ذ. محمد معروف، جامعة شعيب الدكالي
غالباً ما تُناقش قضايا الريع وضعف الإنتاجية والفساد والبطالة في المغرب من منظور اقتصادي أو قانوني يركز على التمويل، ومناخ الأعمال، وفعالية المؤسسات، وتطبيق القوانين. ولا شك في أهمية هذه المقاربات، لكنها لا تفسر وحدها استمرار بعض السلوكيات حتى عندما تتغير القوانين أو تُحدث مؤسسات جديدة للمراقبة والتدبير. فالممارسات الاقتصادية والإدارية لا تنتج عن المصالح المادية فقط، بل تتشكل أيضاً داخل ثقافة تحدد معنى الثروة، وقيمة العمل، وصورة النجاح، وحدود المشروع وغير المشروع.
تتناول هذه المقاربة الثقافوية التي تتبنى المادية الثقافية عدداً من الممارسات الاقتصادية والإدارية في ضوء مفهوم “الغنيمة” كما استعمله محمد عابد الجابري في تحليله للعقل السياسي العربي. ولا يعني ذلك أن الغنيمة التاريخية تستمر اليوم في صورتها النمطية، بل إن منطقهاً الثقافي، قد يُعاد إنتاجه في أشكال حديثة، حيث تتحول الثروة من ثمرة للعمل والجهد والإنتاج إلى مورد جاهز يجري التنافس على اقتناصه والاستحواذ عليه. وفق هذه الأطروحة، يمثل الريع تحولاً مؤسساتياً حديثاً لمنطق الغنيمة. فقد انتقل الاستحواذ من استخدام القوة للاستيلاء على ممتلكات الغير باسم الشرائع إلى السعي وراء الاستحواذ على الرخص والامتيازات والنفوذ وربح الصفقات والنفاذ الى المواقع الإدارية، ومن السطو المعلن إلى الفساد والتحايل واستغلال الثغرات القانونية، ومن نهب الآخر الخارجي إلى استخراج المنافع من الدولة والمال العام والعمل غير المهيكل. لذلك لا ينبغي اختزال الريع والفساد في خروقات قانونية منفصلة، بل ينبغي النظر إليهما بوصفهما جزءاً من تمثل ثقافي أوسع للثروة والعمل والاستحقاق.
الغنيمة بوصفها تمثلاً للثروة
تقوم ثقافة الإنتاج على تصور يعتبر الثروة نتيجة للعمل والجهد والمعرفة والمهارة وتراكم التجارب. أما منطق الغنيمة فيقوم على الاعتقاد بوجود مورد جاهز ينبغي الوصول إليه واقتسامه أو الاستحواذ على أكبر نصيب منه. ولذلك لا يكون السؤال المركزي: ماذا يمكن أن ننتج؟ بل: ما الذي يمكن أن نحصل عليه؟ ومن يملك الطريق الأقصر إلى المورد؟ كانت الغنيمة تاريخياً مرتبطة بالاستيلاء على أموال الآخر وممتلكاته خارج الجماعة، ثم إعادة توزيعها داخل نظام اجتماعي يمنحها الشرعية. وهي بذلك تفصل بين اكتساب الثروة وبين العمل المنتج، وتجعل القوة والجرأة والقدرة على الاستحواذ من مصادر الاستحقاق. أما في المجتمع المعاصر، فقد يستمر هذا المنطق من خلال تصور الثروة باعتبارها فرصة ينبغي اقتناصها، لا قيمة ينبغي بناؤها.
وفي السياق الاجتماعي المغربي، تتجلى هذه التمثلات في نسق ثقافي متداول يحدد معاني العمل والثروة والنجاح ويمنحها دلالاتها الاجتماعية؛ من قبيل القول: “موفما”، و”صيد شي هوته/ همزه”، و”الشطارة”، و”الله يجعل الغفلة بين البايع والشاري”. ولا يحيل هذا المعجم بالضرورة إلى الجريمة، لكنه يكشف عن مخيال اقتصادي يثمن الوصول السريع إلى المورد والعلاقة النافعة أكثر مما يثمن العمل المتدرج الطويل. وقد يصبح احترام القواعد، داخل هذا المخيال، علامة على السذاجة، بينما يُقدم التحايل باعتباره ذكاءً و”شطارة”. وهنا تتحول القدرة على تجاوز الآخرين أو الالتفاف على القانون إلى نوع من الرأسمال الرمزي، في حين يبدو العمل المنظم طريقاً بطيئاً يخص من لا يملك النفوذ أو الحيلة.
الريع بوصفه الصيغة الحديثة للغنيمة
يمكن النظر إلى الريع باعتباره الصيغة الحديثة والمؤسساتية لمنطق الغنيمة. فالغنيمة القديمة كانت تعتمد القوة المباشرة، بينما يعتمد الريع على التحكم في مورد نادر أو الحصول على امتياز، أو رخصة، أو معلومة، أو موقع إداري، أو شبكة علاقات. قد يحصل الفاعل على عوائد مستمرة لا بسبب قيمة أضافها إلى الاقتصاد، بل بسبب امتلاكه حقاً أو امتيازاً لا يتوفر للآخرين. وقد يظهر ذلك في بعض الرخص، أو الصفقات، أو العقارات، أو مأذونيات النقل، أو رخص استغلال المقالع، أو الصيد، أو المعلومات غير المتاحة لجميع المتنافسين. ولا يعني هذا أن كل رخصة أو صفقة أو استثمار عقاري هو ريع بالضرورة، لأن هذه الأنشطة قد تتطلب رأس مال وتنظيماً وتخلق فرص عمل. يظهر الطابع الريعي عندما يكون مصدر الربح الأساسي هو الاحتكار، أو الامتياز، أو الموقع، أو النفوذ، لا الإنتاج والابتكار وإضافة القيمة. كما قد يتخذ الريع مظهراً قانونياً. فقد تُحترم المسطرة شكلياً، بينما يجري تفريغها من غايتها بواسطة العلاقات، أو تكييف الشروط، أو توجيه المنافسة، أو استغلال الثغرات. وهنا تصبح قانونية الإجراء غطاءً لاستحواذ غير عادل، ويحل التحايل المؤسساتي محل السطو المباشر.
الفساد والسلوك الملتوي بوصفهما امتداداً للغنيمة
ينبغي فهم الفساد، في هذا السياق، لا باعتباره مجرد انحراف أخلاقي فردي، بل بوصفه أحد المسالك التي يتحول عبرها منطق الغنيمة إلى ممارسة يومية. فالرشوة، والمحسوبية، واستغلال النفوذ، وتضارب المصالح، وتزوير الوثائق، والغش، والتلاعب بالصفقات أو الامتحانات، كلها وسائل للحصول على مال أو منصب أو امتياز من دون المرور عبر الجهد والاستحقاق المنتج. يعبر الفساد عن تصور يعتبر المؤسسة مورداً يمكن استخراجه لمصلحة خاصة. فالموظف الذي يطلب مقابلاً غير مشروع لتقديم خدمة عامة لا يرى وظيفته أمانة، بل موقعاً يتيح له فرض ضريبة ‘فتوة’ على المواطن. والمسؤول الذي يوجه صفقة نحو قريب أو حليف يحول السلطة المفوضة إليه إلى ملكية خاصة. كما أن من يستعمل المعلومة الداخلية أو النفوذ الإداري لتحقيق الربح يعيد إنتاج منطق الغنيمة داخل بنية قانونية حديثة. ويندرج ضمن ذلك ما يمكن تسميته بالسلوكيات التحايلية الرامية إلى تحصيل منفعة مادية: مثلا، تقديم معلومات كاذبة، أو تضخيم الفواتير، أو استعمال شركات وهمية، أو إخفاء الأرباح، أو التحايل على الضرائب، أو تزوير الشهادات، أو استغلال ثقة الآخرين، أو خرق العقود مع الحفاظ على المظهر القانوني. لا تقوم هذه الممارسات على الإنتاج، بل على نقل المال من الآخرين إلى الفاعل بواسطة الخداع أو النفوذ. ويتجلى عمق المشكلة حين يُنظر إلى من ينجح في هذه الأساليب باعتباره “حاذقاً” أو “عارفاً بالسوق”، بينما يوصف الملتزم بالقانون بأنه ساذج. عندئذ لا يبقى الفساد فعلاً سرياً فحسب، بل يتحول إلى نموذج ثقافي للفطنة الاجتماعية، وتصبح القدرة على الإفلات من المحاسبة دليلاً على الذكاء. ومع ذلك، لا ينبغي اختزال الفساد في الثقافة وحدها؛ فهو يرتبط أيضاً بضعف الشفافية، وتعقيد الإجراءات، وغياب المحاسبة، والتفاوت في السلطة، وهشاشة الأجور أحياناً. لكن هذه العوامل المؤسساتية لا تنتج الفساد آلياً، بل تتفاعل مع تمثلات ثقافية تبرره أو تخفف من خطورته أو تقدمه بوصفه طريقاً طبيعياً للنجاح.
أخلاق الجماعة في مواجهة الأخلاق الكونية
نشأت الغنيمة تاريخياً داخل تقسيم أخلاقي بين الجماعة الداخلية والآخر الخارجي. فحقوق أعضاء الجماعة تُحمى، بينما تصبح ممتلكات الآخر الغريب عن الجماعة وعن معتقداتها قابلة للاستباحة. ويمكن أن يستمر هذا التقسيم في الممارسات المعاصرة حين لا يُعامل المال العام باعتباره ملكاً فعلياً للمواطنين، بل مورداً بلا صاحب مباشر. فقد يدين الفرد سرقة شخص يعرفه، لكنه لا يشعر بالدرجة نفسها من الإدانة تجاه التهرب الضريبي، أو سرقة الماء والكهرباء، أو احتلال الملك العمومي، أو استعمال سيارة المؤسسة لأغراض خاصة، أو الاستفادة من تعويض غير مستحق. وتبدو الضحية في هذه الحالات غير مرئية، لأن الضرر موزع بين عدد كبير من المواطنين. يكشف ذلك عن تعثر الانتقال من أخلاق القرابة والجماعة الضيقة إلى أخلاق المواطنة الكونية. فالمال العام ليس مالاً مجهول الملكية، بل هو حق في المدرسة والمستشفى والطريق والحماية الاجتماعية. والتهرب من المساهمة فيه أو الاستيلاء عليه لا يمثل مجرد حيلة تجاه الدولة، بل انتزاعاً غير مباشر لحقوق الآخرين.
الفتوة الاقتصادية وتحميل الآخرين تكلفة الربح
ينتج منطق الغنيمة نموذجاً للفاعل يمكن تسميته “بالفتوة الاقتصادية”. ولا تعتمد قوة هذا الفاعل على الإنتاجية وحدها، بل على القدرة على فرض الأمر الواقع واختراق القواعد واستعمال العلاقات وإسكات الاعتراض. تظهر هذه الفتوة في احتلال الملك العمومي، أو التوسع خارج حدود الترخيص، أو تشغيل العمال من دون حقوق، أو مخالفة معايير البناء، أو استغلال النفوذ لتجنب المراقبة. وفي هذه الحالات لا يأتي الربح من رفع الكفاءة، بل من نقل التكلفة إلى الآخرين. فالمشغل يربح لأنه لا يصرح بالعامل، والمقاول يربح لأنه يقلص الجودة، وصاحب المشروع يربح لأنه يستعمل فضاءً عمومياً مجاناً، والمحتكر يربح من الندرة لا من تطوير المورد. ويصبح العامل والمستهلك والبيئة والدولة أطرافاً تتحمل التكلفة التي تسمح بتضخم الربح الخاص. ويتجلى المنطق نفسه في بعض المشروعات الصغيرة التي تحقق مداخيل شهرية مهمة، بينما يكتفي صاحبها بعامل أو عاملين يتحملان ساعات طويلة ومهام متعددة. لا ينصرف اهتمامه إلى توسيع المشروع أو تحسين ظروف العمل أو خلق وظائف إضافية، بل إلى تقليص تكلفة اليد العاملة وتعظيم الربح الشخصي. وهنا لا تكون الربحية نتيجة للتنظيم والابتكار بقدر ما تكون نتيجة لتحميل عدد محدود من العمال أعباء مشروع أكبر من طاقتهم. لا تتمثل المشكلة، إذن، في الربح ذاته، بل في الطريقة التي يتحقق بها. فهناك فرق بين ربح ينتج من المعرفة والابتكار والتنظيم، وربح يقوم على انتقاص حقوق الآخرين أو استغلال هشاشتهم أو الاستيلاء على موارد مشتركة.
انفصال الثروة عن العمل
في الثقافة الإنتاجية، يرتبط الدخل بالعمل والمهارة والمسؤولية. أما في ثقافة الغنيمة، فقد يصبح العمل وضعاً اضطرارياً يخص من لم يصل بعد إلى مورد ريعي. ويصبح الطموح هو الهروب من العمل مع استمرار الدخل، لا تطوير العمل والارتقاء به. يظهر ذلك في البحث عن عقار يدر دخلاً، أو مشروع يديره الآخرون، أو وظيفة توفر راتباً ثابتاً بأقل جهد، أو صفقة تحقق عائداً سريعاً. وينفصل بذلك معنى الثروة عن معنى الإنتاج، فترتبط المكانة بالملكية والدخل السلبي أكثر من ارتباطها بالقيمة التي يخلقها الفرد. ولا يعني ذلك أن البحث عن الأمان المادي غير مشروع، لكنه يصبح مشكلة حين تتحول قلة العمل إلى معيار للنجاح، وحين يقال إن “الحاذق هو من يعمل أقل ويربح أكثر”. عندئذ يصبح الاجتهاد موضع سخرية، ويتحول التهرب من الواجب إلى مهارة اجتماعية.
الإدارة والغنيمة الوظيفية
لا يقتصر هذا المنطق على السوق، بل يمتد إلى الوظيفة العمومية والإدارة. ففي الثقافة المهنية المنتجة، يفترض أن يرتبط الأجر والترقية وتولي المسؤولية بالكفاءة والأداء وجودة الخدمة. غير أن الوظيفة قد يعاد تمثلها بوصفها مورداً مضموناً ينبغي استخراج أكبر قدر من المنافع منه مع تقليل الواجبات. يكشف الخطاب اليومي داخل بعض المؤسسات عن هذا التصور من خلال نسق تعبيري مثل: “لا تُظهر كفاءتك أكثر من اللازم، حتى لا تتحول كفاءتك إلى عبء إضافي عليك “، و”الذي يعمل كثيراً يعاقب بمزيد من العمل”، و”المهم أن يمر الشهر”. لا تعكس هذه العبارات كسلاً فردياً فقط، بل تبني قاعدة مهنية يصبح فيها التهرب ذكاءً والاجتهاد ضعفاً في المناورة. وتبرز الثقافة نفسها في التسابق على العطل والرخص المرضية والتكليفات المريحة، وفي محاولة الابتعاد عن المصالح التي تتطلب جهداً أو احتكاكاً بالمواطنين. وقد تتحول المؤسسة إلى فضاء لدفع الأعباء نحو الآخرين والاحتفاظ بالمنافع. وحين لا تميز المؤسسة بوضوح بين المجتهد والمتقاعس، يتحول الراتب من مقابل لخدمة تؤدى إلى حق ثابت منفصل عن الإنتاج. وتكتسب الوظيفة، بذلك، خصائص المورد الريعي الذي يحصل صاحبه منه على دخل ومكانة وحماية، من دون علاقة متناسبة مع ما يقدمه للمؤسسة.
الترقية والغش الإداري
يظهر منطق الغنيمة أيضاً في الترقية المهنية. فمن المفترض أن تعكس الترقية تطوراً في الخبرة والكفاءة وتحمل مسؤوليات أكبر، لكنها قد تتحول إلى مجرد ارتفاع في الأجر والدرجة. يتجلى ذلك في امتحانات موظفين قد يشوبها الغش أو تسريب المعلومات أو المحاباة، وفي ملفات ترقية تُجمع فيها الشهادات والأنشطة والوثائق بطريقة شكلية. ولا يصبح الهدف إثبات القيمة التي أضافها الموظف إلى المؤسسة، بل بناء ملف يسمح بالحصول على الزيادة المالية. تتحول الدرجة، هنا، إلى غنيمة إدارية يتنافس عليها الموظفون، لا باعتبارها اعترافاً بالتطور المهني، بل باعتبارها مورداً مادياً دائماً. وقد ينجح الموظف في تطوير رتبته من دون أن يطور أداءه أو علاقته بالمرتفقين. كما أن الغش في الامتحانات أو تزوير الوثائق أو تضخيم الأنشطة لا يمثل فقط خرقاً إجرائياً، بل يعكس تمثلاً يرى أن الهدف هو الوصول إلى المنفعة بأي وسيلة. ويصبح النجاح الشكلي بديلاً عن الاستحقاق، وتتحول المؤسسة إلى مجال للمنافسة على المكاسب لا لتطوير الخدمة.
المناصب الإدارية بين المسؤولية والغنيمة
يمتد المنطق نفسه إلى التنافس على المناصب الإدارية. فالمسؤولية، في معناها المؤسساتي، تكليف يقتضي القيادة والمحاسبة وتنظيم العمل وحل المشكلات. غير أنها قد يعاد تمثلها باعتبارها تشريفاً، ومصدراً للتعويضات، والنفوذ، والمكانة. عندئذ لا يدور التنافس حول من هو الأقدر على تطوير المؤسسة، بل حول من يستطيع الوصول إلى المنصب. وقد يجري ذلك من خلال بناء شبكات الولاء، والتقرب من أصحاب القرار، وتشكيل التحالفات، وتضخيم الحصيلة المهنية، أو تحويل المقابلات واللجان إلى مساطر شكلية. ولا تنتهي الغنيمة بالحصول على المنصب؛ فقد يبدأ المسؤول بعد ذلك في حماية موقعه، واحتكار المعلومات، والتحكم في التوقيع، وتوزيع الامتيازات على المقربين، وإبعاد الكفاءات المستقلة. وقد يستعمل السلطة لتوسيع مصالحه أو مصالح شبكته، فيتحول تضارب المصالح والفساد الصغير أو الكبير إلى جزء من ممارسة المسؤولية. وبذلك يتحول المنصب من وظيفة مؤقتة لخدمة المؤسسة إلى ملكية رمزية خاصة. وقد يتعامل المسؤول مع الإدارة كما لو كانت مجالاً شخصياً، ويوزع المهام والفرص بحسب الولاء، ويرى في النقد تهديداً لسلطته، وفي تداول المسؤوليات خسارة لمورد اكتسبه.
الرأسمالية العائلية وحراسة الموارد
تؤدي العائلة دوراً أساسياً في إعادة إنتاج منطق الغنيمة داخل الاقتصاد. ولا تكمن المشكلة في الملكية العائلية نفسها، لأن الشركات العائلية قد تكون ناجحة ومبتكرة، بل في تحول الأسرة إلى بنية مغلقة تجمع التمويل والإدارة والتوظيف ونقل الملكية. تنقل العائلات إلى أبنائها العقار ورأس المال والرخص، والعلاقات، والمعلومات، والزبائن. أما الخريجون الذين لا يملكون هذه الموارد، فقد يمتلكون المعرفة والأفكار لكنهم يفتقرون إلى الضمانات والتمويل وشبكات الوصول. وهكذا يبدو النجاح نتيجة للكفاءة الفردية، بينما يكون جانب مهم من شروطه موروثاً. وقد يصبح المشروع العائلي وسيلة لحراسة المورد داخل السلالة، وتوزيع المناصب والعقود والفرص على الأقارب، حتى عندما توجد كفاءات أفضل خارج الشبكة. وقد تتقاطع الرأسمالية العائلية مع الفساد حين تستعمل القرابة لتمرير الصفقات، أو التوظيف، أو الترقية، أو الوصول إلى المعلومة. وهنا لا يعود الفساد تصرفاً فردياً، بل يصبح شبكة اجتماعية لإعادة توزيع الغنيمة داخل دائرة محدودة.
هل يمكن كسر منطق الغنيمة؟
لا يمكن تجاوز الريع والفساد بالإصلاحات الاقتصادية والقانونية وحدها، لأنهما يرتبطان أيضاً بثقافة تحدد معنى النجاح والثروة والعمل. ويقتضي التغيير الانتقال من منطق الغنيمة والاستحواذ إلى منطق الإنتاج والكفاءة والمسؤولية. كما يتطلب ذلك نزع الشرعية عن التحايل واستغلال النفوذ. إن الانتقال من ثقافة الغنيمة إلى ثقافة الإنتاج لا يعني إصلاح السوق والإدارة فقط، بل إعادة بناء المعنى الأخلاقي للثروة والعمل والسلطة. فالثروة المشروعة ليست ما يستطيع الفرد انتزاعه من الآخرين أو من المؤسسة بواسطة النفوذ أو الخداع، بل ما يخلقه من قيمة من دون سلب حقوقهم. أما حين يصبح النجاح هو القدرة على أخذ أكثر ما يمكن وتقديم أقل ما يمكن، فقد تتراكم الأرباح والمناصب، لكن المجتمع يظل عاجزاً عن بناء اقتصاد الإنتاج والثقة والنزاهة والعدالة الاجتماعية.