المصطفى أحسني. :باحث في علم الاجتماع السياسي متتبع للشأن الإيراني
بعد انسحاب المرشح إسحاق جهانغيري لصالح المرشح الشيخ حسن روحاني كما كان متوقعا منذ البداية،هناك حديث عن سياسيين معارضين مواليين للإصلاح في إيران قد يعلنان تأييدهما لانتخاب الرئيس حسن روحاني لفترة أخرى في سبيل حشد التأييد له وسط استياء بعض الناخبين من بطء وتيرة التغيير. ويتعلق الأمر بكل من رئيس الوزراء السابق مير حسين موسوي ورئيس البرلمان السابق مهدي كروبي حيث من المتوقع أن يحثا الناخبين على دعم الرئيس روحاني ساعات قليلة قبل التصويت. حيث قال أردشير أمير أرجمند وهو متحدث باسمهما : إن “الزعيمين كما في الانتخابات السابقة سيدعمان المرشح الذي يدعمه الفصيل الموالي للإصلاح”.
وسيستفيد الشيخ حسن روحاني من عدم وجود خيار آخر غيره أمام الناخبين الإصلاحيين. والذين سيكون عليهم الحكم على روحاني في سياق ما هو ممكن في إطار النظام القائم لأن فشله في الوفاء بكل وعوده بشأن الإصلاح الاجتماعي سيؤثر بلا شك في النتيجة لكن الإيرانيين يدركون جيدا حدوده وإنجازاته. ففي فترة رئاسته كل العقوبات المرتبطة بالنشاط النووي رُفعت. حيث قال : “اليوم نحن نصدر مليوني برميل يوميا من النفط. بدون الاتفاق كنا سنصدر فقط 200 ألف برميل يوميا. “إذا حاولنا فإننا يمكننا أن نصل إلى متوسط نمو 8 بالمئة في السنوات الخمس القادمة… سندعم الاقتصاد في الأعوام المقبلة. نحن لا نقول أننا لدينا القدرة بل نقول إننا سنفعل.” وبينما يعد المحافظون بتحسين الوضع الاقتصادي المتردي في البلاد، خصوصا مساعدة الفقراء وتأمين فرص العمل، يشدد روحاني والمرشحون الآخرون على الحريات السياسية والاجتماعية والثقافية، ورفض عزلة إيران على الساحة الدولية،حيث صرح : “نحن نطالب بالحرية. نريد الحرية السياسية والاجتماعية وحرية الفكر والتعبير والتنقل والعمل. نطالب بالأمن ولا نريد الضغط الأمني. نريد القانون من أجل كل المؤسسات. ولا نريد مؤسسات معفاة من الضرائب، ونريد سوقًا تسودها منافسة حرة”. وقال مخاطبا الخصوم : “منطقكم منطق المنع، وليس لديكم شيء آخر لتقدموه”، ملمحا بذلك إلى المرشحين المحافظين الذين لم يسمهم مباشرة. وأضاف: “أنا مرشح لأقول لأنصار العنف والمتطرفين إن زمنهم ولى”.
وفي موضوع العلاقات مع دول الجوار فقد أكد الشيخ روحاني في عدة مناسبات أنه مع تحسين العلاقة مع الجميع: حيث قال في تصريح لإحدى الصحف العربية مؤخرا: (….سأولي أولوية قصوى لتحسين العلاقات مع دول الجوار على جميع المستويات. تشترك إيران مع خمسة عشر بلدا في حدودها البرية والبحرية، وكل هذه البلدان مهمة بالنسبة لنا، أما فيما يتعلق بسؤالك حول المملكة العربية السعودية، فأعتزم تحويل الخصومة التي تفاقمت للأسف في الفترة الأخيرة بين البلدين إلى احترام متبادل وتدابير تصب في مصلحة الطرفين والتعاون بين البلدين لتعزيز الأمن واستعادة الاستقرار في المنطقة.و يمكن أن تلعب إيران والمملكة العربية السعودية دورا إيجابيا في التعامل مع القضايا الإقليمية الرئيسة مثل الأمن في «الخليج الفارسي». ولا أعتزم، في حال انتخابي، التدخل في الشؤون الداخلية لأي دولة أخرى، كما لن أسمح لأي طرف أخر أن يتدخل في الشؤون الإيرانية. أما بالنسبة لمسألة البحرين فهي مهمة بالنسبة لنا، ونعتقد أن الاستقلال السياسي والوحدة الوطنية والأمن في البحرين تمثل عوامل هامة لاستقرار وأمن المنطقة. وفي هذا السياق، لا ينبغي تجاهل تطلعات الشعب البحريني للحصول على حقوقه المشروعة، كما هو الحال مع أي دولة أخرى.
وفي المقابل فيما يخص تيار المحافظين/المبدئيين وافقت جمعية بارزة لرجال الدين الإيرانيين على دعم المرشح إبراهيم رئيسي مما يعطيه دفعة قبل الانتخابات. ويعد رئيسي، وهو رجل دين محافظ عمل لأعوام عديدة في القضاء الإيراني، المنافس الأساسي للرئيس حسن روحاني .والجمعية التي تعرف باسم جمعية معلمي قم هي جماعة تضم معلمي المعاهد الدينية من مدينة قم المقدسة وتضم عددا من كبار رجال الدين المتشددين. وقالت في بيان على موقعها الالكتروني إن مناقشات مكثفة جرت وأنه تم اختيار رئيسي “كأفضل مرشح”. وانتقد رئيسي، الذي يعتقد أنه المرشح المفضل للمرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، السجل الاقتصادي لروحاني في كلمات ألقاها في الآونة الأخيرة وقال إن البلد ليس في حاجة لمساعدة أجنبية. كما انتقد خامنئي، أعلى سلطة في إيران، الأداء الاقتصادي لحكومة روحاني ودعا لمزيد من الاهتمام بالبطالة. وهو لا يختلف مع المرشح الإصلاحي/المعتدل على القضايا المحورية وبالأخص العلاقات مع الجوار لما لهذه النقطة من أهمية كبرى لدى الكل إقليميا ودوليا وذلك لما تمثله الجمهورية الإسلامية الإيرانية كقوة كبرى وفاعل أساسي في المنطقة،حيث صرح الشيخ إبراهيم رئيسي لإحدى الجرائد قائلا:( نحن نعطي أهمية للعلاقات مع الدول العربية بدليل الجوار، والجغرافيا والمنطقة، وحتما نبحث عن علاقات جيدة معهم، ونحن لدينا انطباع أنه لا يجب على الدول العربية في علاقاتها مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية أن تنظر إلى بعض الحركات الشيطانية التي تهدف إلى زعزعة هذه العلاقات، حتماً يجب أن يفكروا بان العلاقات بين الدول الإسلامية وبين إيران الإسلامية مع باقي الدول الإسلامية، يمكن أن تشكل ضربة قوية لجميع الحاقدين في العالم، وتحافظ على امن دول المنطقة.
نحن لا نوافق مطلقا على اي نوع من التحريض أو العداوة أو زعزعة الاستقرار في أي من الدول المختلفة، ونعتقد انه بالتعاون من الدول الإسلامية لا نعطي الفرصة لأحد ليضع امن الدول الإسلامية في خطر، اليوم هذه العلاقات هي لمصلحة الجميع.)
وفي الختام لابد من القول إن الانتخابات الإيرانية في الواقع غالبا ما حملت مفاجآت. وتفاجأ النظام المحافظ في 1997 بالفوز الساحق للإصلاحي محمد خاتمي أمام المرشح المحافظ علي اكبر ناطق نوري. “. وفي 2005، أثار انتخاب المحافظ محمود أحمدي نجاد مفاجأة، بسبب عدم توقع فوزه على أكبر هاشمي رفسنجاني الذي اضطلع باستمرار بدور أساسي منذ الثورة الإسلامية في 1979.
وكانت المفاجأة الأكبر في 2009 مع إعادة انتخاب أحمدي نجاد، في حين أن الناخبين الإصلاحيين في المدن كانوا ضده، ما اثار تظاهرات واتهامات بالتزوير. ويقول الأستاذ الإيراني في جامعة فيرجينيا تيك في الولايات المتحدة جواد صالحي افسهاني “لم يكتب الكثير عن إيران. يتم التحدث كثيرا عن الحرس الثوري والعلاقات مع الولايات المتحدة، لكننا نعرف القليل عما يحصل في المدن الصغيرة وأهمية احمدي نجاد بالنسبة الى أشخاص عاديين”.
وهذه المرة أيضا التكهنات كثيرة في الإعلام وعلى شبكات التواصل الاجتماعي. ويؤكد البعض إن رئيسي في موقع جيد ليخلف يوما المرشد الأعلى علي خامنئي وسيتم التركيز على عدم مواجهته وضعا محرجا. ويؤكد آخرون انه سيتخلى عن السباق في اللحظة الأخيرة لصالح مصطفى مير سليم. ويقول غيرهم إن هدف السلطات هو التعبئة الانتخابية الكبيرة لتجنب إعطاء صورة سيئة عن البلاد. لكن، بغض النظر عن التكهنات، فإن روحاني في موقع جيد، لان جميع الرؤساء الإيرانيين حكموا لولايتين منذ بداية الثمانينات. ثم إن النظام في الجمهورية الإسلامية الإيرانية لا يريد تكرار أحداث العام 2009 عقب إعادة انتخاب محمود أحمدي نجاد، بل يهمه أكثر الاستقرار أولا وأخيرا لأنه يدرك جيدا أن الجميع يتربص ويتحين الفرصة لزعزعة استقرار وأمن البلاد في ظل ما تعيشه المنطقة من أزمات ومشاكل،. ثم إن الشعب الإيراني يعي جيدا حجم المخاطر التي تتهدد بلاده في حالة ما أعطيت الفرصة لأعداء الاستقرار ودعاة تفتيت وتقسيم وتقطيع أوصال الأمة الإسلامية، و كيفما كانت نتائج هذه الانتخابات يوم الجمعة فإن الرابح والفائز بلا منازع سيكون الشعب الإيراني والديمقراطية الإيرانية التي هي السد المنيع في وجه قوى الاستكبار والغطرسة .