ثقافة الصَّرار ومجرة الاستهلاك

ذ. محمد معروف، جامعة شعيب الدكالي

ذ. محمد معروف، جامعة شعيب الدكالي

حكاية النملة والصَّرار في سلسلة اقرأ

الصَّرار والنملة

قضى الصَّرار الكسلان الصيف كله في اللهو والغناء؛ أما النملة النشيطة، فكانت تجتهد وتجمع المؤونة، وتدّخرها في بيتها. ولما حل فصل الشتاء وأخذت الليالي تبرد، اختبأت النملة في بيتها، تأكل ما ادّخرته في فصل الصيف. أما الصَّرار، فلم يكن عنده ما يأكله؛ لأنه لم يهتم بجمع قوته في أيام الصيف، فأخذ يجوع ويبرد؛ ففكر الصَّرار في بؤسه، وندم على تقصيره، ثم قال في نفسه: “أذهب عند صديقتي النملة، لعلها تقرضني بعض الحبوب والثياب”. توجه الصَّرار إلى بيت صديقته النملة وقال لها متذللاً: “أتيتك يا صديقتي الكريمة لتقرضيني بعض الحبوب والملابس، فإني أكاد أموت جوعا”. فأجابته النملة: “ما كنت تعمل في الصيف؟” قال الصَّرار: “كنت أغني كما تعلمين”. فقالت النملة ساخرة: “إذا كنت غنيت في الصيف، فارقص في الشتاء لتدفأ، إني لست أقرض الكسلان.”

من حكاية مدرسية إلى مرآة لتحول اجتماعي

قد تبدو هذه الحكاية، بالنسبة إلى قارئ اليوم، مجرد قصة أخلاقية بسيطة موجهة إلى الأطفال: النملة تعمل وتدخر، والصَّرار يلهو، ثم يأتي الشتاء فيكتشف الصَّرار ثمن كسله. لكن أهمية هذه الحكاية تتجاوز مضمونها المباشر. فهي تكشف عن نموذج تربوي وثقافي كامل كان يقدم للطفل، منذ سنواته الأولى، تصوراً محدداً عن العمل، والمسؤولية، والزمن، والادخار، والنجاح، والعلاقة بين الجهد والنتيجة. في هذه الحكاية، لا تحصل النملة على ما لديها بالمصادفة. إنها تعمل في الصيف لأنها تفكر في الشتاء. ولذلك فإن القيمة المركزية في القصة ليست العمل بمعناه الميكانيكي فقط، وإنما القدرة على تأجيل الإشباع واللهو، والتفكير في المستقبل. تعرف النملة أن الصيف ليس مجرد وقت للمتعة، وأن وفرة الحاضر لا تعني أن المستقبل مضمون. إنها تجمع المؤونة، وتدخرها، وتستعد للمرحلة التي ستصبح فيها الموارد أقل. أما الصَّرار، فمشكلته ليست أنه يغني. فالغناء في ذاته ليس عيباً، ولا ينبغي أن تكون الرسالة أن الإنسان يجب أن يعمل طوال الوقت. تكمن المشكلة في أن الصَّرار يستهلك الحاضر دون أن يفكر في المستقبل. إنه يعيش اللحظة، ثم يكتشف عندما تتغير الظروف أنه لا يمتلك الموارد التي تمكنه من مواجهة الشتاء. وهنا تحديداً تكمن قوة الحكاية التربوية. إنها تعلم الطفل أن هناك علاقة بين العمل والاستعداد، وبين الاستعداد والاستقلال، وبين الاستقلال والكرامة. ولذلك، عندما يذهب الصَّرار إلى النملة طالباً الحبوب والثياب، لا تعطيه النملة ما يريد. بل تسأله السؤال الحاسم: “ما كنت تعمل في الصيف؟”. السؤال هنا أهم من العقاب نفسه. فهو يربط الموارد بالمسؤولية، ويجعل الفرد مسؤولاً عن كيفية تعامله مع الزمن والفرص المتاحة له. لكن ما الذي حدث منذ ذلك الوقت؟

عندما كانت المدرسة تصنع نموذجاً اجتماعياً في الكتب المدرسية التي نشأ عليها جيل السبعينيات والثمانينيات، لم تكن القصص مجرد نصوص لتعليم القراءة أو القواعد اللغوية. كانت المدرسة، بصورة مباشرة وغير مباشرة، تساهم في صناعة المخيال الثقافي للطفل. كانت تقدم له نماذج اجتماعية تقول له، ضمنياً: هذه هي القدوة: العَالِمُ الذي يكتشف، والمخترع الذي يبتكر، والطبيب الذي يعالج، والمهندس الذي يبني، والفنان الذي يبدع، والكاتب الذي ينتج المعرفة، والمعلم الذي ينقلها إلى الأجيال. كانت القدوة مرتبطة بالإنسان الذي يصنع شيئاً، أو يكتشف شيئاً، أو يبدع شيئاً، أو يضيف قيمة إلى المجتمع. أي أن قيمة الإنسان كانت تُقاس، إلى حد كبير، بما ينتجه ويقدمه للآخرين، لا بما يستهلكه أو بما يستطيع أن يستعرضه أمام الآخرين على وسائل التواصل الاجتماعي.

كان الطفل يرى في العالِم شخصاً يكتشف، وفي المخترع شخصاً يبتكر، وفي الفنان شخصاً يبدع، وفي الطبيب شخصاً يعالج، وفي المهندس شخصاً يبني. أي أن النموذج الاجتماعي كان مرتبطاً، بدرجات مختلفة، بالإنتاج المعرفي أو المهني أو الثقافي. وهذا أمر بالغ الأهمية؛ لأن الطفل لا يتعلم فقط من المعلومات التي تقدمها له المدرسة، وإنما يتعلم أيضاً من الأشخاص الذين تقدمهم له باعتبارهم نماذج للنجاح. كان السؤال الضمني في ذلك النموذج: ماذا ستنتج عندما تكبر؟ أما السؤال الذي أصبح أكثر حضوراً اليوم فهو: كيف ستعيش عندما تكبر؟ والفرق بين السؤالين عميق.

من العالِم والمخترع إلى النجم المشهور

لقد تغيرت، خلال العقود الأخيرة، البيئة الرمزية التي يتشكل داخلها الطفل. لم تعد المدرسة المصدر الوحيد، وربما لم تعد المصدر الأكثر تأثيراً، في تحديد النماذج التي يطمح إليها الجيل الجديد. لقد دخلت إلى حياة الطفل مجرة كاملة من نماذج الشهرة والاستهلاك: نجوم السينما، والمغنون، ولاعبو كرة القدم، والرياضيون، والمؤثرون، ومشاهير وسائل التواصل الاجتماعي. مرة أخرى، ليس المقصود أن هؤلاء الأشخاص لا يستحقون التقدير. فالفنان يمكن أن يكون مبدعاً، والرياضي يحتاج إلى الانضباط والتدريب، والممثل قد يمتلك موهبة حقيقية، والمغني قد يكون فناناً كبيراً. ليست المشكلة في وجود هذه النماذج، وإنما في اختلال التوازن بينها وبين نماذج المعرفة والإنتاج والاختراع. فحين يصبح الطفل محاطاً يومياً بصور النجوم، والسيارات الفاخرة، والسفر، والملابس، والمطاعم، والمنازل، والأجساد المثالية، والرحلات، والمنتجات، وعدد المتابعين، فإن النجاح يبدأ في اتخاذ معنى جديد. لم يعد النجاح بالضرورة أن تكون عالماً أو مخترعاً أو منتجاً للمعرفة، قد يصبح النجاح هو أن تكون مرئياً. وكلما زادت قدرتك على جذب الانتباه، زادت قيمتك الرمزية. وهنا ننتقل من مجتمع الإنتاج إلى مجتمع المظاهر، ومن أخلاق الإنجاز إلى اقتصاد الشهرة.

مجرة الاستهلاك

إن ما تغير ليس فقط الأشخاص الذين نراهم على الشاشة، وإنما البيئة الثقافية بأكملها التي تحيط بهم. نحن نعيش اليوم داخل ما يمكن تسميته “بمجرة الاستهلاك”: شبكة واسعة من الإعلانات، والمنصات الرقمية، والترفيه، والرياضة، والسينما، والموسيقى، والمؤثرين، والعلامات التجارية، والسفر، والموضة، والصور التي تقدم للإنسان باستمرار تعريفاً لما ينبغي أن تكون عليه الحياة الجيدة. هذه المجرة لا تقول للطفل فقط: اشترِ هذا المنتج. إنها تقول له شيئاً أعمق: هذه هي الحياة التي ينبغي أن ترغب فيها. ومن هنا يصبح الاستهلاك أكثر من مجرد نشاط اقتصادي. يصبح أسلوباً في بناء الهوية. فالهاتف الذي تحمله، والملابس التي ترتديها، والسيارة التي تقودها، والمكان الذي تسافر إليه، والمطعم الذي تزوره، وحتى الأشخاص الذين تتابعهم، يمكن أن تتحول كلها إلى إشارات اجتماعية تعبر عن المكانة والنجاح والانتماء. في هذه البيئة، لم يعد الإعلان بحاجة إلى أن يقول للطفل: “اشتر هذا الحذاء لأنه جيد”. بل يمكنه أن يقول له، بصورة غير مباشرة: “إذا ارتديت هذا الحذاء، ستصبح مثل هؤلاء الذين تحبهم.” وهنا تتداخل السلعة مع النموذج الاجتماعي.

من أخلاق النملة إلى ثقافة الصَّرار

إذا عدنا إلى الحكاية، نجد أن النملة تمثل اقتصاداً أخلاقياً قائماً على الإنتاج والادخار وتأجيل الرغبة، بينما يمثل الصَّرار اقتصاداً يقوم على استهلاك الحاضر ثم البحث عن الآخرين عندما تنضب الموارد. لكن المفارقة المعاصرة أن المجتمع نفسه أصبح أكثر شبهاً للصَّرار الذي كانت الحكاية تحذر منه. لقد أصبحنا نعيش داخل اقتصاد يشجع على الاستهلاك المستمر. إن الإعلان يريد منك أن تشتري، والمنصة تريد منك أن تبقى، وصناعة الترفيه تريد منك أن تشاهد المزيد، والعلامة التجارية تريد منك أن تستبدل ما لديك بما هو أحدث، والخوارزمية تريد منك أن تنتقل إلى المحتوى التالي قبل أن تتوقف للتأمل. في عالم النملة، كان السؤال: ماذا ستحتاج غداً؟ في عالم الاستهلاك، أصبح السؤال: ماذا تريد الآن؟ وهذا التحول من المستقبل إلى الحاضر هو أحد أهم التحولات الثقافية في عصرنا.

جيل النمل أنجب أبناء صراصير

وهنا تظهر مفارقة أكثر عمقاً. إن الجيل الذي تربّى على قصة النملة والصَّرار هو نفسه الجيل الذي عاش في ظروف أكثر صعوبة، وعمل، وادّخر، وانتظر، وتحمل الحرمان، وبنى حياته تدريجياً. لكنه، عندما أصبح أباً وأمّاً، أراد لأبنائه ألا يعيشوا ما عاشه هو. وهذا مفهوم إنسانياً؛ فالأب الذي حُرم من أشياء كثيرة يريد أن يوفرها لابنه، والأم التي عاشت سنوات من الندرة تريد أن تمنح ابنتها حياة أكثر راحة. لكن هذه الرغبة المشروعة في تحسين حياة الأبناء يمكن أن تتحول، عندما تصبح مطلقة، إلى إلغاء للتجربة التربوية التي تصنع الاستقلالية والقدرة على تحمل المسؤولية. نحن نطعم أبناءنا قبل أن يشعروا بالجوع، ونشتري لهم قبل أن يتعلموا الادخار، ونحل مشاكلهم قبل أن يحاولوا حلها، ونزيل العقبات قبل أن يتعلموا كيف يتجاوزونها. وبذلك نكون قد نقلنا إليهم النتائج، لكننا لم ننقل إليهم دائماً القدرة على إنتاج النتائج. وهنا يصبح السؤال: هل يمكن أن نمنح أبناءنا حياة أفضل من دون أن نحرمهم من قيمة العمل؟ المشكلة ليست في الراحة، بل في غياب القدرة على تحمل المشقة. ليس المطلوب أن يعيش أبناؤنا كما عاش آباؤنا. ولا ينبغي أن تتحول المعاناة إلى فضيلة في حد ذاتها. فالتقدم الاجتماعي يعني، في جزء منه، أن يعيش الجيل الجديد حياة أكثر أمناً وراحة. لكن هناك فرقاً بين تحسين ظروف الحياة وبين إلغاء المشقة من عملية التربية. فالطفل الذي لا يتعلم الانتظار قد يجد صعوبة في الصبر. والطفل الذي لا يتعلم الفشل قد يجد صعوبة في التعامل معه. والطفل الذي يحصل على كل شيء قبل أن يعمل من أجله، قد لا يكتسب العلاقة نفسها بين الجهد والنتيجة. وهذه ليست مشكلة فردية فقط، بل مشكلة ثقافية عندما تصبح منتشرة على نطاق واسع.

من “ماذا كنت تعمل في الصيف؟” إلى “ماذا تملك الآن؟

لعل السؤال الذي وجهته النملة إلى الصَّرار يصلح اليوم ليكون سؤالاً اجتماعياً أوسع. كانت النملة تسأله: “ما كنت تعمل في الصيف؟” أما المجتمع المعاصر فيميل إلى سؤال الإنسان: ماذا تملك الآن؟ في السؤال الأول، القيمة في العمل الذي سبق النتيجة. في السؤال الثاني، القيمة في النتيجة نفسها. هذه النقلة تغير طريقة نظرنا إلى النجاح. فإذا أصبحنا لا نرى إلا السيارة ولا نرى سنوات العمل والجهد والادّخار التي سبقت شراءها، ولا نرى الشهرة ولا نرى التدريب الذي سبقها، ولا نرى الطبيب إلا داخل عيادته ولا نرى سنوات الدراسة التي سبقت ذلك، فإننا نقدم للأجيال الجديدة النتيجة من دون المسار. والطفل الذي يرى النتيجة فقط، سيستهل النجاح حتما، ويعتقد أن الطريق يمكن اختصاره، وأن الشهرة يمكن أن تعوض المعرفة، وأن المظهر يمكن أن يحل محل الإنجاز.

المدرسة ومجرة الاستهلاك

لا يقتصر التحول في النموذج الاجتماعي على ما تعرضه الشاشة والهاتف والمنصات الرقمية خارج المدرسة؛ بل إن المدرسة نفسها، وخصوصاً الكتاب المدرسي باللغات الأجنبية، لم تعد تقدم بالضرورة النماذج الاجتماعية نفسها التي كانت تقدمها في الماضي. ففي الكتب المدرسية التي نشأ عليها جيل السبعينيات والثمانينيات، كان الطفل يجد العالِم والمخترع والطبيب والمهندس والفنان والكاتب والمعلم بوصفهم قدوات مرتبطة بالمعرفة، والعمل، والإبداع، والإنتاج. كانت الرسالة الضمنية واضحة: لكي تكون جديراً بالتقدير، عليك أن تعرف شيئاً، أو تكتشف شيئاً، أو تبتكر شيئاً، أو تبني شيئاً، أو تضيف قيمة إلى المجتمع. أما اليوم، فقد تغيرت، بدرجات متفاوتة، خريطة القدوة داخل الثقافة المدرسية نفسها.

لم يعد العالِم والمخترع والمفكر والطبيب والمهندس والفنان والكاتب يحتلون المكانة الرمزية نفسها التي كانوا يحتلونها في النموذج المدرسي السابق؛ فقد تراجع حضور هذه القدوات تدريجياً، وحلّت محلها، بدرجات متفاوتة، نماذج تنتمي إلى عالم الشهرة، والرياضة، والفن، والترفيه. ولم يعد الأمر يتعلق فقط بتقديم نجم السينما أو المغني أو لاعب كرة القدم باعتباره شخصية ناجحة، بل بتقديم تفاصيل حياته اليومية ونمط عيشه وما يقتنيه ويشتريه والأماكن التي يرتادها والملابس التي يلبسها والرحلات التي يقوم بها، بحيث تتحول حياته الشخصية نفسها إلى مادة تستحق أن تُعرض على الطفل وتُقرأ عليه. وهكذا لا تعود القدوة مرتبطة أساساً بما ينتجه الإنسان أو يكتشفه أو يضيفه إلى المجتمع، وإنما بما يحيط به من شهرة، ومظاهر، وامتلاك، واستهلاك. ولا تكمن المشكلة في حضور الفن أو الرياضة في حد ذاتهما، فهما مجالان مشروعان للإبداع والعمل والانضباط والمثابرة، وإنما في التحول التدريجي في النموذج المقدم للطفل، وفي انتقال مركز الثقل من الإنسان المنتج إلى الإنسان المستهلك، ومن الإنجاز إلى نمط الحياة، ومما يفعله الشخص إلى ما يملكه ويستهلكه ويستعرضه.

وهكذا لم تعد المدرسة مجرد مؤسسة تواجه مجرة الاستهلاك القادمة من خارجها، بل أصبحت هي نفسها، في بعض صورها ومضامينها، فضاءً يعكس التحول الذي أصاب النموذج الاجتماعي. فالكتاب المدرسي الذي كان يقدم الطفل إلى عالم الاكتشاف والاختراع والإنتاج، ويعرّفه بالعالِم والمخترع والمفكر والطبيب والمهندس باعتبارهم قدوات للمستقبل، شهد بدوره تراجعاً تدريجياً لهذا النموذج وصعوداً لنماذج تنتمي إلى عالم الشهرة، والرياضة، والفن، والترفيه. ولم يعد حضور هذه الشخصيات يقتصر على التعريف بإنجازاتها المهنية، بل أصبحت تفاصيل حياتها اليومية، وما تشتريه وتقتنيه، وكيف تعيش، وأين تسافر، وما ترتديه، جزءاً من المادة التي تُعرض أمام الطفل. وبذلك لم يعد الكتاب المدرسي يقدم فقط شخصاً ناجحاً بسبب ما ينتجه أو يكتشفه أو يبدعه، وإنما شخصاً ناجحاً بسبب ما يمثله من شهرة، ونمط حياة، واستهلاك، واستعراض. ومن هنا لم يعد السؤال فقط: ماذا يتعلم الطفل في المدرسة؟ بل أيضاً: من هي الشخصيات التي يتعلم أن يقتدي بها، وما الذي تجعله هذه الشخصيات يراه نجاحاً؟

وهنا تكمن أهمية التحول. فالطفل لا يتعلم من المعلومات التي تقدمها له المدرسة فحسب، بل يتعلم أيضاً من ترتيب الرموز والنماذج التي تضعها أمامه. وعندما تتغير هذه النماذج، تتغير معها بصورة تدريجية صورة المستقبل التي يبنيها الطفل لنفسه. فإذا كان الطفل في الماضي يتعلم أن العالِم، أو المخترع، أو الطبيب، أو المهندس يمثلون قمة الطموح، بينما يتعرض اليوم بصورة متزايدة إلى نجوم السينما والمغنين ولاعبي كرة القدم والمشاهير باعتبارهم رموزاً للنجاح، فإننا لا نكون أمام مجرد تغيير في محتوى الكتب، وإنما أمام تحول في البنية الرمزية التي تُعرّف للطفل معنى النجاح نفسه. وبذلك انتقلنا تدريجياً من نموذج يقول للطفل: “تعلم لكي تنتج”، إلى نموذج يمكن أن يقول له: “كن مشهوراً لكي تُرى”. ومن هنا يبدأ الانتقال من مجتمع الإنتاج إلى مجتمع الفرجة والاستهلاك؛ حيث لا تصبح قيمة الإنسان مرتبطة بما يصنعه فقط، وإنما أيضاً بقدرته على أن يعرض نفسه وما يملكه ويستهلكه أمام الآخرين.

إعادة بناء النماذج الاجتماعية

ليس الحل هو أن نحارب لاعبي كرة القدم، أو المغنين، أو الممثلين، أو السينما. فهذا سيكون غير واقعي وغير عادل. المطلوب هو إعادة التوازن الرمزي. نريد للطفل أن يحب لاعب كرة القدم، لكن نريده أيضاً أن يعرف العالِم الذي اكتشف شيئاً مهماً. نريده أن يستمتع بالموسيقى، لكن نريده أن يعرف الفنان الذي كرس حياته للإبداع. نريده أن يشاهد السينما، لكن نريده أن يعرف الكاتب الذي صنع القصة. نريده أن يحلم بالنجاح الرياضي، لكن نريده أن يفهم أن النجاح الرياضي نفسه يقوم على التدريب والانضباط والعمل الطويل، أي أننا لا نحتاج إلى إلغاء نجوم الاستهلاك والترفيه، بل إلى استعادة نجوم الإنتاج والمعرفة إلى المجال العام. فالنملة ليست ضد المتعة. وهنا يجب أن نكون دقيقين. فالحكاية لا تقول إن على الإنسان أن يصبح نملة طوال حياته. إن النملة نفسها ليست نموذجاً للإنسان الكامل. فالحياة ليست عملاً مستمراً، والإنسان يحتاج إلى الفن، واللعب، والترفيه، والراحة. تبدأ المشكلة عندما تتحول الوسيلة إلى غاية. فالعمل من أجل الحياة شيء، والعمل من أجل الاستهلاك شيء آخر. والاستمتاع ثم العودة إلى العمل شيء، وتحويل الحياة كلها إلى استهلاك شيء آخر. والشهرة الناتجة عن إنجاز حقيقي شيء، وتحويل الشهرة نفسها إلى إنجاز شيء آخر. لذلك فإن القضية ليست “النملة ضد الصَّرار”، وإنما التوازن بين الإنتاج والاستهلاك، وبين الحاضر والمستقبل، وبين المتعة والمسؤولية.

ربما نحتاج اليوم إلى إعادة قراءة هذه الحكاية القديمة لا باعتبارها درساً في الجد والكسل، وإنما باعتبارها درساً في الاستقلالية والمسؤولية. علينا أن نعلم أبناءنا أن المال ليس مجرد شيء يظهر من جهاز الصراف، وأن الطعام ليس مجرد شيء موجود دائماً في الثلاجة، وأن الوظيفة ليست حقاً مضموناً، وأن اكتساب المهارة يحتاج إلى سنوات من التدريب والانضباط، وأن الأشياء القيمة لا تأتي دائماً بسرعة. وعلينا في الوقت نفسه أن نعلمهم أن الإنتاج لا يعني المال فقط. يمكن للإنسان أن ينتج معرفة، وفناً، وعلماً، وفكرة، ومبادرة، وخدمة، واختراعاً، ومهارة. وهنا نعيد تعريف النجاح من جديد. ليس السؤال: كم تستهلك؟ بل: ماذا تنتج؟ ليس: كم شخصاً يتابعك؟ بل: كم شخصاً استفاد مما صنعت؟ ليس: ماذا ترتدي؟ بل: ماذا تعرف؟ ليس: إلى أين سافرت؟ بل: ماذا تعلمت؟ وليس: ماذا ورثت؟ بل: ماذا استطعت أن تبني؟

ماذا حدث للنملة؟

تبدو المفارقة الأكبر أن قصة النملة والصَّرار كانت تُعلِّم الأطفال أن العمل اليوم يحمي الإنسان من حاجة الغد، أما اليوم، فإن أبناءنا يعيشون في بيئة ثقافية واقتصادية مصممة إلى حد كبير لكي تجعلهم يفكرون في الاستهلاك الآن، وفي الرغبة الآن، وفي الصورة الآن. لقد تغيرت الحكاية الاجتماعية. في الماضي، كان الطفل يفتح الكتاب فيرى النملة تجمع مؤونتها، ويرى العالِم والمخترع والفنان والطبيب باعتبارهم نماذج للمستقبل. أما اليوم، فإنه يفتح الهاتف فيرى مجرة كاملة من النجوم: المغني، والممثل، ولاعب كرة القدم، والرياضي، والمؤثر، والمشهور، وكل ما يرافق هذه الشخصيات من علامات تجارية، وسفر، وموضة، واستهلاك. وهكذا انتقلنا، تدريجياً، من مجرة الإنتاج إلى مجرة الاستهلاك. لكن المشكلة ليست أن الصَّرار أصبح مشهوراً. إن المشكلة هي أن الصَّرار أصبح نموذجاً اجتماعياً. لقد عمل جيل من الآباء مثل النمل لكي يمنح أبناءه مستقبلاً أفضل. لكن في الطريق، ربما نسينا أن أهم ما كان ينبغي أن نورثه لهم ليس فقط ما جمعناه في “الصيف”، وإنما القدرة على العمل عندما يأتي الشتاء. ولهذا فإن السؤال الذي طرحته النملة على الصَّرار قبل عقود ما زال صالحاً إلى اليوم، ولكن على مستوى المجتمع كله:”ما كنت تعمل في الصيف؟” إنه سؤال عن المسؤولية، وعن المستقبل، وعن العلاقة بين الرغبة والجهد. وربما يكون السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم على أنفسنا، نحن الآباء والمدرسة والمجتمع، هو: أي نموذج نعلم أبناءنا أن يحلموا بأن يصبحوا مثله: النملة التي تبني وتنتج وتدخر، أم الصَّرار الذي يرقص في بيئة الاستهلاك، أسيرَ هذيان المتعة والاستعراض، ومطاردة الإشباع الفوري؟ فمستقبل المجتمع لا يصنعه ما يستهلكه أبناؤه، بل ما يتعلمون أن ينتجوه؛ فالأمم لا تُبنى بكثرة المستهلكين، وإنما بكثرة المنتجين.

 

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد