إصلاح أنظمة التقاعد بالمغرب هل ننقذ الصناديق أم نعيد بناء العقد الاجتماعي

بقلم :الدكتور محمد محاسن

بقلم :الدكتور محمد محاسن

توطئة

لا يمكن لأحد أن ينكر اليوم أن إصلاح أنظمة التقاعد بالمغرب أضحى ضرورة اقتصادية واجتماعية تفرضها التحولات الديمغرافية وتغير بنية سوق الشغل وتزايد أعداد المتقاعدين مقارنة بالمساهمين. لقد سبق للمجلس الأعلى للحسابات أن نبه منذ سنوات إلى الهشاشة المالية لبعض النظم، ولا سيما نظام المعاشات المدنية، وإلى ضرورة الانتقال من الإصلاحات الجزئية إلى معالجة أكثر شمولاً لبنية النظام وحكامته واستدامته.

لكن الاتفاق على ضرورة الإصلاح لا يعني الاتفاق على أي إصلاح.

فالسؤال الحقيقي ليس: هل ينبغي إصلاح أنظمة التقاعد؟ بل : من يتحمل تكلفة الإصلاح؟ ولماذا؟ وبأي مقدار؟ وعلى أي أساس من العدالة والمسؤولية؟

لأن إصلاحاً يحقق التوازن المحاسبي للصناديق عن طريق تحميل الموظفين والأجراء الجزء الأكبر من تكلفة الاختلال وتبعاتها قد يكون إصلاحاً مالياً في الظاهر، لكنه قد يتحول في العمق إلى مصدر لاختلال اجتماعي أكبر.

ومن هنا يصبح إصلاح التقاعد سؤالاً في العدالة والأمن القانوني والثقة في الدولة والحوار الاجتماعي والسياسة الاقتصادية قبل أن يكون مجرد «حسابات مالية وديمغرافية بعيدة المدى (معادلة اكتوارية)»

التقاعد ليس منحة بل هو حق تكوّن عبر الزمن

من الصواب أولاً التخلص من ذلك التصور الضمني الذي يتعامل مع المعاش وكأنه امتياز تمنحه الدولة للموظف بعد انتهاء خدمته، فالتقاعد ليس هبة أو منحة كما نحلو تسميته رسميا، إنه حق مالي واجتماعي تكوّن عبر عشرات السنين بواسطة اقتطاعات إلزامية من دخل الموظف أو الأجير ومساهمات الجهة المشغلة وفق قواعد قانونية محددة. فالمنخرط لا يبدأ التفكير في معاشه عند بلوغ الستين، بل تبدأ حقوقه في التشكل منذ أول اقتطاع من أجره. ولهذا فإن تعديل قواعد التقاعد بالنسبة إلى شخص قضى عشرين أو ثلاثين أو أربعين سنة في نظام معين يختلف جذرياً عن تعديل قاعدة تنظيمية عابرة.

لقد رتب هذا الشخص حياته المهنية والأسرية والمالية على توقع مشروع مفاده أن الدولة التي فرضت عليه الاقتطاع ستلتزم في المقابل بالقواعد التي نظمت بها تكوين حقوقه. وهنا يظهر مفهوم بالغ الأهمية ألا وهو مفهوم الأمن القانوني.

فالقانون لا ينبغي فقط أن يكون مشروعاً عند صدوره، بل ينبغي أن يتيح للمواطن قدراً معقولاً من القدرة على توقع مستقبله.

عدم رجعية القانون وحماية الحقوق المكتسبة

ينص الفصل السادس من الدستور المغربي بوضوح على أن: «ليس للقانون أثر رجعي». لكن تناول هذا المبدأ يحتاج إلى دقة. فليس كل تطبيق لقانون جديد على شخص سبق توظيفه يعتبر تلقائياً تطبيقاً رجعياً. يستطيع القانون الجديد، من حيث المبدأ، تنظيم بعض الآثار المستقبلية للأوضاع القانونية المستمرة بغية تحسينها.

غير أن هناك فرقاً جوهرياً بين تنظيم المستقبل وبين إعادة احتساب حقوق تكوّنت بالفعل في الماضي وفق قانون سابق. وهذا هو لب الإشكال.

فإذا كان موظف قد راكم مثلاً ثلاثين سنة من الخدمة في ظل قاعدة تمنحه نسبة معينة عن كل سنة، فهل يجوز بعد ذلك إعادة احتساب السنوات نفسها بنسبة أقل لم تكن موجودة عندما أداها؟ هنا يصبح الأمر متعلقاً مباشرة بالحقوق المتكوّنة وليس فقط بالتوقعات المستقبلية. وهذا ليس مجرد اجتهاد نظري. فالاتفاق الاجتماعي الموقع في 29 أبريل 2024، كما تعرضه الوثائق الرسمية لوزارة الاقتصاد والمالية، نص على الانتقال نحو منظومة بقطبين عمومي وخاص مع الحفاظ على الحقوق المكتسبة داخل الأنظمة القائمة إلى تاريخ دخول الإصلاح حيز التنفيذ. وهذا الالتزام ينبغي أن يشكل أحد المعايير المركزية لتقييم أي صيغة نهائية للإصلاح.

لماذا سنة الميلاد وليس تاريخ الانخراط؟

تتحدث بعض المعطيات المنشورة عن اعتماد سنة 1967 فاصلاً بين فئات المشمولين ببعض المقتضيات الجديدة. وهنا يطرح سؤال قانوني ومنطقي بسيط : ما العلاقة بين سنة الميلاد وبين نشأة الحق في التقاعد؟ العلاقة القانونية بين الشخص وصندوق التقاعد لم تبدأ يوم ولادته، لقد بدأت يوم انخراطه وأدائه أول مساهمة. ولذلك يبدو تاريخ الانخراط ومدة الاشتراك أكثر صلة قانونياً بالحقوق التقاعدية من تاريخ الميلاد. فقد نجد شخصين التحقا بالوظيفة في الفترة نفسها وأديا الاقتطاعات نفسها وخضعا للقواعد نفسها لعقود، ثم تختلف معاملتهما بسبب فارق بسيط في تاريخ الميلاد.

ولذلك ينبغي، في أي نظام انتقالي عادل، أن يحتل تاريخ الانخراط والحقوق المتكوّنة ومدة الاشتراك مكانة أساسية في تحديد الوضع القانوني للمنخرط.

من 2.5% إلى 2% ثم ربما إلى 1.5%: إلى أين؟

شهد إصلاح سنة 2016 تخفيض معدل تكوين الحقوق بالنسبة إلى النظام المدني من 2.5% إلى 2% عن السنوات المعنية بالإصلاح، كما أدخل تغييرات أخرى همت سن التقاعد والأجر المرجعي. واليوم تشير تصورات منشورة إلى معدل 1.5% عن بعض سنوات الاشتراك الإضافية داخل النظام المرتقب.

يجب التنبيه هنا إلى أن هذه النسبة وغيرها من التفاصيل الواردة في بعض المواقع لا ينبغي التعامل معها كمقتضيات قانونية نهائية ما دام النص التشريعي الرسمي النهائي غير منشور. لكن مجرد تداولها يطرح سؤالاً أساسياً: كم مرة يجوز معالجة اختلال النظام بتخفيض الحقوق التي يحصل عليها المنخرط؟

فإذا كانت كل أزمة مالية تؤدي إلى : زيادة الاقتطاع ثم الرفع من سن التقاعد ثم توسيع مدة الأجر المرجعي، ثم تخفيض معدل تكوين الحقوق ثم فرض مساهمة تكميلية فإننا نكون أمام منطق يقوم باستمرار على إعادة توزيع العجز على المنخرط. وهذا ليس إصلاحاً بنيوياً بالضرورة. إنه قد يكون مجرد تغيير مستمر لمعاملات المعادلة نفسها.

توحيد الأنظمة: المساواة ليست دائماً عدالة

من المبادئ المطروحة منذ سنوات الانتقال إلى منظومة أكثر انسجاماً تقوم على قطبين: عمومي وخاص. وقد أكدت الحكومة رسمياً هذا التوجه في أكثر من مناسبة. ومن حيث المبدأ يمكن أن يكون هذا التطور إيجابياً، خصوصاً إذا سمح بنقل الحقوق بين الأنظمة وتجنب ضياعها عند انتقال الأجير من قطاع إلى آخر.

لكن التوحيد لا ينبغي أن يعني التسوية نحو الأسفل. فالمساواة في القواعد لا تكون عادلة دائماً عندما تختلف الأوضاع القانونية التي نشأت فيها الحقوق. فللوظيفة العمومية تاريخها القانوني ومساراتها المهنية وبنية أجورها والتزاماتها المتبادلة مع الدولة. وللقطاع الخاص بنيته المختلفة. والمطلوب ليس أن يخسر الجميع بالطريقة نفسها حتى نحقق المساواة. بل إن المطلوب بناء نظام أكثر انسجاماً مع صيانة الحقوق التي تكوّنت بصورة مشروعة في كل نظام.

تغيير الأجر المرجعي: إصلاح تقني ذو أثر اجتماعي كبير

من أهم عناصر حساب المعاش الأجر الذي يعتمد مرجعاً له. لقد انتقل النظام المدني سابقاً من قاعدة مرتبطة بآخر أجر إلى اعتماد متوسط أجور فترة زمنية محددة، وهي ثمان سنوات. واليوم تتداول تصورات عن توسيع هذه الفترة أكثر بتمديدها إلى عشر سنوات. قد يبدو الأمر تقنياً. لكنه في الواقع يغير بصورة مباشرة قيمة المعاش. فالعديد من المسارات المهنية تقوم على ارتفاع الأجر تدريجياً مع الأقدمية والترقي وتحمل المسؤوليات. وكلما وسعنا فترة المتوسط إلى سنوات أقدم ذات أجور أقل انخفض الأجر المرجعي، حتى وإن كان الموظف يؤدي في سنواته الأخيرة اقتطاعات على أساس أجر أعلى. وهنا يجب أن يكون السؤال واضحاً: هل الهدف من طريقة الحساب التعبير عن الحقوق التي مولها المنخرط، أم فقط خفض التزامات الصندوق؟

رفع سن التقاعد: العيش أطول لا يعني القدرة على العمل أطول

يستند جزء من مبررات رفع سن التقاعد إلى ارتفاع متوسط أمد الحياة. وهذا عامل ينبغي أخذه بجدية. لكن هناك خلطاً شائعاً بين أمد الحياة والقدرة المهنية على الاستمرار في العمل بالكفاءة نفسها. فالإنسان قد يعيش مدة أطول، لكن ذلك لا يعني أنه يحتفظ في الثالثة والستين أو الخامسة والستين بالطاقة الجسدية والنفسية ذاتها التي كانت لديه قبل عشرين سنة. كما أن المهن ليست متساوية في درجة الإجهاد. ولا يمكن النظر إلى الأستاذ والطبيب والجندي والعامل في البناء والموظف الإداري والعامل الصناعي وكأنهم يمارسون العمل نفسه. لذلك لا ينبغي أن يكون رفع السن قراراً ديمغرافياً صرفاً، وإنما نتيجة دراسة أثر مهنية وصحية واجتماعية واقتصادية.

لماذا نرفع سن التقاعد ولا نرفع عدد المساهمين؟

هنا نصل إلى إحدى المفارقات الأساسية في النقاش. إذا كان أحد أسباب الأزمة هو تراجع عدد المساهمين مقارنة بعدد المستفيدين، فإن الحل الرياضي الممكن ليس فقط جعل المساهم الحالي يدفع أكثر ويعمل أطول ويتقاضى أقل.  هناك حل آخريتمثل في زيادة عدد المساهمين. أي خلق فرص الشغل. فكل منصب شغل قار جديد يعني مساهمة جديدة في صندوق التقاعد. وكل شاب ينتقل من البطالة إلى الشغل يعني مورداً إضافياً للنظام.وكل عامل ينتقل من الاقتصاد غير المهيكل إلى العمل المصرح به يعني توسيع قاعدة التمويل.

ومن هنا فإن سياسة التشغيل ليست منفصلة عن إصلاح التقاعد، بل هي في جزء منها سياسة تمويل لأنظمة التقاعد. ولذلك ينبغي أن نسأل: لماذا تركز سيناريوهات الإصلاح على العمر والنسب والاقتطاعات أكثر مما تركز على النمو وخلق فرص الشغل وإدماج الاقتصاد غير المهيكل؟

بل قد تظهر مفارقة أكبر. فالتأخير المستمر لخروج الأجيال الموجودة من سوق الشغل قد يؤدي في بعض الوظائف إلى تأخير فتح المناصب أمام الشباب الذين تحتاج إليهم الصناديق نفسها كمساهمين جدد.

من الإصلاح البارامتري إلى الإصلاح البنيوي

إن الرفع من السن وتغيير معدل الاشتراك وتعديل نسبة المعاش وتوسيع مدة الأجر المرجعي تسمى في جوهرها إصلاحات بارامترية لأنها تغير معاملات النظام. وهي قد تكون ضرورية أحياناً. لكنها لا تكفي. فالإصلاح البنيوي الحقيقي يجب أن يطرح أيضاً أسئلة مختلفة: ما سياسة التشغيل؟ كيف نوسع قاعدة المنخرطين؟ كيف ندمج الاقتصاد غير المهيكل؟ ما مردودية استثمارات احتياطيات الصناديق؟ كيف تتم حكامة هذه الاستثمارات؟ هل التزمت جميع الأطراف، بما فيها الدولة باعتبارها مشغلاً، بجميع التزاماتها التاريخية تجاه الأنظمة؟ كيف توزعت مسؤولية الاختلالات؟ وما أثر القرارات السياسية والتدبيرية السابقة؟

لقد سبق للمجلس الأعلى للحسابات أن تناول في تقييمه لـCMR ليس فقط وضعية النظام، وإنما أيضاً استثمار الاحتياطيات والحكامة وتكاليف التدبير.وهو أمر مهم. لأن الإصلاح لا ينبغي أن يبدأ بالمنخرط وينتهي عنده.

قبل التضحية الجديدة: افتحاص تاريخي شامل

إذا كانت الدولة تطالب المواطن بتقديم تضحية جديدة من أجل إنقاذ النظام، فمن حقه أن يعرف أولاً ماذا حدث للنظام. وهنا يصبح إجراء افتحاص مستقل وشامل ضرورة سياسية وأخلاقية قبل أن يكون ضرورة محاسبية. ينبغي أن يجيب هذا الافتحاص عن أسئلة بسيطة: ما مجموع مساهمات المنخرطين؟ ما مجموع مساهمات المشغلين؟ ما الالتزامات التي لم تؤد في وقتها إن وجدت؟ كيف استثمرت الاحتياطيات؟ ما متوسط مردوديتها؟ ما القرارات التي ساهمت في الاختلال؟ ما الكلفة الحقيقية للعامل الديمغرافي؟ وما الكلفة التي يمكن نسبها إلى اختيارات التدبير؟

ولا ينبغي أن نتهم جهة معينة بتبديد أو اختلاس أموال دون وثائق مثبتة. لكن المطالبة بالكشف الكامل عن تاريخ التدبير ليست اتهاماً. إنها حق في المساءلة الواجبة على السلطة التشريعية. فالمنخرط الذي يطلب منه أن يدفع أكثر له الحق أن يعرف لماذا أصبح مطالباً بالدفع أكثر.

التقاعد التكميلي الإجباري: حماية إضافية أم اقتطاع إضافي؟

تفيد بعض المعطيات المنشورة عن إحداث تقاعد تكميلي إجباري بالنسبة إلى أصحاب الأجور المرتفعة. قد يكون للتقاعد التكميلي مبرر اقتصادي عندما يسمح بالحفاظ على مستوى معقول من الدخل بعد نهاية الخدمة.  لكن الإشكال يبدأ عندما يتحول النظام التكميلي إلى وسيلة لتعويض ضعف المعاش الأساسي بعد أن تم تخفيض قدرته على التعويض. حينها لا نكون قد وجدنا حلا للمشكلة، بل نقلنا جزءاً إضافياً منها إلى جيب المنخرط. لذلك ينبغي ألا تقاس جدوى أي نظام تكميلي بنسبة الاشتراك فقط. بل يجب نشر محاكاة واضحة تبين: كم سيدفع الموظف؟ وكم سيدفع المشغل؟ وكم سيكون الرأسمال المتراكم؟ وما المعاش الذي سيحصل عليه فعلياً؟ وما قيمة هذا المعاش بالأسعار الحقيقية بعد احتساب التضخم؟ فالاقتطاع الإضافي اليوم لا يكون مكسباً إلا إذا أثبت عائده المستقبلي.

الخطر الصامت: من التفكير في العمل إلى التفكير في النجاة بعد التقاعد

لإصلاح التقاعد أثر اقتصادي آخر لا يظهر في البيانات المالية للصناديق. يتعلق الأمر بأثره في سلوك الموظف أثناء حياته المهنية. فالشخص الذي يشعر بالأمان تجاه مستقبله يستطيع أن يركز جزءاً أكبر من طاقته على عمله. أما إذا أصبح مقتنعاً بأن دخله بعد التقاعد قد ينخفض انخفاضاً حاداً، فإن ذهنه يقع تحت دوامة  سؤال آخر: بماذا سأعيش عندما أتقاعد؟   وقد يدفعه ذلك سنوات قبل التقاعد إلى تحويل جزء من وقته وطاقة تفكيره نحو بناء مصادر دخل بديلة. وهكذا تتحول المسألة من مشكلة مستقبلية إلى مشكلة إنتاجية حاضرة. فالخوف من التقاعد قد يخفض التركيز والرضا المهني والالتزام بالمؤسسة. وهناك تكلفة اقتصادية لذلك حتى وإن لم تظهر في الحسابات الاكتوارية «الحسابات المتعلقة باستدامة الصناديق».

الوظيفة الثانية وتضارب المصالح والاقتصاد غير المهيكل

إذا أصبح الدخل الأساسي غير كاف لضمان المستقبل، فمن الطبيعي أن يبحث الأفراد عن مصادر بديلة. وقد يكون هذا البحث مشروعاً تماماً. لكن عندما يتحول النشاط الإضافي من خيار إلى ضرورة اقتصادية جماعية، تظهر مخاطر أخرى. قد يبدأ بعض الموظفين والأجراء في تخصيص وقت وطاقة متزايدين لأنشطة موازية على حساب وظائفهم الأصلية. وقد تتسع مخاطر تضارب المصالح والعمل غير المصرح به والأنشطة غير المهيكلة. ناهيك عن ارتفاع أعداد طلبات التقاعد النسبي- خلال المرحلة الانتقالية، بل وقبلها بكثير كما هو الشأن حاليا، هروبا من الوقوع في مغبة النظام الجديد و حدًّا من تداعياته السلبية على الدخل.

وهنا تظهر مفارقة أخرى: قد توفر الدولة على صندوق التقاعد في المستقبل، لكنها تخسر إنتاجية الموظف في الحاضر. والسياسة العامة الرشيدة لا تحسب الكلفة في صندوق واحد فقط. بل تحسبها في الاقتصاد والمرفق العام والثقة والسلوك الاجتماعي أيضاً.

التقاعد والقدرة الشرائية

يصبح الأمر أكثر حساسية عندما يتعلق بالسن التي ترتفع فيها بعض الحاجات بدلاً من أن تنخفض. فالتقاعد يتزامن غالباً مع ازدياد نفقات الصحة والعلاج والحاجة إلى رعاية أكبر. في المجتمع المغربي يستمر عدد كبير من المتقاعدين كذلك في مساعدة أبنائهم أو إعالة بعض أفراد الأسرة. ولهذا فإن الانتقال المفاجئ من أجر مهني مرتفع نسبياً إلى معاش منخفض جداً قد يمثل صدمة اجتماعية حقيقية.

وعليه فلا ينبغي أن نقيس المعاش فقط كنسبة من الأجر. بل ينبغي أن نسأل: هل يكفي للحفاظ على الحد الأدنى من نمط العيش الذي بناه الشخص خلال سنوات عمله؟ وهل يحافظ على كرامته واستقلاله المالي؟

إصلاح التقاعد والسلم الاجتماعي

إن التقاعد ليس ملفاً تقنياً منفصلاً عن الاستقرار الاجتماعي. إنه أحد الأركان التي يبني عليها المواطن ثقته في المستقبل. إذا شعر جيل كامل بأنه مُلزم بأداء اقتطاعات أكبر والعمل مدة أطول مقابل حقوق أقل، فقد ينشأ شعور جماعي بعدم الإنصاف. وإذا اجتمع ذلك مع ارتفاع الأسعار والضغط على القدرة الشرائية وصعوبة حصول الشباب على الشغل، فإن الخطر لن يبقى محصوراً في رفض إصلاح تقني. بل يمكن أن يتحول إلى احتقان اجتماعي وتراجع للثقة في المؤسسات. وهو احتمال لا نسوقه للتعامل معه بخطاب تهويلي. لكن لننبه على ضرورة عدم إهماله. فالاحتجاج الاجتماعي له تكلفة. وعدم الاستقرار له تكلفة. وفقدان الثقة له تكلفة. وبالتالي فإن السلم الاجتماعي نفسه متغير اقتصادي ينبغي إدخاله في حساب الإصلاح.

وأين هم الفرقاء الاجتماعيون؟

تؤكد الحكومة أن إصلاح التقاعد يتم في إطار مقاربة تشاركية وحوار مع الشركاء الاجتماعيين. وقد انعقد في 9 يوليوز 2026 اجتماع جديد للجنة التقنية المكلفة بالإصلاح بعد اجتماعات للنقابات مع الصناديق الأربعة. وهذا في ذاته أمر إيجابي. لكن وجود النقابات حول طاولة الحوار لا يكفي لإثبات فعالية الحوار. فمن حق المنخرطين أن يعرفوا بصورة واضحة: ماذا اقترحت المركزيات النقابية؟ ما الذي رفضته؟ ما الذي قبلته؟ وما خطوطها الحمراء؟ وماذا تحقق من الاعتراضات التي أعلنتها؟ بدلا من التركيز على التلويح بالوسادة في الرواتب الضعيفة لفئة من المتقاعدين الذين تصاعدت تنديداتهم و مطالبهم المشروعة بشكل كبير مؤخرا.

إن التنظيم النقابي لا يستمد مشروعيته فقط من مشاركته في الاجتماعات، وإنما من قدرته على تمثيل مصالح منخرطيه بكل فئاتهم، وإخبارهم بما يجري ومساءلة السلطة عند الضرورة. وإذا استمر مشروع يمس مستقبل مئات الآلاف من الأشخاص بينما لا يسمع هؤلاء سوى أخبار متفرقة وتسريبات ومواقف عامة، فقد تتآكل الثقة ليس فقط في الحكومة، وإنما حتى في المؤسسات الوسيطة.

وحينها يصبح السؤال مشروعاً: من يمثل المنخرط عندما يعاد التفاوض حول مستقبل دخله؟ إن أخطر نتيجة ممكنة لإصلاح سيئ التدبير قد لا تكون أزمة صندوق التقاعد. بل أزمة الثقة في الحكومة والصندوق والنقابة معاً. بين المعلن رسمياً والمتداول إعلامياً

وهنا تفرض الأمانة العلمية ملاحظة ضرورية. تتداول بعض المواقع منذ يوليوز 2026 تفاصيل دقيقة جداً عن الإصلاح: سن 63 سنة، واعتماد سنة 1967 بداية لبعض التدابير، وحساب المعاش وفق عشر سنوات، ونسبة 1.5% لبعض سنوات الاشتراك، وسقف 75%، وتقاعد تكميلي إجباري لبعض الدخول لكن هذه المعطيات ينبغي التعامل معها بحذر إلى حين نشر النص التشريعي الرسمي.

فأحد المصادر المتداولة، وهو e-RH، يذكر من جهة أن النص اعتمد في «مجلس الوزراء»، ثم يوضح في الصفحة نفسها أن التصويت البرلماني ما زال متوقعاً وأن المشروع لم يدخل بعد حيز التطبيق ويمكن أن تتغير بعض معاييره. في المقابل، كانت التصريحات الرسمية في يونيو ويوليوز 2026 لا تزال تتحدث عن استمرار المشاورات داخل اللجنة التقنية وعن السعي إلى إصلاح شامل وتوافقي.

لذلك فإن النقد المسؤول لا يحتاج إلى تقديم كل رقم متداول وكأنه قانون نافذ. بل على النقيض من ذلك. ينبغي أن نقول: إذا كانت هذه هي المعايير المقترحة فعلاً، فما مبرراتها وما آثارها؟ وإذا لم تكن كذلك، فلماذا لا تنشر الحكومة تصوراً رسمياً مفصلاً يضع حداً للالتباس؟ فالشفافية جزء من الإصلاح.

ثلاثة أبعاد للاستدامة وليس بعداً واحداً

يقوم النقاش الحكومي غالباً على مفهوم «استدامة أنظمة التقاعد». وهو مفهوم صحيح وضروري. لكن الاستدامة ليست مالية فقط. هناك على الأقل ثلاثة أنواع من الاستدامة: استدامة مالية تحفظ قدرة الصندوق على الوفاء بالتزاماته، واستدامة اجتماعية تضمن أن يستطيع المتقاعد العيش بكرامة، واستدامة مؤسسية تحافظ على ثقة المواطن في الدولة والقانون والمؤسسات الوسيطة. ولا يكون الإصلاح ناجحاً إذا أنقذ الأولى وهدم الاثنتين الأخريين.

فالمنظومة المستدامة ليست تلك التي تكتفي بالقدرة على دفع المعاشات بعد عشرين سنة. بل هي تلك التي تستطيع أن تضمن للناس أيضاً العيش بتلك المعاشات واستمرار ثقتهم في قواعدها.

ما البدائل التي ينبغي استنفادها؟ ليس المطلوب الدفاع عن الوضع القائم. بل بناء إصلاح أوسع، إصلاح يمكن أن يقوم على المبادئ التالية:

ـ إجراء افتحاص مالي وتاريخي مستقل لكل نظام ونشر خلاصاته الأساسية.

ـ حماية جميع الحقوق المكتسبة إلى تاريخ دخول الإصلاح الجديد حيز التنفيذ وفق ما سبق الاتفاق عليه في الحوار الاجتماعي.

ـ اعتماد انتقال تدريجي يأخذ في الاعتبار تاريخ الانخراط ومدة الاشتراك وليس سنة الميلاد وحدها.

ـ دراسة أثر كل تعديل على القدرة الشرائية قبل اعتماده.

ـ توسيع قاعدة المساهمين عبر سياسة وطنية قوية للتشغيل.

ـ تسريع إدماج الاقتصاد غير المهيكل في النظام الاجتماعي.

ـ تحسين مردودية استثمارات احتياطيات الصناديق مع تعزيز الشفافية والحكامة.

ـ التفريق بين المهن عند تحديد سن التقاعد وفق درجة المشقة.

ـ عدم فرض أي نظام تكميلي إلا بعد إثبات مردوديته الحقيقية للمنخرط.

ـ ووضع آلية دورية لمراجعة المعاشات وفق تطور الأسعار وتكاليف المعيشة.

عشرة أسئلة إلى الحكومة والفرقاء الاجتماعيين

قبل اعتماد الإصلاح النهائي، من حق المنخرطين الحصول على أجوبة واضحة عن عشرة أسئلة:

  1. ما النص الرسمي الكامل للإصلاح وما المعايير التي تم الاتفاق عليها فعلياً؟
  2. كيف ستُحترم قاعدة الحفاظ على الحقوق المكتسبة إلى تاريخ دخول الإصلاح حيز التنفيذ التي وردت في اتفاق الحوار الاجتماعي؟
  3. لماذا يعتمد تاريخ الميلاد معياراً لبعض الإجراءات بدل تاريخ الانخراط ومدة الاشتراك؟
  4. ما مقدار الخسارة أو الربح المتوقع لكل فئة من المنخرطين مقارنة بالنظام الحالي؟
  5. ما نصيب كل من العامل الديمغرافي وسوق الشغل والتدبير والاستثمار والسياسات السابقة في الاختلال المالي لكل صندوق؟
  6. هل أجري افتحاص تاريخي شامل للالتزامات المتبادلة بين الدولة والصناديق وهل ستنشر نتائجه؟
  7. لماذا لا تشكل سياسة خلق فرص الشغل وتوسيع قاعدة المساهمين محوراً رئيسياً في استراتيجية استدامة الصناديق؟
  8. ما المردودية الفعلية لأي تقاعد تكميلي إلزامي مقارنة بحجم الاقتطاعات الجديدة؟
  9. ما موقف كل مركزية نقابية بالتحديد من سن التقاعد ونسب الاشتراك وطريقة احتساب المعاش وحماية الحقوق المكتسبة؟
  10. هل أُنجزت دراسة مستقلة لأثر الإصلاح على القدرة الشرائية والإنتاجية وسوق الشغل والسلم الاجتماعي؟

عود على بدء: من سينقذ من؟

إصلاح التقاعد ضرورة. لكن الضرورة لا تعفي من العدالة. ولا أحد يمكنه المطالبة بصندوق قادر على أداء معاشات لا يملك موارد لتمويلها. لكن بالمقابل لا يمكن مطالبة الموظف أو الأجير بأن يكون الممول الأخير لكل اختلال. لقد أدى مساهماته عندما طُلب منه ذلك. واشتغل المدة التي حددها القانون. وبنى حياته على قواعد وضعتها الدولة نفسها. فإذا قررت الدولة تغيير تلك القواعد، فإن واجبها ليس فقط إثبات أن الإصلاح ضروري. بل إثبات أيضاً أن الأعباء وزعت بعدالة وأن البدائل استُنفدت وأن الحقوق المكتسبة حُميت وأن المسؤوليات حُددت. وإلا فإننا قد ننجح في تمديد عمر الصندوق بينما نقلص الأمان الاجتماعي للإنسان. قد نحسن مؤشراً اكتوارياً ونضعف القدرة الشرائية. قد نوفر موارد للمستقبل ونخفض إنتاجية الحاضر. وقد نحافظ على الحسابات ونخسر الثقة.

لهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يوجه الإصلاح ليس: كيف نجعل صناديق التقاعد تعيش مدة أطول؟ بل: كيف نضمن أن تعيش الصناديق والمتقاعدون معاً بصورة مستدامة؟ فالاستدامة المالية التي تفضي إلى الهشاشة الاجتماعية ليست استدامة كاملة، والإصلاح الذي يحمل الأجيال الحالية وحدها تكلفة أخطاء الماضي ليس عدالة بين الأجيال، والقانون الذي لا يصون الحقوق المكتسبة يضعف الأمن القانوني، والحوار الذي لا يعرف المواطن نتائجه يفقد جزءاً من وظيفته.

أما الإصلاح الحقيقي، فينبغي أن يقوم على معادلة أكثر توازناً: لا حقوق من دون مساهمة، ولا استدامة من دون إصلاح، ولا إصلاح من دون عدالة، ولا تضحية من دون مساءلة، ولا انتقال من دون حماية المكتسبات، ولا ثقة من دون شفافية.

عندها فقط يمكن الحديث عن إصلاح نظام التقاعد لا باعتباره عملية لإنقاذ الصناديق فحسب، بل باعتباره إعادة بناء للعقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن حول حول العمل والشيخوخة والكرامة والثقة في المستقبل.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد