الإعلام بين الحرية و المسؤولية

 

بديعة خداد

لملم شهر غشت القائظ أيامه الأخيرة الحارة كأيامه الأولى، و على إيقاع حرارته المرتفعة نهارا و ليلا، ارتفعت حرارة قضية طفت على سطح الأحداث و الأخبار في غفلة منا. أليس هو شهر العطلة و الاستجمام بامتياز؟ و مع ذلك أبت الظروف المشاكسة إلا أن تحوله إلى ساحة وغى تطاحنت و تدافعت فيها المنابر الإعلامية و التدوينات الفايسبوكية على خبر تحول بسرعة البرق إلى قضية رأي عام، والمقصود بها قضية توقيف قياديي حركة التوحيد و الإصلاح بشاطئ لمنصورية. قضية اختلط فيها الديني بالسياسي بالإعلامي بالحقوقي في خلطة عجيبة للمواقف والآراء المتنافرة المتصارعة حد العداوة المعلنة.

ليس الهدف من كتابة هذا المقال، الخوض مع الخائضين والخائضات في مضمون الخبر، أو الدفاع عن القياديين أو إدانتهما لجهلنا بملابسات توقيفهما، فثمة مساحة بين ما نسمع  ونعاين. بل المقصود هو الكيفية التي تعامل بها الإعلام مع هذه القضية الشائكة المشفوعة برزمة مواقف الطبقة المثقفة باختلاف أطيافها و توجهاتها الإيديولوجية والسياسية. لقد تحولت بعض المنابر الإعلامية، خاصة الإلكترونية منها التي تدعي المهنية و المصداقية، إلى أبواق تنفخ و طبول تقرع لإسباغ طابع الفضيحة على الخبر/ القضية. فلولاها لما تفجرت الشرارة الأولى للقضية بعيدا عن حدود المهنية المفتقدة. و من الواضح أن الحس الصحفي خان صحافييها و عوض بحس افتراسي انتقامي قفز بالخبر الجنيني إلى فضيحة أخلاقية عوض قضية رأي عام قابلة للنقاش و التحليل باحترافية و موضوعية من زاوية شرعية و قانونية، خاصة و أن توقيت تفجيرها تزامن مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية التشريعية 7 أكتوبر المقبل.

إن الحس الصحفي، تلك الملكة المميزة التي في حال توفرها لدى أي صحفي، هو بمثابة المناعة المهنية التي تجعله يضع حساباته و اختلافاته الشخصية والإيديولوجية و السياسية جانبا و قادرا على التحكم في قناعاته الخاصة، ليتعامل بموضوعية و تبين مع أي خبر مهما كان مفرقعا و مثيرا دون السقوط في مطبات الصحافة الصفراء المعروفة بخطها التحريري الفضائحي، و هي في الواقع ليست بصحافة حتى تمتلك خطا تحريريا. الغريب في الأمر، أن بعض المنابر الإعلامية، وفي كل مرة كانت تنشر جديدا عن القضية، كانت تصر على تذييله بنفس العبارات ذات الإيحاء الفضائحي من قبيل خلوة، الإخلال بالحياء العام، ممارسة جنسية، تلبس، ورق كلينيكس و غيرها من المصطلحات المقرفة، جاعلة بذلك المتلقي تحت رحمة سياط متابعتها للقضية. و في رأيي المتواضع كإعلامية، فإن أي صحفي مهني يحترم نفسه و يحترم المتلقي أو القارئ، لن يقع في فخ التشهير و التزمير بدون هوادة، مهما بلغت درجة حنقه على غريميه سواء بحركة التوحيد و الإصلاح أو بأي مواطن آخر يجعل منه حظه السيئ مادة إعلامية نتنة تتقاذفها بعض المنابر الإعلامية الفاقدة لأبسط مقومات العمل الصحفي المهني الرصين. نعم من حق كل منبر إعلامي استقاء الأخبار و ونشرها  ومتابعتها إعلاميا و البحث عن جديدها و التوسع فيه، شريطة التعامل معها بتبين  وموضوعية و انسجام مع أخلاقيات مهنة الصحافة قصد إفادة القارئ عوض تزكية نقيصة النميمة لديه.

لقد كان من الأفيد التركيز على مناقشة ما يصطلح عليه بالزواج العرفي، ما دام قد أثير بقوة في هذه القضية. وددت فعلا لو أثير هذا النوع من الزواج المشوب بكثير من اللبس، بعيدا عن التهجم  والتشفي و التهكم و بعيدا عن هاجس السبق الصحفي المحموم المتهور، دون وضع أي اعتبار للممارسة الإعلامية الحقة و لا للمتورطين في القضية كمواطنين افترسا وأدينا إعلاميا قبل أن يقول القضاء كلمته. فعلا، كان الأجدر ببعض المنابر الإعلامية التوقف عن لوك الخبر و الخروج من دوامة الجلبة الإعلامية إلى المتابعة الإعلامية الرصينة، بإثارة الزواج العرفي كظاهرة و استجلاء ماهيته شرعا و قانونا، خاصة بعد أن دخل بعض الفقهاء على الخط فحللوه، ولست أدري هل تعاطفا منهم أم قولا للحقيقة، في حين رفضه آخرون، و ما بلاغ المكتب التنفيذي لحركة التوحيد  والإصلاح إلا أكبر دليل على ذلك. في حين تحول المتحاملون إلى مفتين حرموه مستندين إلى القانون الوضعي، كما برزت فئة تموقعت في منزلة بين المنزلتين محاولة استغلال الظرف و الاستقواء بمنظمة “أمنستي”، عندما أعلنت تضامنها مع قياديي الحركة لا حبا فيهما، بل تجديدا لمطالبتها بإلغاء تجريم العلاقات الجنسية بين البالغين بالتراضي. وقد نتج عن هذا التضارب في المواقف بلبلة رفعت من سقف التساؤلات حول هذا النوع من الزواج، الذي كان على الإعلام أن يقوم بدوره في التحقيق و التنوير، و أن يوضح للمتتبع ماذا يعني الزواج العرفي، هل هو حلال أم حرام مع الوضع في الاعتبار الاختلاف المذهبي؟ ما هي أوجه الاختلاف  والشبه بينه و بين زواج الفاتحة غير الموثق الذي كان سائدا في المغرب قبل ستينات القرن الماضي و كان يتم إشهاره و الاحتفال به؟

لقد استعذبت بعض المنابر الإعلامية الحس الفضائحي الممزوج بالشماتة في تداولها للقضية، و ركنت إلى التشهير مضحية برسالتها النبيلة  كسلطة رابعة. ففقدت بوصلتها على إيقاع المد الإلكتروني الذي حولها إلى مجال خصب لكل من تاه الطريق، و خلطت بين الحرية الإعلامية و المسؤولية الإعلامية. و يحق لنا أن نتساءل عن الحد الفاصل بينهما

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد