توفي الكاتب والناقد الفني البريطاني جون برجر عن 90 عاماً، وفقاً لما أعلنته دار نشر “الفاجوارا”. وأشارت دار النشر في حسابها في “فايسبوك”: “اليوم نودع بحزن كبير جون برجر، كاتب أعمال خالدة منها رواية (ج)، لقد كانت شرفاً لنا فرصة نشر أعماله باللغة الإسبانية”. ولد برجر ولد في الخامس من نوفمبر/تشرين الثاني 1926 في لندن، وبدأ مسيرته الأدبية برواية “A Painter of Our Time” التي ألفها العام 1956 ونشرها بعد عامين. ونشر أول كتاب مقالات له العام 1972، ثم تحول إلى مسلسل تلفزيوني أنتجته “بي بي سي”. عاش برجر في قرية فرنسية في جبال الألب ليحظى بفرصة الهدوء بعيداً من ضجيج ونفاق ما سمّاه “الليبرالية الجديدة”، ومن تلك القرية استوحى شخصيات وأحداث ثلاثيته الروائية عن حياة الفلاحين بعنوان “في كدحهم”.
جون برجر، اشتهر في السبعينات بنقده للفن الماركسي. يقول عنه سلمان رشدي: “إن جودة برجر العالية، أنه استطاع دائماً أن يظهر لنا أن ما نراه يمكن أن يكون مغشوشًا”. لم يفصل برجر بين الرسم والكتابة السياسية الملتزمة، وهو يجمع بين المعرفة الواسعة والملاحظة اليومية، التي تضيء الموضوعات التي يلامسها، في العديد من مؤلفاته: المنفى، الهجرة، والليبيرالية الجديدة، زوال عالم الفلاحين، ورواية الملك، التي يروي فيها يومًا في حياة مجموعة من لا مأوى لهم في ضواحي عاصمة أوروبية كبيرة.
نضال
كتب برجر العام 2003 بعد الاحتلال الأميركي للعراق، مقالاً فيه الكثير من المرارة، عنوانه “كُتِبَ في ليل”، وفيه يتحدث عن الاستهانة بالأمم والثقافات وشهوة المال والسلطة التي توجه الساسة الكبار، ويعلن انه ليل الحضارة الذي نشهده الآن. خلال يونيو/حزيران 2003، زار برجر، رام الله، في فلسطين. ومن وحي زيارته تلك، كتب نصاً بعنوان “كذلك كان تعبير عينيها”، فيه تحدث عن عذابات الفلسطينيين في ظل الاحتلال الإسرائيلي. وفي مقدمة النص المذكور، يقول برجر: “الطريق الصغير الذي ينسلّ بين الصخور الكبيرة، ينزل إلى واد جنوب رام الله. أحياناً يتلوّى بين حقول الزيتون، فيها الأشجار وقورة، بعضها يعود إلى العصر الرّوماني. هذا المسرب الحجريّ (السيارة يمكن أن تجده جدّ عسير وجدّ متعب)، هو المنفذ الوحيد للفلسطينيين إلى قريتهم القريبة. الطريق المعبّد والأصلي، الذي أصبح ممنوعاً عنهم، هو الآن مخصص للإسرائيليين الذين يقطنون المستوطنات. لمحت زهرة حمراء بين الشجيرات، وتوقفت لكي أقطفها. بعد ذلك عرفت أنها تدعى Adonis Aestivalis، لونها جدّ غامق وحياتها حسب كتاب النباتات، جدّ قصيرة”. ومتحدثاً عما شاهده خلال توجهه إلى رام الله، يقول برجر: “يصرخ بهاء محذراً إياي من التوجه إلى الهضبة التي على يساري، فإذا هم شاهدوا أحداً ما يقترب، يطلقون النار، أحاول أن أعرف المسافة التي تفصلني عنهم: أقل من كيلومتر”.
الفن
قيل عن برجر انه من الكتّاب الأكثر نفوذاً في العالم، خلال السنوات الخمسين الأخيرة. أعماله مجدَّدة في الشكل وفي الأبعاد التاريخية والسياسية. درس التصوير والفن. يقول إن الرسام مثل عازف البيانو، إذا توقفت أنامله، ولو ليوم واحد، خسر شيئاً من مهارته. هكذا وجد برجر في النقد التشكيلي عالماً يجمع الكتابة بالرسم. ويضيف: “الرسم في اعتقادي على قدر عال من التواصل، مع الجوهر الغامض للعالم، والطبيعة، والحياة. في هذه الجوهرية تكمن الأشياء الأخرى: قوانين العلة والمعلول، الاحتكاك بين الرغبات والواقع، وهناك ضرورة لكل ما يولد: المأساة، وكذلك إمكان الحب. لكن وسائل الإعلام ليست على هذا النحو، وإنما هي مثلما تستخدم اليوم، تميل نحو فصل الروح عن الجسد، ولكل ما هو افتراضي: لكن ما هو الافتراضي؟ إنه الظواهر الواضحة والخالية من الجوهر. حيث الضرورة فيها غائبة، إذ يوجد في كل ما هو افتراضي نوع من الجنس الظاهري، وهذا كل شيء. النتيجة التي ينتجها، هي شعور عميق بالعزلة”.
صدر لجون برجر بالعربية “وجهات في النظر” (دمشق، 1990) “طُرُق في الرؤية” (دمشق، 1994)، “نجاح بيكاسو وإخفاقه” (بيروت 2010)، “من عائدة الى كزافييه” (بيروت، 2010)، وفي الأخيرة تحدث برجر عن الروابط الإنسانية التي يجمعها الحب ويفرقها السجن. ولا يبقى للأرواح المنفردة ما يؤانس وحدتها سوى الرسائل. في الرواية يجتمع الحب والمقاومة في زمان واحد ومكان واحد. إنهما صورتان، يجمعهما الأمل، والتذكر، وجمالية الاتصال وأوجاع الانفصال، فتغدو الكتابة “حواراً بين السجناء وبين آخرين يشبهون الأحرار، ذلك أن وجود السجن يحوّل ما خارجه إلى سجن آخر…”. في كتابه “طرق في الرؤية”، يلتقط برجر مقارنة بليغة بين لوحة للإيطالي أندريه مانتانا بعنوان “البكاء على المسيح”، وصورة التُقطت لغيفارا بعد اغتياله، حيث إن الوضعيتين متشابهتان تماماً، تكويناً وتفصيلاً.
رسم مانتانا المسيح، وللمرة الأولى في تاريخ الرسم القديم، من زاوية كأنها لكاميرا حديثة، بحيث ترى قدميه أمامك أسفل اللوحة، ويمتد المنظور لتستقر رأسه في الأعلى، وكذلك وللغرابة هناك في يدي غيفارا ما يقابل مسامير الصَلب، وهكذا، يقارن ما بين اللوحة والصورة، متخطياً الفكر النقدي الفني، إلى نوع من التناول الدلالي لطبيعة الوجود الإنساني. في السنوات الأخيرة كتب مقالات عن شخصيات عربية، مثل المغنية اللبنانية ياسمين حمدان، والنحاتة السورية رندا مداح، وقبلهما الشاعرالفلسطيني محمود درويش.