قضاةٌ نعم، ومحامون لا؟!.. المفارقة العجيبة في إقصاء خريجي كليات الشريعة

بقلم :حمد بن المصطفى بومعيز باحث بكلية الشريعة أكادير

يُثار نقاش واسع الآن حول أحقية خريجي كليات الشريعة في ولوج مهنة المحاماة، إثر تعديل مقترح داخل لجنة العدل والتشريع بمجلس النواب. وقد تباينت الآراء بين منصفين يدركون متانة التكوين المزدوج لهؤلاء الطلبة، وبين رافضين يتذرعون بـ”قصور التكوين القانوني” للخريجين وبأن المحاماة المعاصرة تتطلب إلماما بملفات الاستثمار والشركات لا توفره هذه الكليات.
لنضع العواطف جانبا، ولنحتكم إلى لغة العقل والمقررات الأكاديمية الرسمية التي تُدرَّس فعليا في كليات الشريعة (كلية الشريعة بأكادير)، لنرى إن كان هذا الرفض يستند إلى حجة صلبة، أم أنه مجرد إقصاء مسبق مبني على أحكام نمطية متجاوزة:
أولا: وهم التكوين “الديني الصرف
إن الزعم بأن تكوين طالب الشريعة يقتصر على الفقه والعقيدة هو تغاضٍ تام عن الهندسة البيداغوجية الحالية. ففي سلك الإجازة (مسار الشريعة والقانون والمهن القضائية)، يدرس الطالب مواد قانونية دقيقة ومحورية لا غنى لأي محامٍ عنها، وتشمل: المسطرة المدنية، والمسطرة الجنائية، والقانون التجاري، والشركات التجارية، والقانون الإداري، والقانون الجنائي الخاص. كما يدرس طلبة مسار الشريعة والقانون والمالية التشاركية مواد تطبيقية معاصرة كالقانون الضريبي والقانون التجاري. فأين هو القصور القانوني المزعوم أمام هذه الترسانة من المواد الأساسية؟
ثانيا: التخصص الدقيق في المهن القضائية
على مستوى مسارات التميز (وحدات مسار التميز: الدراسات القضائية المقارنة)، يتعمق الطلبة في فروع قانونية شديدة التخصص مثل: القانون الإداري، والقانون الجنائي الخاص، والتحكيم والوسائل البديلة لحل المنازعات، والقانون العقاري، إلى جانب المسطرتين المدنية والجنائية وأخلاقيات المهن القضائية والقانون التجاري. وفي سلك الماستر (الشريعة والدراسات القضائية المقارنة)، ينص التوصيف الرسمي للمسلك صراحة على أن هدفه هو “إعداد الطالب إعدادا متكاملا ودقيقا لمختلف مباريات المهن القانونية والقضائية والتوثيقية”. التكوين إذن مُصمم أكاديميا لخدمة هذه المهن، وليس وافدا غريبا عليها.
ثالثا: المفارقة العجيبة.. قاضٍ نعم، محامٍ لا!
هنا تكمن الصفعة المنطقية لكل من يحاول التقزيم من كفاءة خريج كلية الشريعة: كيف يستقيم في العقل والمنطق أن تفتح الدولة أبواب المعهد العالي للقضاء أمام هؤلاء الخريجين ليصبحوا قضاة يفصلون في النزاعات المعقدة، ويُقيّمون مذكرات المحامين، ويحمون الحقوق والحريات، بينما يتم التشكيك في أهليتهم لارتداء البذلة السوداء للوقوف في صف الدفاع؟ هل يُعقل أن يكون الخريج مؤهلا لاعتلاء منصة الحكم، وتُعتبر شهادته غير كافية للترافع أمامها؟ إن هذه المفارقة الصارخة وحدها تكفي لنسف أي ادعاء بعدم الكفاءة.
رابعا: المحك الحقيقي هو “ورقة الامتحان
إن تطوير منظومة العدالة لا يكون بإغلاق الأبواب وإقصاء كفاءات وطنية بناء على عنوان الكلية التي تخرجوا منها. المحاماة مهنة حرة ونبيلة، والمعيار الأوحد لولوجها يجب أن يكون “الكفاءة” التي يفرزها امتحان الأهلية. من يمتلك الزاد المعرفي، والقدرة على التحليل، وملكة المرافعة، سينجح في الامتحان بجدارة، سواء كان قادما من كلية الحقوق أو من كلية الشريعة. الامتحان هو الفيصل الحقيقي لضمان تكافؤ الفرص، وليس الإقصاء التشريعي المسبق.
ختاما،من يخشى المنافسة الشريفة في قاعات الامتحان، عليه ألا يختبئ خلف مبررات واهية لا تصمد أمام واقع المقررات الجامعية.

 

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد