بقلم :نور الدين طاهري
تكشف الممارسة الثقافية المعاصرة عن مفارقة لافتة؛ إذ تتراجع القراءة الجادة كلما ازدادت الكتابة انتشارا. ففي الوقت الذي أصبحت فيه الكتابة متاحة للجميع بفضل الفضاء الرقمي، بات القارئ الحقيقي عملة نادرة، حتى خُيِّل إلينا أن الجميع يكتب، ولا أحد يقرأ. إنها مفارقة تستحق التأمل؛ لأن الكتابة التي لا تسبقها قراءة عميقة سرعان ما تتحول إلى تكرار للأفكار، وإعادة إنتاج لما هو متداول، بدل أن تكون إضافة معرفية أو إبداعية.
لقد أدرك فرانسيس بيكون منذ قرون أن بناء العقل يمر عبر القراءة قبل الكتابة، فقال: «القراءة تصنع الإنسان الكامل، والمناقشة تصنع الإنسان المستعد، والكتابة تصنع الإنسان الدقيق.» ولم يكن هذا الترتيب اعتباطيا؛ فالكتابة ليست نقطة الانطلاق، بل هي ثمرة قراءة واسعة، وتأمل طويل، وحوار مستمر مع الأفكار.
ولعل ما قاله خورخي لويس بورخيس يؤكد هذه الحقيقة حين صرح بأنه كان يفخر بما قرأ أكثر مما كتب، لأن الكتب التي نقرأها هي التي تصوغ وعينا وتوسع خيالنا، أما ما نكتبه فليس في النهاية إلا صدى لذلك المخزون المعرفي. ومن هنا فإن الكاتب الذي يهجر القراءة يفقد تدريجيا قدرته على التجديد، ويصبح أسير مفرداته المحدودة ورؤيته الضيقة.
ويذهب المفكر المغربي محمد عابد الجابري إلى أن القراءة ليست مجرد اكتساب للمعلومات، بل هي تدريب للعقل على النقد والمساءلة. فالقارئ الجيد لا يستهلك الأفكار، بل يحاورها، ويختبرها، ويعيد بناءها. ومن دون هذه الممارسة يتحول الكاتب إلى ناقل للآراء بدل أن يكون منتجا لها.
أما أمبرتو إيكو فيرى أن كل نص هو حوار مع نصوص أخرى؛ فالكاتب لا يبدأ من الصفر، وإنما يكتب فوق طبقات من القراءات السابقة. لذلك فإن ضعف القراءة ينعكس مباشرة على جودة الكتابة، مهما بلغ صاحبها من الطلاقة اللغوية أو القدرة على التعبير.
وقد أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تكريس هذا الاختلال؛ إذ شجعت على النشر السريع أكثر مما شجعت على القراءة المتأنية. فأصبح كثيرون يقيسون قيمة النص بعدد الإعجابات، لا بعمق الفكرة أو جمال الأسلوب. وهكذا ازداد عدد الكُتّاب، بينما ظل عدد القراء الحقيقيين في تراجع مستمر، حتى غدت النصوص تتزاحم على الشاشات دون أن تجد من يمنحها وقتا كافيا للفهم والتأمل.
ولا يعني هذا أن كثرة الكتابة ظاهرة سلبية، فالكتابة ممارسة فكرية نبيلة، لكنها تفقد معناها حين تنفصل عن القراءة. فالقلم الذي لا يغترف من الكتب سرعان ما ينضب، والكاتب الذي لا يقرأ كثيرا لا يستطيع أن يكتب كثيرا بإبداع، مهما أكثر من النشر.
إن النهضة الثقافية لا تبدأ بتكثير الكُتّاب، بل بصناعة القُرّاء. فالقراءة ليست منافسة للكتابة، وإنما هي شرطها الأول، وجذورها العميقة. وكلما اتسعت مكتبة الكاتب، اتسعت رؤيته، ونضج فكره، وازدادت كتابته أصالة وتأثيرا. لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس: كم نكتب؟ بل: ماذا نقرأ، وكيف نقرأ؟ لأن مستقبل الثقافة تحدده جودة القراءة قبل غزارة الكتابة.