بقلم الأستاذ محمد الهلالي
تنبأ الكاتب نجيب محفوظ (1911-2006) بجزء من الأحداث المأساوية التي تسببت فيها حركة الإخوان المسلمين بمصر حين قال: “إن مصر تريد أن تجرب الإخوان، والتجريب كما تعلم يعني الكشف والتمحيص والتيقن ثم الحسم النهائي واتخاذ الموقف الصائب” (أخبار الأدب).
ولعل التجريب كان حتميا بسبب الحشد المالي والإعلامي والدعم الأجنبي والتضليل باسم الدين الذي لجأ إليه الإخوان منذ تأسيس الجماعة سنة 1928 من طرف حسن البنا (1906-1949). و”البنا” لقب له، أما اسمه الكامل فهو: حسن أحمد عبد الرحمان محمد الساعاتي. وما يدعو للاستغراب هو التعامل بذاكرة مثقوبة أو بجهل فعلي مع تجربة حركة الإخوان. فالمتأمل في تاريخ حركة الإخوان لا يجدها إلا حركة سياسية تستعمل الدين وتستغل جهل العامة وتستثمر في المجال العام باسم الموروث العام الذي هو الإسلام للوصول للسلطة وممارسة الحكم الاستبدادي الديني سياسيا وعسكريا. ولقد أثبتت سنة كاملة من حكم الإخوان كجماعة (متمثلة في حكم مكتب الإرشاد لمصر عبر محمد مرسي المكلف بالرئاسة في هذا المكتب) على استبدادية الجماعة عبر ممارسات إضفاء الطابع الإخواني على مؤسسات الدولة والترهيب والتخويف واستغلال المناصب وتدمير فكرة الوطن والتعامل مع إسرائيل وأمريكا كحليفين حميمين.
لذلك لا يجب أن نستغرب ما قاله عن الجماعة أيمن فايد (مستشار القاعدة السابق): “الإخوان كبيرهم مأجور وصغيرهم مضلل”. مؤكدا على أن الإخوان يستعملون العنف “لترهيب أصحاب الأقلام التي تكشف الحقائق المرة لتاريخهم الأسود”.
والمتتبع لتاريخيهم اعتمادا على المراجع المؤيدة والمناوئة لهم يستنتج تورطهم في ملاحقة معارضيهم واللجوء للتدمير والخراب (هناك من يرى أن لهم دورا في حريق القاهرة سنة 1952). فهم مهووسون بمصلحتهم المركزية المتمثلة في الوصول للسلطة مهما كان الثمن الذي يدفعه الناس. وهذا ما تعبر عنه بوضوح الإخوانية عزة الجرف (الملقبة بأم أيمن) من خلال ما كتبته على صفحتها في شبكة التواصل الاجتماعي (19 غشت 2013): “إن مقتل 24 جنديا اليوم هو حادث بسيط. ما الذي سوف يحدث للجيش الانقلابي الكافر والشرطة الفاجرة عندما تأتي مجنزرات وطائرات الناتو؟ سوف يركع الجيش المصري للإخوان ولن نرحمهم. وبإذن الله سوف يصدر مجلس الأمن قرارا لصالح الإخوان وتتحرك الطائرات والقوات العسكرية لحلف الناتو لضرب الجيش المصري الخائن وتحرير مصر ويرجع الزعيم مرسي إلى مكانه بالاتحادية (القصر الرئاسي) معززا مكرما”. ونجد نفس المضمون بنفس الروح الإجرامية فيما كتبه الدكتور محمود غزلان الناطق الرسمي باسم الإخوان المسلمين وعضو مكتب الإرشاد وصهر خيرت الشاطر (بتاريخ 02 سبتمبر 2013) على صفحته في شبكة التواصل الاجتماعي: “ستأتون إلينا زاحفين باكين تترجونا وتأملون أن نسامحكم، ولكن لن تأخذنا بكم رأفة وسندق أعناقكم وحناجركم. يا أهل مصر لقد أتينا لننقذكم من الجاهلية والكفر وعصور الظلام التي كنتم تعيشون بها، فهل هذا هو جزاء الإحسان ؟”.
سنلاحظ، إذا تجاوزنا العمالة الظاهرة للغرب، الحقد والروح الإجرامية وانعدام أية صلة بالوطن وكراهية الجيش الوطني والولاء المقدس للإخوان والسطحية الفجة في تناول الأحداث والتعامل بقسوة لا إنسانية مع اغتيال جنود شباب أبرياء ينتمون للطبقة الشعبية الفقيرة والتهديد والوعيد والإفصاح عن النزوع الإرهابي.
وإذا كانت أم أيمن تعبر عن ذهنية الكائن الإخواني الشبح (كامرأة تحولت لظل رجل) فما القول في مؤرخ علماني ومدرس جامعي يحسبه البعض ماركسيا حين يفتخر بكونه “إسلاميا” ليدافع كما يتوهم عن “احترام نتائج صناديق الاقتراع والحق في التظاهر في الشارع وعودة العسكر إلى ثكناتهم…”؟ وكيف ينسى هذا المؤرخ (الذي تم استغلال تضامنه أبشع استغلال) أن الإسلاميين الذين يدافع عنهم (وكأنه يتقمص روح حركة مايو 1968 التي رفعت شعار “نحن جميعا يهود وألمان” للدفاع عن كوهن بيندت الذي هاجمه جورج مارشي واصفا إياه “بالفوضوي الألماني”) لا يؤمنون بالانتخابات ولا يحترمون قواعدها ويستغلون الصندوق الانتخابي لمجرد الوصول للسلطة ليلغوا العملية الانتخابية بعد ذلك، ويستعملون العنف والاحتجاز بالعنف والتهديد والتعذيب والقتل وأن الجيش المصري تدخل في آخر المطاف بعد رفض مرسي اللجوء لانتخابات مبكرة وبعد نزول أكثر من 30 مليونا مصريا للشوارع يطلبون الخلاص من حكم مرشد الإخوان محمد بديع ؟
وما القول في يساري اشتراكي ينظر يسارا ويمينا دفاعا عن الإسلاميين المصريين (وقلبه على الإسلاميين المغاربة منتظري التمكين) باسم رفض الإقصاء والاستأصال ويتموقع في منطقة رمادية محاولا الإفلات من اتخاذ أي موقف دون أن يلتفت لمواقف الليبراليين والعلمانيين والتقدميين اليساريين والمثقفين المصريين المكتوين بنار الإسلاميين وبفاشيتهم ؟
فما هو موقف الليبراليين والعلمانيين والتقدميين واليساريين والمثقفين المصريين من جماعة الإخوان ؟ جاء في بيان الحزب الشيوعي المصري (16 غشت 2013) ما يلي: “إن شعبنا يخوض معركة فاصلة مع القوى الفاشية الإرهابية العميلة للإمبريالية وهذا يستلزم اصطفافا وتوحدا بين كل القوى الوطنية الشريفة… كما أن المواقف المساندة والداعمة لهذه الجماعات الإرهابية تدل على علاقة العمالة التي تربط هذه الجماعة (الإخوان) بالإمبريالية العالمية. كما تبرهن على الدور الخياني الذي قامت به هذه الجماعة أثناء سيطرتها على حكم مصر خلال العام الماضي في خدمة مخططات القوى الإمبريالية وكان مقدرا لها استكماله حتى النهاية لولا ثورة الشعب المصري العظيم”.
ونقرأ في جريدة الأهالي لسان حال حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي (بتاريخ 20 غشت 2013) والتي ترأس تحريرها الكاتبة فريدة النقاش ما يلي: “انتهج الإخوان المسلمون خلال احتجاجاتهم أدوات التظاهرات والمسيرات وقطع الطرق ومحاولات الاعتصام، لكن كل تلك المظاهر الاحتجاجية قد انتهت بمظاهر للعنف الممارس منها وعليها…”. ونظمت القوى الاشتراكية ندوة حول الأسس القانونية والسياسية لاعتبار جماعة الإخوان منظمة إرهابية.
وانبرى المثقفون والفنانون لمحاربة إرهاب الإخوان. فأصر الناقد والخبير اللغوي بمجمع اللغة العربية عبد المنعم تليمة (المزداد سنة 1937) على “أن الحكم للشعب”. وأكد الشاعر عبد المعطي حجازي (المزداد سنة 1935) على دور الثقافة في “كف شر الإخوان”، وتصدى “للوعي المزيف الذي أشاعه الإخوان خلال العقود الأربعة الماضية في غياب يكاد يكون تاما للثقافة الديمقراطية والمدنية…”. وانتقد مؤسسات الثقافة التي فشلت لأنها “اهتمت بالاحتفالات والاستعراضات دون أن تواجه الأكاذيب والخرافات التي أشاعها الإخوان وجماعات الإسلام السياسي واستخدموا في ذلك دور العبادة وتحولت صفحات الصحف إلى مباريات لمن يتحدثون عن الإعجاز العلمي للقرآن وتطبيق الشريعة”. وطالب بتحرير القانون من قوانين الحسبة (وقانون الحسبة هو لجوء أي مواطن للقضاء حين يعتقد أن هناك وضعا مخالفا للشريعة الإسلامية للفصل فيه وفق الشريعة، ولقد تم استعمال قانون الحسبة للتفريق بين الباحث نصر حامد أبو زيد وزوجته بتهمة حكمه على القرآن الكريم بأنه منتج تاريخي) وتحرير الدستور من النص على الشريعة.
أما كاتب السيناريو الشهير وحيد حامد (المزداد سنة 1944) والذي كتب سيناريوهات لأفلام عادل إمام الشهيرة (عمارة يعقوبيان، طيور الظلام، الراقصة والسياسي، الإرهاب والكباب…) فلقد صرح بوضوح أنه “لا مصالحة مع الإرهاب” وأن “شرعية الإخوان انتهت بخروج الشعب المصري عليهم”. وأضاف قائلا: “أرادوا أخونة التعليم والحكم المحلي وكأن مصر هي الجماعة. من ينكر الثورة المصرية عنده رمد في عينيه. فهذه إرادة الشعب. العنف كان متوقعا. فجماعة الإخوان سعت إلى الدم من البداية”. (جريدة الأهالي، 20 غشت 2013).
كما وجه نايف حواتمة (الأمين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين المزداد سنة 1935) رسالة لقادة دول أمريكا الجنوبية بطلب من الدكتور رفعت السعيد حول حقيقة الأوضاع في مصر جاء فيها: “نؤكد لكم أن ما جرى وما يجري في مصر هو مسار طبيعي وانتقالي نحو هوية مصر، الدولة المدنية الحديثة الديمقراطية، دولة القانون والمساواة والمواطنة والعدالة الاجتماعية لجميع المصريين… وعلى الضد من الحكم الديني الفاشي الذي أراده مرسي وحزب الإخوان المسلمين، والذي جسد بالممارسة شخصية الرئيس للحركة الإخوانية اليمينية فقط، وليس لمصر كلها، إن من حيث الدولة الدينية من لون واحد، أو الإقصاء للقوى الثورية الوطنية والديمقراطية اليسارية والتقدمية عبر محاولات أخونة الدولة وأسلمة المجتمع والتنكيل بقوى المعارضة الثورية الوطنية واليسارية والطوائف الدينية الأخرى، ناهيكم عن الموقف المتخلف والرجعي من المرأة…” (جريدة الأهالي، 21 غشت 2013).
كما عبر الأزهر والأوقاف عن الاستنكار الشديد لتحويل المساجد إلى مقرات حزبية للإخوان. وقدم مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية تقريرا عن أحداث العنف والقتل والتعذيب التي ارتكبها الإخوان المسلمون وأنصارهم (ففي الفترة من 29 يونيو إلى 02 غشت رصد المركز 82 حالة قتل، 44 حالة تعذيب جسدي، 22 واقعة تعذيب أفضت للقتل)…
كيف يمكن فهم المواقف المتذبذبة وغير المنسجمة لبعض الكتاب المغاربة المحسوبين على التيار الديمقراطي والعلماني؟ وهل من المستساغ أن يزايدوا في “قيم الوطنية” على المثقفين والفنانين المصريين وعلى الأقباط والأزهر بل وعلى أكثر من 30 مليونا مصريا طالبوا بالتحرر من الحكم الديني الاستبدادي ؟