العقل والنقد في عصر الأنوار 2/2

جوزيان بولاد أيوب

ترجمة ذ. محمد الهلالي

إن “حزب الفلاسفة” ومن لهم نفس أهدافه ومطالبه هم الذين حققوا الالتقاء ما بين تغيرات المفاهيم وتغيرات المجتمع. وهو ما يفسر الابتلاع المتبادل للفكر النقدي والفكر الفلسفي من جهة والحمولة السياسية لعملية من هذا القبيل: أي “النقد هو نهاية السلطة”.

 

لفهم ذلك، يجب التفكير في بعد من أبعاد “اختراع” الفكر النقدي، وفحص القيمة النفعية لنتائج التقاء النشاط النقدي والنشاط الفلسفي، ذلك اللقاء الذي صار قويا بعد الاستغلال المشترك للعقل. وفي هذا الاتجاه، نريد تحليل الوظيفة الإيديولوجية لنسق فرعي يخص ثقافة القرن الثامن عشر، مع استعمال كلمة “الإيديولوجية” هنا في معناها المحايد الذي يتضمن فقط دورها كركيزة عملية. أي أن الأمر يتعلق بالكفاءة والتكافؤ في مجالي السجال والسياسة للمفاهيم الأساسية الثلاث: النقد والعقل والفلسفة، كما صاغتها وفرضتها على الساحة الأوربية الأنسكلوبيديا التي تعتبر رمز “قرن النقد” بامتياز.

 

إذا كان من السهل نسبيا على مؤرخ الأفكار التعرف على السِّجلات الملموسة التي تعكس بوضوح التوجهات الجديدة للسيرورة الدلالية الجماعية (السيميوزيس)، وإذا كان المجال، بالنظر إلى ذلك، قد عثر عليه بدون عناء مع الأنسكلوبيديا التي كان أحد أهدافها المصرح بها هو بالتحديد تحديد آفاق تلك الحقبة والإشارة إلى طرق تحقيقها في توافق مع متطلبات العقل والفكر النقدي، فإنه من الصعب جدا بكل تأكيد تعيين أسباب تغير “القدرة على إصدار حكم سليم”. من الممكن، مع ذلك، ذكر بعض الشروط ومن بينها الشروط التي تعتبر رمزية والتي تتصدر تجديد القيمة الدلالية لتدفق المعلومة التي تنتشر في ثقافة ومجتمع معينين في حقبة محددة من تطورها.

 

يتضمن تكون الفكر النقدي في القرن الثامن عشر أحد المصادر النموذجية، فيما يخص الجوانب الإيديولوجية، للتغيرات التي تمت على مستوى الفكر والعمل، والتي تميز حقبة عن أخرى، عبر الخطابات والممارسات الجماعية. وبالفعل، فتأثير عمل قادة “جماعة الأنسكلوبيديا” سيؤدي ليس فقط إلى تكون الفكر النقدي، أو بالأحرى التمثلات الأساسية التي تساهم في تشكله، بل أدى أكثر من ذلك إلى نشر تلك التمثلات الأساسية بشكل ملموس في المحيط الثقافي لتؤثر فيه من أجل تغييره.

 

ستجد منجزات الفكر النقدي على المستوى الرمزي ترجمة سريعة لها، ابتداء من سنة 1789، على المستوى التاريخي العام. فـ”روبسبيير” Robespierre الذي يبدو لي الفاعل الرئيسي للتحيين السياسي للفكر النقدي ولإمكانياته وفرصه الثورية، سوف يقر – مع نقده لثغرات وأخطاء عمل “الفلاسفة” – بدَيْنِه تجاههم. ولقد صرح في خطابه الهام (ماي 1794) أن “كل من سيتجاهل تأثير وسياسة جماعة الأنسكلوبيديين، لن تكون له فكرة كاملة عن التمهيد لثورتنا”.

 

لكن النصر النهائي للفكر النقدي هو نتيجة “للمعركة الفلسفية”، معركة العقل باسم التقدم ضد التقليد واللاتسامح في مجالات العلم والسياسة والأخلاق أو الدين. كما أن التغيرات على مستوى المفاهيم المرتبطة بالتحولات الاجتماعية الملاحظة آنذاك والمعاشة كأزمة، هي بدورها خضعت للشروط العامة لعملية أدلجة الأنشطة الاجتماعية والرمزية ومنتجاتها. وتمر هذه الأدلجة، من جهة، عبر تكوين سلطة فكرية رمية هي سلطة الرأي التي صاغ حزب الفلاسفة توجهاتها وتعبيراتها، فسلطة فكرية من هذا القبيل سيتم توجيهها، من خلال حيوية تركيبتها، لتحل محل سلطة فكرية تمارسها هيأت سياسية تتكون من الملك والنبلاء ورجال الدين، الذين هوجموا لكونهم “غير متنورين”، ومن جهة أخرى، فالضّم الاستراتيجي للمجالات التي كان يعمل بها الناقد الفيلسوف، بكيفية منفصلة إلى حدود تلك الآونة، يمثل الشرط الثاني من الشروط الخاصة بتلك الحقبة التي تمت أدلجة الخطاب تحت تأثيرها. ويتضاعف ذلك الإلحاق بإعادة تقويم للإشكالات المتصلة بمجالات النشاط النقدي وتقويم امتدادها غير المحدود في محكمة العقل. إن الاستقطاب المتبادل لمفهومي العقل والفلسفة، والذي أخضع له رموزُ الثقافة الأكثر أهمية آنذاك، فكرَ وسلطاتِ النقد، هو الذي يسمح وحده بفهم كيف حصل مفهوم النقد في القرن الثامن عشر على انسجامه ومعناه، وأصبح متماثلا مع حرية التفكير والفكر النقدي وكيف تنامت أكثر فأكثر أهميته وفعاليته السياسية في صلب الأنشطة الاجتماعية الدالة والعملية.

 

كان مفهوم النقد في البداية مفهوما بعيدا عن السياسة والمجادلة. فلقد كان يحيل بالأساس، قبل التغيرات التي طرأت عليه إلى تفسير التوراة. وسوف يحظى بالكفاءة والتكافؤ الإيديولوجيين بعد الاستغلال المتميز له من قبل الفلاسفة، والمتمثل في القيام بعمل نقدي جذري من طرف الرواد: المدافعون عن الحرية في القرن الثامن عشر، أمثال سبينوزا، ريشار سيمون، وبالخصوص بايل. فلما اكتشف هؤلاء الرواد المعنى الاشتقاقي لكلمة “نقد” والذي يعني “التمييز” و”الحكم” سيعلنون عن تبنيهم للنشاط الملازم للفكر النقدي لتطبيقه على النصوص المقدسة.

 

إن فكر الأنوار الذي أضاف إلى أهدافه المعرفية خطة نضالية ذات تأثير سياسي، دافع عن القدرة التفسيرية للنقد الذي أعلن انتماءه لسلطة العقل ضد سلطة التقاليد والكتاب المقدس والوحي، وسيتشبث أيضا بفرض أولوية قواعد العقل على قواعد الاعتقاد الذي وصف بالأعمى مقابل النقد الذي وصف بالمتنور، ويتم ذلك كله على حساب الإيمان وطقوسه. يعتبر أنصار الحقيقة نضالهم الفلسفي معركة من أجل “الأنوار” أي من أجل التقدم والحرية ضد معركة “الظلمات” التي تخوضها قوى الدين المحافظةـ أي قوى التعصب والخرافة والأحكام المسبقة. لقد قام ديدرو Diderot، على سبيل المثال بنقد النصوص المقدسة عبر برنامج النقد التاريخي، مقدما بذلك درسا في المنهج والفكر النقدي في مجال نقل “الشهادة”.

 

وعلى المستوى السياسي، ستتم إدانة مذهب الحكم المطلق المرتكز على “الحق الإلهي”، لأن نظاما من هذا القبيل يعبر عن رفض للتفسير العقلاني للسلطة. وبالمقابل، سيتم قبول كل نظام يمكن تعريف “مبادئه” تعريفا ديمقراطيا.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد