خمس سنوات من النموذج التنموي الجديد بين المغرب الذي يتقدم بالأرقام والمغرب الذي ينتظر النتائج
بقلم: بوشعيب حمراوي
بقلم: بوشعيب حمراوي
حين تتحدث التقارير بلغة الإنجازات… ويتحدث المواطن بلغة الانتظارات
منذ أن قدمت اللجنة الخاصة باالملك محمد السادس تقريرها إلى جلالة الملك محمد السادس سنة 2021، بدا الأمر وكأن المغرب يفتح صفحة جديدة من تاريخه التنموي. لم يكن المشروع مجرد خطة حكومية عابرة أو برنامج ظرفي محدود الزمن، بل كان بمثابة تعاقد وطني جديد يروم إعادة رسم ملامح المغرب الذي يريده المغاربة خلال العقود المقبلة.
لقد جاء النموذج التنموي الجديد بعد سنوات طويلة من النقاش حول حدود السياسات العمومية السابقة، وبعد تراكم ملاحظات المؤسسات الوطنية والدولية بشأن استمرار الفوارق الاجتماعية والمجالية وضعف مردودية بعض القطاعات الحيوية رغم حجم الاستثمارات العمومية الضخمة التي ضخت فيها.
واليوم، وبعد مرور خمس سنوات على انطلاق هذا الورش الملكي الاستراتيجي، خرج مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي بتقرير تقييمي يرصد ما تحقق وما تعثر، واضعا أمام الرأي العام صورة مركبة لا يمكن اختزالها في النجاح المطلق ولا في الفشل الكامل.
فالتقرير يعترف بوجود منجزات حقيقية ومهمة، لكنه في المقابل يقر بأن عددا من الأهداف الكبرى التي راهن عليها النموذج التنموي ما تزال بعيدة عن التحقق، وأن المواطن ما يزال ينتظر أن تتحول لغة الأرقام والمؤشرات إلى تحسن ملموس في شروط العيش اليومي.
الدولة الاجتماعية… أكبر ورش عرفه المغرب منذ الاستقلال
من بين أهم الخلاصات التي توقف عندها التقرير، التحول الكبير الذي عرفه المغرب في مجال الحماية الاجتماعية.
ففي ظرف وجيز تمكنت الدولة من توسيع نطاق التغطية الصحية الإجبارية لتشمل أكثر من 32 مليون مستفيد مسجل، وهو رقم غير مسبوق في تاريخ السياسات الاجتماعية بالمملكة. كما جرى تعميم برامج الدعم الاجتماعي المباشر لفائدة ملايين الأسر المغربية التي كانت تعاني الهشاشة والفقر وضعف الدخل.
ولا شك أن هذه الإجراءات تعكس إرادة سياسية قوية لتكريس مفهوم الدولة الاجتماعية التي طالما شكلت أحد المطالب المركزية للمغاربة.
غير أن التقرير يلفت الانتباه إلى أن توسيع الاستفادة لا يعني بالضرورة تحسين جودة الخدمات. فالمستشفيات ما تزال تعاني خصاصا كبيرا في الموارد البشرية والتجهيزات، ومواعيد العلاج ما تزال طويلة في العديد من المؤسسات الصحية، فيما تستمر معضلة هجرة الأطباء نحو الخارج بوتيرة مقلقة تصل إلى ما بين 600 و700 طبيب سنويا.
وهنا تبرز المفارقة الكبرى: فبينما توسعت قاعدة المستفيدين من التغطية الصحية، ما تزال المنظومة الصحية تواجه تحديات حقيقية تتعلق بجودة الخدمات والاستجابة الفعلية لحاجيات المواطنين.
الاستثمار يرتفع… والبطالة تواصل الصعود
من بين أكثر المؤشرات التي تثير القلق في التقرير، استمرار أزمة التشغيل رغم الارتفاع القياسي للاستثمارات العمومية والخاصة.
فالمغرب نجح خلال السنوات الأخيرة في استقطاب استثمارات وطنية وأجنبية مهمة، كما عزز موقعه الصناعي واللوجستيكي ووسع بنياته التحتية بشكل لافت، سواء في الموانئ أو الطرق السيارة أو السكك الحديدية أو الطاقات المتجددة أو الصناعات الحديثة.
لكن رغم ذلك، ما يزال معدل البطالة في حدود 13 في المائة، فيما تجاوز عدد العاطلين عن العمل مليوناً وستمائة ألف شخص.
هذه الأرقام تطرح سؤالا جوهريا: كيف يمكن للاقتصاد أن ينمو دون أن يخلق فرص شغل كافية؟
إن أحد أهم انتقادات التقرير يتمثل في أن الاقتصاد المغربي ما يزال ينتج نموا أقل قدرة على خلق مناصب الشغل مقارنة بما تتطلبه التحولات الديمغرافية والاجتماعية.
فالمواطن لا يقيس نجاح الاستثمارات بحجم الأموال المعلن عنها، بل بعدد فرص العمل التي تتيحها لأبنائه.
ولهذا دعا المركز إلى الانتقال من اقتصاد يركز على تحقيق النمو فقط إلى اقتصاد يجعل التشغيل في صلب أولوياته.
المدرسة المغربية… نزيف مستمر رغم الإصلاحات
خصص التقرير حيزا مهما للمنظومة التعليمية باعتبارها القلب النابض لأي مشروع تنموي.
فخلال السنوات الأخيرة، تم توسيع التعليم الأولي بشكل ملحوظ، كما أطلقت وزارة التربية الوطنية مشاريع إصلاحية مهمة، من بينها مدارس الريادة وبرامج الدعم التربوي والتكوين المستمر.
لكن التقرير يؤكد أن النتائج المحققة ما تزال دون مستوى التطلعات.
فحوالي 280 ألف تلميذ وتلميذة يغادرون مقاعد الدراسة سنويا، وهو رقم يعكس استمرار نزيف الهدر المدرسي رغم الجهود المبذولة.
كما أن جودة التعلمات ما تزال محل تساؤل، وهو ما تؤكده نتائج عدد من التقييمات الوطنية والدولية.
إن أخطر ما في الأمر أن المدرسة التي يفترض أن تكون آلية للترقي الاجتماعي أصبحت في كثير من الحالات عاجزة عن ضمان تكافؤ الفرص بين أبناء المغاربة.
الفوارق المجالية… مغرب بسرعتين
من القضايا التي أثارها التقرير كذلك استمرار التفاوتات المجالية بين الجهات.
ففي الوقت الذي تستفيد فيه بعض المناطق من النصيب الأكبر من الاستثمارات وفرص التنمية، ما تزال مناطق أخرى تعاني ضعف الخدمات الأساسية وصعوبة الولوج إلى التعليم والصحة وفرص الشغل.
ويرى المركز أن العدالة المجالية ما تزال تشكل أحد أكبر التحديات المطروحة أمام النموذج التنموي الجديد.
فلا يمكن الحديث عن تنمية حقيقية إذا ظل بعض المواطنين يعيشون على هامش التنمية فقط بسبب موقعهم الجغرافي.
التنمية الناجحة هي التي تصل إلى القرى كما تصل إلى المدن، وإلى الجبال كما تصل إلى السواحل، وإلى الأطراف كما تصل إلى المراكز.
الاقتصاد غير المهيكل… الدولة الموازية التي تقاوم الإصلاح
من بين المؤشرات التي أثارها التقرير استمرار الوزن الكبير للاقتصاد غير المهيكل داخل الدورة الاقتصادية الوطنية.
فهذا القطاع، رغم مساهمته في توفير مورد عيش لملايين المواطنين، يظل خارج المنظومة الجبائية والاجتماعية المنظمة.
وهو ما يحرم الدولة من موارد مهمة، ويحرم العاملين داخله من الحماية القانونية والاجتماعية، ويخلق منافسة غير متكافئة مع المقاولات المهيكلة.
ويعتبر المركز أن إدماج هذا الاقتصاد في الدورة الرسمية يمثل أحد المفاتيح الأساسية لتحقيق الإقلاع التنموي المنشود.
الريع والاحتكار… العدو الصامت للتنمية
التقرير لم يتردد في الإشارة إلى استمرار بعض مظاهر الريع والاحتكار التي تؤثر على دينامية الاقتصاد الوطني.
فالاستثمار لا يمكن أن يحقق كامل أهدافه في ظل غياب تكافؤ الفرص واستمرار هيمنة فاعلين محدودين على بعض القطاعات الحيوية.
كما أن التنمية لا يمكن أن تكون عادلة إذا ظلت الثروة الوطنية متمركزة بشكل مفرط لدى فئات ومناطق محددة.
ولهذا شدد التقرير على ضرورة تعزيز الشفافية والمنافسة وربط المسؤولية بالمحاسبة وتوسيع قاعدة المستفيدين من ثمار النمو الاقتصادي.
أزمة الثقة… التحدي الأكبر
ربما يكون أخطر ما كشف عنه التقرير هو الحديث الضمني عن أزمة الثقة.
فالمغاربة يسمعون يوميا عن مشاريع ضخمة واستثمارات كبرى وأرقام قياسية، لكن جزءا مهما منهم لا يشعر بأن انعكاسات ذلك تصل إليه بالسرعة المطلوبة.
وهنا تكمن أهمية بناء جسور الثقة بين المؤسسات والمواطنين.
فالتنمية ليست مجرد أرقام وإحصائيات، بل هي شعور جماعي بالإنصاف والأمل والانتماء.
وكلما اتسعت الفجوة بين لغة التقارير ولغة الواقع، ازدادت الحاجة إلى مراجعة طرق تنزيل السياسات العمومية وتقييم نتائجها.
المغرب في مفترق الطرق بين الإنجاز والتصحيح
خمس سنوات مرت على إطلاق النموذج التنموي الجديد، وهي مدة كافية للقول إن المغرب نجح في إطلاق أوراش استراتيجية كبرى غيرت وجه العديد من القطاعات، ووسعت الحماية الاجتماعية، وعززت جاذبيته الاستثمارية، ورسخت حضوره الاقتصادي قاريا ودوليا.
لكنها مدة كافية أيضا للاعتراف بأن الطريق ما يزال طويلا أمام تحقيق الأهداف الكبرى التي رسمها النموذج التنموي.
فوجود أكثر من 1.6 مليون عاطل عن العمل، واستمرار انقطاع حوالي 280 ألف تلميذ عن الدراسة سنويا، وهجرة مئات الأطباء كل عام، واستمرار الفوارق المجالية والاجتماعية، كلها مؤشرات تؤكد أن مرحلة الإنجاز يجب أن تليها مرحلة التصحيح والتسريع.
إن التحدي الحقيقي لم يعد هو إطلاق المشاريع والإصلاحات، بل ضمان وصول آثارها إلى المواطن أينما وجد.
فالمغاربة لا ينتظرون فقط المزيد من التقارير والمؤشرات، بل ينتظرون مدرسة أفضل، ومستشفى أفضل، وفرصة شغل أفضل، وعدالة اجتماعية ومجالية أكثر إنصافا.
وحين تصبح هذه المطالب واقعا ملموسا، يمكن القول إن النموذج التنموي الجديد لم ينجح فقط في تغيير السياسات، بل نجح في تغيير حياة المغاربة.
إذا أردت مقالة أكثر قوة وجدلية على طريقة مقالات الرأي المنشورة في “العلم” أو “المدائن بوست” مع إدراج نقد مباشر للحكومة والأحزاب والنقابات ومؤسسات الوساطة انطلاقاً من خلاصات التقرير، يمكنني إعداد نسخة ثانية أكثر حدة وتأثيراً