عيد المرأة والنظرات الضيقة

بقلم الدكتور: زهير عابد: أستاذ الإعلام- جامعة الأقصى

   نهنئ المرأة العربية والإسلامية، ونهنئ جميع نساء العالم بهذا اليوم العالمي للمرأة. ونقول لهن كل عام وأنتن بخير، فقد جاء اليوم العالمي للمرأة على خلفية التطور التصنيع السريع الذي حصل في أمريكا وأوروبا، إذ نمت النقابات العمالية في القرن التاسع عشر  ردا على الاستغلال المهين للطبقة العاملة من قبل شركات العمل، وفكرة الاحتفال ربما جاءت في بدايات القرن العشرين الذي قرره ائتلاف المنظمات النسائية عام 1908 في يوم الأحد من نهاية شهر فبراير، إلا أن الإعلان عن اليوم العالمي للمرأة جاء بعد نجاح نضال المرأة في الولايات المتحدة والذي تقرر في 8 آذار 1913، وبقي هذا التاريخ رمزاً لنضال المرأة.

لذا كالعادة تحتفل بهذه المناسبة  المؤسسات الحكومية والمؤسسات النسائية والحقوقية والإعلامية وغيرها من المؤسس13+ات، فالكل يحتفل على طريقته، تخرج المظاهرات وتعقد الندوات والمؤتمرات التي تطالب بحقوق المرأة، ومن أكثر مطالب المرأة في هذا اليوم مساواتها مع الرجل في كل شيء، وغيرها من المطالبات الأخرى.

وكثير من أصحاب النظرات الضيقة والعقول المحصورة بفكر معين، يرى أن هذا يمس المرأة المسلمة، وأنها موجهة ومعدة من أجل جرف المرأة المسلمة عن دينها وتوجيها إلى عقائد الغرب، وأن مثل هذه الاحتفالات قد تكون في باب المحرمات، بالرغم أن الإسلام جاء يحتفي ويكرم المرأة، فالمرة هي الأم التي جعل الإسلام الجنة تحت قدميها، وهي الزوجة ما أكرمها إلا كريم وما أهانها إلا لئيم، وهي البنت من أدبها فأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها كانت له حجاباً من النار، وهي الأخت والعمة والخالة التي جاءت النصوص الشرعية بضرورة الإحسان إليها، فمن وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه الله.

وقد رفع الإسلام المرأة في مكانة عالية فهن شقائق الرجال،  وخير الناس خيرهم لأهله، وإذ كبرت فهي المعززة المكرمة، التي يحوطها وليها بالرعاية ولا يرضى أن يمسها أحد بسوء، ولا ألسنة بأذى، ولا أعين بخيانة،  وواجب على زوجها إكرامها، والإحسان إليها.

وللمرأة في الإسلام حقوق لم يأتي بها شرع ولا دين أحسن ما كفل لها الدين الإسلامي من حقوق وتكريم، فلها حق التملك والإجارة والبيع والشراء وسائر العقود، ولها حق التعلم والتعليم، بما لا يخالف دينها. وللمرأة، قال تعالى: “وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا “، وقال النبي-صلى الله عليه وسلم-: “لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد، ثم يضاجعها”. فالمرأة مهما قدمنا لها فلا نعطيها ما تستحق من تقدير، فهي الأم والأخت والزوجة.

أما فيما تريد المرأة وما تحلم به، فبالتأكيد المرأة مثلها مثل أي إنسان على وجه هذه الأرض لها طموحات وتطلعات عديدة، ورغبة في أن تكون مشاركة في الحياة المجتمعية والسياسية والتنمية دون عوائق، ودون ما يحد من حريتها في الاختيار وحريتها في القرار، فقد أبدعت المرأة في كثير من المجالات عندما أفسح المجال لها، وقد أجادت وأثبتت وبرهنت للأخرين أنها رئيسة ورئيسة وزراء ووزيرة ومديرة …فقد تقلدت العديد من المناصب السيادة في دول العالم عند أتيحت لها الفرصة لذلك.

كما يمكن أن يكون لها دوراً اجتماعياً فعالاً، وأن تعمل على التغيير على مستوى المجتمع، بما لها من دور فعال على مستوى الأسرة، ولما تمتلكه من إمكانات عالية على مستوى الأمومة أو الشراكة الزوجية، فهي قادرة على العطاء، من خلال الموائمة بين دورها العائلي ودورها الاجتماعي. لعائق الأول الذي تواجهه المرأة هو العائق القانوني، فالمرأة في مجتمعاتنا تواجه عوائق تمنعها أن تمارس دورها الطبيعي بحجمها في المجتمع، هذه العوائق تختلف، فبعضها قانوني، وبعضها سياسي أو اقتصادي، فالرجل يستطيع أن يتحرك بحرية أكبر وفي مساحة أوسع، إذ يجد الرجل أن القانون إلى جانبه، أما المرأة فإن الكثير من القوانين والتشريعات فيها الكثير من الحيف على حقوق المرأة وحريتها، وعلى دورها في المجتمع.

والمرأة العربية تعاني من العائق الثقافي لأن الثقافة السائدة في المجتمع العربي لا تعترف للمرأة بكمال إنسانيتها، فالبعض يصنفها إنسان من الدرجة الثانية، في مقابل الرجل الذي يأتي في الدرجة الأولى، لذا يرى الرجل أنه أفضل منها، وهذه ثقافة خاطئة ومغلوطة، والاستدلال بقوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء﴾، فهذا استدلال خاطئ، لأن القوامة إنما تكون في الحياة الزوجية وضمن الضوابط الشرعية فقط، وليست قوامة شاملة، فالقرآن لم يقل إن الرجل له قوامة على المرأة كونه رجلًا وهي امرأة، ويقول سبحانه: ﴿خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾، أما العائق الثاني فهو العائق الاجتماعي الذي يسود في المجتمع، ويحجم دور المرأة الاجتماعي فهي لا تأخذ دورها الطبيعي في واقع الحياة الاجتماعية.

لذا على المرأة أن تستمر في النضال من أجل الحصول على كامل حقوقها الاجتماعية والثقافية والسياسية، بالمشاركة الفعالة في جميع مؤسسات المجتمع، من أجل النهوض بالوطن وتحقيق أماله.

             

 

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد