لتشمل المكتب الفيدرالي صاحب الاختصاص فيما يخص الشأن التنظيمي الذي وصل إلى الحضيض، ورئاسة المجلس الوطني صاحبة الشأن فيما يتعلق بتحريك آليات المواكبة والمراقبة والمحاسبة التي غابت كلية عن تقييم الأوضاع السياسية والتنظيمية والانتخابية للحزب.
وفي غياب ذلك، فقد كان الأجدى البحث عن القواسم المشتركة، والدفع في اتجاه توفير أجواء الاتفاق، من أجل تيسير أمر تشكيل قيادة قادرة على الاطلاع بالمهام وتجاوز الأعطاب والأخطاء والمطبات، وتفادي السقوط في مأزق تعطيل المؤسسات، وتفادي الارتهان إلى النزوعات الشخصية المهووسة بإحكام القبضة على التنظيم ودواليب التسيير والاستحواذ على مواقع اتخاذ القرار.
فها هي الأمانة العامة تلعب على الحبال، لتُحَمِّل “الجميع” مسؤولية عدم التوفق في اختيار الكفاءات وتوجيه المسار، وتنأى بنفسها عن تحمل مسؤولية هذا الفشل. وها هم المناضلون المعنيون بالاختلاف حول تدبير الشأن الداخلي يحتجون على طريقة إدارة الحزب تهييئا للمؤتمر الوطني وما يليه من استحقاقات، ويعبرون علانية عن تخوفهم من المشاركة في دعم وتعزيز منطق الاستفراد المطلق بالقرار.
إن الاختلاف أمر عادي وصحي، عكس ما تعتقده المجموعة المتحلقة حول الأمين العام، وينم عن جدية في التعاطي مع قضايا الشأن التنظيمي، خاصة إذا ما تم الانطلاق من قاعدة التزام الأمين العام بإقناع مناضليه بهندسته القيادية للحزب وبرنامجه العملي، الآخذ بأولوية ترميم الأجهزة الحزبية وتقوية الذات التنظيمية، وباقتراحه سبل فك العزلة على الحزب داخل المشهد السياسي بالانفتاح على مختلف مكوناته تيسيرا للمساهمة في الاطلاع بأدوار التنظيم والتأطير داخل المجتمع.
وليس عيبا ألا يقتنع البعض بما يطرحه الأمين العام، أو أن تكون للبعض شروط قابلة للتفاوض. لكن العيب هو أن يتحدث الأمين العام عن الابتزاز والتمرد والانقلاب وأخطبوط المصالح والاقتيات من الفُتَات… فهو بذلك يقود الجميع إلى استنتاج أن لدى مجموعته رغبة حقيقية في التحكم، وعزم على تشكيل ملامح أعضاء يُرَاد لهم أن يكونوا منصاعين.
حقيقة، يصعب فهم بعض المفارقات القائمة في خطاب الأمين العام ومجموعته، الذي يُقِر تارة بوصوله إلى الباب المسدود من حيث إقامة التوازن التنظيمي المطلوب والحفاظ على أجهزته التنظيمية وسلامتها، وتارة يتشبث بإرسال إشارات دالة على نفي إمكانية سيناريو بديل عن ترؤس مجموعته للحزب مستقبلا.
فبدل التلويح بإرباك مسار التحضير للمؤتمر، وبدل دغدغة العواطف بادعاء الارتداد عن المنهجية الديمقراطية، وبدل المطالبة باحترام شرعية القانون والمؤسسات والالتزام بمقتضيات التأسيس، وبدل الترويج لسيناريوهات متهافتة، كان على الأمين العام تقدير ثقل المسؤولية الملقاة على عاتقه، وتغليب الحكمة على الانفعالات الزائدة والقرارات الطائشة، والاتصاف بمقومات الشخصية الجامعة والمتسمة بالوضوح في الرؤية وطرق التصريف.
واليوم، ما على الأمين العام سوى إعادة النظر في ممارساته وتصرفاته، وإدراك أن الحزب قائم بمناضليه ومناضلاته، وقيادته إن لم تحصل على دعمهم ومساندتهم فقد أصبحت معيقا ومعرقلا لأي تقدم في حل مشاكل الحزب، لأن الأمر مرتبط برفض عام للإذعان لعمليات الانتقاء الفوقية والاشتراطات المزاجية وشيطنة القواعد الحزبية.
وإذا كانت هناك من مواجهة اليوم، فهي التي تقودها المجموعة المتحلقة حول الأمين العام ضد كل مناضلي الحزب، لافتعال الوصول إلى حالة من الاختناق التنظيمي، وللمزيد من الإجهاز على ما تحقق من مكتسبات، ولشل قدرات الحزب وطاقاته، ولتهديد مقومات العيش المشترك داخل بنياته