الإسلام وحرية الاعتقاد

بقلم ذ.محمد الهلالي

ارتبطت حرية الاعتقاد في الإسلام بالتأويل والبحث عن قراءة جديدة للتراث، وبالتحديد لنصوصه المؤسسة، وهذا الأمر كان ممكنا ولازال بسبب تاريخية النص المطلق، ذلك أن الإطلاقية هنا ليست ميتافيزيقية وإنما هي إطلاقية لا يمكنها التحرر من مرجعها الزمني.

لقد ولدت التيارات الدينية السياسية الأولى كما يدل على ذلك اسمها من قلب الصراع السياسي داخل المجال الديني، وفي خضم البحث عن مشروعية للحاكم وحكمه. وهذا ما نجده في العملية التأويلية المستندة على السيف والتي تمخضت عن ميلاد المرجئة والشيعة والخوارج.

وسوف تتعمق هذه الظاهرة مع أنصار الحرية وأنصار الجبر في بداية حكم بني أمية لتتوج بنظريات لاهوتية متطورة مع المعتزلة والأشاعرة.

في هذه الحالة، كانت حرية الاعتقاد تعني الانتصار للعقل الخاضع للدين، والبحث عن تكريم الإنسان بالمسؤولية عن أفعاله وعدم التسليم بأن الأفعال تخلق وتفرض على الإنسان أو لا يعمل الإنسان إلا على تنفيذها حيث ينحصر اختياره في اختيار ما هو مخلوق وليس في خلق الفعل بإرادته وقدرته.

والبحث عن مشروعية للعقل يعني تقصي أسباب النزول ومعاني اللغة العربية والسيرة النبوية وترجيح آيات على أخرى.

إن ما يشكل العقبة الأساسية أمام حرية الاعتقاد داخل الإسلام هو طبيعة الدين ذاته. فهل الدين هو رسالة روحية وعلاقة مقدسة بين المؤمن وخالقه؟ أم هو مجموعة تشريعات وأوامر ووصايا فرضها الخالق على المخلوق؟

إذا كان الدين محبة فإن النص الديني سيكون أرضية للتعبد وسيمكن الإيمان المؤمن من السمو نحو محبة الخالق. أما إذا كان الدين مجرد مجموعة نصوص وتشريعات ووصايا فإن المؤسسة ستصبح هي الدين وستتماهى مع أوامر الخالق.

لم يستطع أي دين أن يجيب عن الإشكالات البشرية ولا أن يسيطر على جميع العقول والقلوب، ولذلك وجدت الهرطقة والزندقة والنقد الجذري للدين من داخله ومن خارجه في كل الأزمنة.

هذا هو الإشكال الحقيقي الذي يفسر مسألة اعتناق دين جديد أو التخلي عن دين قديم أو التنصير أو التبشير. فالإسلام يعترف لنفسه بحق دعوة الآخرين للدخول إليه بالتي هي أحسن أو بالعنف ولكنه ينكر هذا الحق على الآخرين.

فعوض أن يحتج المسلمون على التنصير أو الإلحاد، يجب عليهم بالأحرى أن يتساءلوا عن الأسباب التي تجعلهم يعتقدون أن لهم الحق في نشر الإسلام في بلاد النصارى والمشركين. علما بأنه لا يجب إقحام الأطفال في الصراعات الدينية لأن قوة الإيمان لا تكمن في “وراثته“ من المحيط وإنما تكمن في الإيمان به مادام العقل عاجزا عن استعمال وسائله في هذا المجال.

لازال عقلانيو الإسلام المحدثون يدافعون، مثلهم في ذلك مثل القدماء، عن موقع قدم للعقل في الدين، وهذا هو الطريق الأقرب للانتصار على ثقافة اللاعقل والإكراه. ويمكن أن نذكر في هذا المجال ما قام به كل من حسن حنفي وعبد المجيد الشرفي وفرج فودة والصادق النهيوم وعلي عبد الرازق وحسن الترابي وغيرهم…

وعلى سبيل المثال فلقد اشتهر حسن الترابي بإطلاق عدة فتاوى أقلقت جهابذة الوهابية وشيوخ الأزهر. فلقد أفتى مثلا “بإباحة زواج المسلمة برجل كتابي من اليهود أو النصارى بدون أن يعتنق الإسلام“، وأنكر وجود عذاب القبر، وقال في هذا الصدد: “هناك من يقول بمنكر ونكير وعذاب داخل القبر، وهذا غير صحيح. فالإنسان حينما يموت تصعد روحه لله سبحانه وتعالى، أما الجسد فيتآكل وينتهي ولا يبعث مرة أخرى، وإنما يقوم الله سبحانه وتعالى بخلق جسد جديد من الطين“. وأفتى أيضا بعدم شرعية عقوبة الرجم في جريمة الزنى للمتزوجين، وقال “أن عقوبة الزنى هي الجلد فقط، وأن الرجم لا محل له في الدين الإسلامي“ وقال أن “ما طبق منه في عهد الرسول تم قبل نزول التشريع بشأن الزنى”. وأفتى أيضا بأن شهادة المرأة العالمة تعادل شهادة أربعة رجال جاهلين.

هذا النوع من الفتاوى يعتبر نقدا داخليا لإسلام. وهناك نقد آخر للإسلام من خارجه يريد هدمه مثل النقد المسيحي للإسلام وخصوصا ما يقوله القمص زكريا المسيحي القبطي، وكذا ما يقوله المغربي أحمد الذي اعتنق النصرانية وأعلن عداءه للإسلام، وهو أمر واضح في ترجمته لبعض النصوص القرآنية إلى الدارجة، مستهدفا نقطة قوة القرآن وهي الإعجاز اللغوي. فهو يقدم ترجمته لسورة “الكوثر” إلى الدارجة المغربية على الشكل التالي: (راه عطيناك الخير بلا عداد / إيوا صلي لمولاك وذبح ف العياد / راه عدوك هو اللي بلا ولاد). وهي ترجمة تضعف النص الأصلي الذي يقول: (إنا أعطيناك الكوثر / فصلي لربك وانحر / إن شانئك هو الأبتر)

ويقدم ترجمته لسورة المسد على الشكل التالي: (الله يخلي أبي لهب / ماغادي ينفعوه لا فلوسه ولا داك الشي اللي كسب / غادي يتلاح ف عافيه كتلهلب / ومراته اللي كاتهز لحطب / فعنكها حبل من القنب). وهذا إضعاف للنص القرآني الذي يقول: (تبت يدا أبي لهب وتب / ما أغنى عنه ماله وما كسب / سيصلى نارا ذات لهب / وامرأته حمالة الحطب / في جيدها حبل من مسد).

أما النقد البناء الذي على المسلمين التفكير فيه فهو ما جاء في المادة 18 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان: “لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والدين، ويشمل هذا الحق حرية تغيير ديانته أو عقيدته، وحرية الإعراب عنهما بالتعليم والممارسة وإقامة الشعائر ومراعاتهما سواء أكان ذلك سرا أم مع الجماعة”.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد