محمد القصبي
وصل المدينة التي منها سيعرح في طريق سيار اخر الى حيث قريته الاصلية و التي لم يرها مدة تزيد عن عشرين سنة كاملة كان ان قضاها في السجن الانفرادي كمعتقل سياسي ..و كم مرة كان يردد لاصدقائه خلف القضبان انه في زعمه الخاص مجرد سجين الراي..اي انه ضحيةايمانه بالحق في التعبير عقيدة و مطلبا فيرد السجان مزمجرا / و قد كلم العصا على الباب الحديدي :
لكل شخص الحق في حرية الرأي و التعبير و يشمل هذا الحق حرية اعتناق الاراء دون أي تدخل واستقاء الانباء و الافكار و تلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية
يرد السجناء جماعيا:”لحقوق الانسان انتهى قول المشرع…/ الصمت المادة 19 من الإعلان العالمي
– الصمت حكمة و منو تفرقت لحكايم….. لو ك ما نطق ولد موكة ما يجيه لحنش هايم
فيردف القول ساخرا:
— ي الله نقطونا باسكاتكم اولاد موكى .. انتم خونة الوطن.. خصكم تموتواالف مرة في الثانية..وا اسكات اولاد القحاب
ما ان ينهي سبهلهم حتى تتعالى الاصوات مرددة النشيد الوطني دلالة على اخلاصهم للرموز المقدسة …-
انه الرأي الذي دفع لاجل القناعة به ثمنا باهضا من عمره اذ انساب هدرا بعد ان طوته الرتابة عدما .. و لا زال صادق الوعد عهدا رغم الانكسار و انحسار تلقيحات الافكار التي تمجد الحرية و الكرامة اذ كلاهما فوق كل اعتبار …
لم تخفه باب الزنزانة التي كتب عليها يوما /كل نفس ذائقة الموت …و لا حزم الاشرطة كاليغرافيا الزمن المجهول المؤطر رصدا بعداد العمر التقليدي عرفه بين السجناء الى ماشاء الله…
اشرطة قد نقشت بدقة بالغة على الجدران دلالة على الفراغ الممتد المحيط بنفس ما تتضمنه الزنازن من افرشة رثة .. اكواب لدائنية و قضبان حديدية تتم معالجتها اصلاحا على راس كل سنتين لشدة الرطوبة المؤثرة على الحديد رغم الصباغات المتكررة فكيف بجسد الانسان ان يقاوم صدا النسيان في مساحة تكييفية للحياة في القبر لاحقا.. الان فهو حر يمني نفسه باحلام رافقته زمن الاعتقال كامال تحيي النفس عندما يتخللها شعور بالاحباط….
في استراحة قصيرة للحافلة تمقهى في المحطة ذاتها.. اخذ فنجان شايه يحتسيه بسرعة مع قطعة خبز حاف ليحارب بهما جيوش الجوع التي انتفضت بعد الاستئناس بفرحة التحرير … لا مال له غير ما منحته اياه ادارة السجن من تذكرة السفر محدودة الساعة و وسيلة النقل .. لقد تناولها من مامور السجن مرتعشا … اربع ساعات لم يذق فيها طعم الاكل الا ما ناوله جاره في المقعد اذ استلم منه حصيصة استنكافا…و تعففا….
كان شديد الفرح لا تؤلمه غير طول المسافة التي سيقطعها لعناق الاهل هناك.. هناك خلف الافق البعيد.. من هنا مسافات في الجحيم انتظارا و ترقبا سيقطعها ضد الثواني وبالمقايسة فانها المسافة الحارقة عينها و التي توازي زمن اعتقاله حسا و احساسا….
و لانه سيحظى بزيارة اهله الذي من اجلهم قد استبد به الشوق وبدا ما له الان سبد و لا لبد الا ما تجنح به الخيال استحضارا لملامحهم التي تغيرت بفعل الزمن .. اوصافهم التي تسخنتها الفاقة و قلة ذات اليد …و مدى التجاعيد التي قد تصيب الصغير منهم يوم تركه نزقا سعيدا بطفولته يركض وراء الاغنام…
يتساءل حائرا عما ستؤول عليه اوضاعهم و من من المفترض ان يتخطفه الموت منهم صغيرا قد يكون..؟؟. شابا…؟؟كهلا..؟؟ او شيخا كابيه مثلا ؟؟ ..
و تترى الاسئلة التي تنتزع من فوهة بركان نشيط لا ينفك من قذف حممه الحارقة…و اذ هو في حيص بيص من غريب امره يرتشف شايه بين دفقة الفرحة و صعقة القلق اذا ما خذله القدر كأن يعانق الاطلال التي ستحكيه اساطير الغياب…. حتى ترا أى امامه سجانه الذي قضى و اياه ردحا من الزمن في زنزانة لا جغرافية لها و لا بوصلة تهدي اليها حيث جزيرة الظلام …
كم كان حريصا هذا السجان على اهانته و التنكيل به انى شاء …فعلى الرغم من ذلك ازدلف نحوه الطليق مبتسما .. حياه تحية الاسلام الواجبة في حقه فرضا مؤكدا..
فخورا منتشيا بحريته التي ادرك معناها الان رغم ما تعلمه عنها من المنفلوطي يوم كان تلميذا اصر على تكرار السلام ..ساعتئذ تسمر السجان في مكانه واجما مشذوها و كان على راسه الطير فانقلبت نظرته من شزراء الى وديعة حسيرة متكسرة ..رؤية تنبئ بالكثير من الاسرار التي فكت شفرتها خفوت ومضها …
تعانقا بحرارة …و السجان لا ينبس بكلمة الا بعد ان الح عليه صديقة و رفيقه في درب الحياة المغلق من ان يتكلم للاطلاع على الاحوال بعد فرقة ليست بالهينة ..اعتذر الحارس منه عما بذر منه من سلوكات لاانسانية في حقه و الجميع ..
كان هذا اول قوله..
قاطعه الطليق قائلا:
— لا تهتم سيدي لقد كنت موظفا يقوم بواجبه فحسب..
شكر الحارس طيبوبة فؤاده .. رقة قلبه و صفاء خاطره …و من ثمة اخذ يسال الحر الكريم بعفوه الحليم بكظم غيظه عن اصدقائه من الحراس .. لقد تركهم خلفه في مدار الواجب واجب الحراسة و التعذيب..
و كان الرد مختصرا على انهم بخير لا زالوا مناضلين لاجل القواعد الحبسية ملتزمين بوظيفتهم المهنية ردعا و اقرارا للامن العام داخل المؤسسة السجنية
لحظة صمت كانت لغتها حركات احتساء الشاي و اخذ نفس نت الدخان بعدئذ ساله السجين معقبا:
— اين كنت مسافرا سيدي
فرد الحارس متلعثما:
— كنت بادارة صندوق التقاعد اسوي وضعيتي و انت ماذا عنك؟؟؟
اجابمتفائلا:
كما ترى .. تحررت و الحمد لله على امل ان اتقاضى تعويضا عن اعتقالي التعسفي طبقا لقرار انبئنا به ….اننا و لله الحمد في عهد رجالات منحونا كرامتنا التي تتجوهر على كافة الحريات العامة …
شغل محرك الحافلة ولى السجان ظهره و توجه الى مقعده في الخلف متسائل انادما :
— هل من كنت اعذبهم كانوا ابرياء حقا .. و التهم ؟؟أ ملفقة لهم ؟؟ و لماذا اذا؟؟ … بينما الطليق قصد مكانه الى الامام محدثا نفسه و بعفو الخاطر ردد :
— الحمد لله الذي منحني حريتي و متعني بلحظة انتصار عمن كان اداة قمع لا تفقه في السياسة غير التكفير …. .
26/10/2015
القصر الكبير
المغرب الاقصى