مصطفى حيران: مدير موقع أخبركم
انتظرت وزارة الداخلية المغربية قُرابة ثلاثين يوما، قبل أن تصدر موقفا بصدد تقرير للخارجية الأمريكية حول حصيلة حقوق الإنسان السنوية في المغرب، فماذا قال بلاغ الداخلية؟
عبارات لا تمت بصلة للغة التخاطب الدبلوماسي، وكَيْلٌ لنعوت ب”الافتراء” و”الكذب” و”اختلاق المعلومة” و”الاعتماد على مصادر معادية للمغرب”.. إلخ.
تُرى ما الجديد الذي أتى به تقرير الخارجية الأمريكية حتى تصمت وزارة الداخلية المغربية دهرا لتنطق كفرا؟ هل في مضمونه المحرج، من قبيل الإشارة إلى مذابح ومجازر وسجون ومقابر سرية.. وما إلى ذلك من أجواء التنكيل البشعة بحقوق الإنسان؟
لا شىء من ذلك، إنه تقرير عادي جدا، ربما يكون الأقل انتقادا للسلطات المغربية من بين التقارير السابقة التي أنتجتها الخارجية الأمريكية بانتظام عن حقوق الإنسان بالمغرب، تضمن إشارة إلى بِضع حالات خرق لحقوق مدنية وثقافية وحرية التعبير، مثلما يمكن أن يجدها المرء في كل تقارير الجمعيات الحقوقية عبر العالم.
فإلى ماذا يُعزى كل ذلك الانفعال والتشنج في بلاغ الداخلية المغربية؟
الأمر يتعلق بالخلفيات السياسية غير المريحة التي باتت تؤطر العلاقة بين المخزن الملكي وحكومة بلاد العم سام، عقب ما بات معروفا من حيثيات شد الحبل بين الطرفين في موضوع نزاع الصحراء، حيث كانت حكومة الولايات المتحدة الأمريكية، وراء مشروع القرار الذي تم تقديمه لمجلس الأمن، والتصويت عليه، ويقضي بعودة كل أفراد بعثة المينورسو بكل أعدداهم إلى ممارسة كامل مهامهم في الصحراء، وحدد القرار مهلة تسعين يوما للتطبيق.
واضح من خلال الرد المتشنج للداخلية المغربية على تقرير الخارجية الإمريكية أنه تصريف متأخر للتشنج، وفي ذلك عربون تخبط دبلوماسي مثير للدهشة على الأقل.
لاحظوا أن لغة التشنج الدبلوماسي -إن صح التعبير- بدأت مع دولة السويد حين نُشر ما أفاد أن البرلمان السويدي يدرس مسألة الاعتراف بالجمهورية الصحراوية، فكان الرد توقيفا لعمل مجموعة “إيكيا” التجارية في المغرب، وزوبعة سياسية وإعلامية أفضت إلى خواء كبير حيث شرح الدبلوماسيون السويديون بهدوء، أن أمر اعتراف حكومي في بلادهم بالجمهورية الصحراوية ليس في الوارد، ليتبين أن الدبلوماسية المغربية لا تستطيع التفريق بين الأداء البرلماني الشعبي والأداء الحكومي الرسمي.
ثم كانت زوبعة المحكمة الأوروبية حين قضت بفصل المنتوجات الفلاحية القادمة من الصحراء عن اتفاق التبادل التجاري بين المغرب والاتحاد الأوروبي، ومرة أخرى تم اختيار أسلوب “التفعفيع” في الرد المغربي حيث أعلنت الحكومة عن قطع الاتصال مع الاتحاد الأوروبي، فشرحت ممثلته “موغريني” لوزير الخارجية المغربي “مزوار” أنه لا مصلحة للاتحاد الأوروبي في حكم المحكمة الأوروبية وسيقوم باستئنافه.
ثم طرأت قضية الخلاف مع الأمين العام للأمم المتحدة كشخص باعتباره “غير محايد” ثم مع المؤسسة وصولا إلى مجلس الأمن فحكومة الولايات المتحدة الأمريكية.. وتم عبور هذا المسار الدبلوماسي الكبير في ظرف زمني لا يتعدى بضعة أيام دون مرور عبر مقتضيات وأعراف واعتبارات العمل الدبلوماسي.
فبدلا من استعمال لغة التواصل الدبلوماسي بصدد “عدم حياد” الأمين العام للأمم المتحدة، عبر إصدار بيان للخارجية المغربية لتوضيح الموقف المغربي، والاكتفاء بذلك، اختار أولئك الذين يقودون الطائرة المغربية أن يُحلِّقوا عاليا دون التوفر على وقود كاف للرجوع إلى الأرض، حيث لم يكتفوا ببلاغ الخارجية ردا على “بان كي مون” بل عمدوا إلى حشد الغوغاء في شوارع العاصمة لشتم أكبر موظف دولي، ثم طرد أغلب أفراد بعثة المينورسو من الصحراء.
والنتيجة أن قضية نزاع الصحراء توجد اليوم محط اهتمام دولي ديبلوماسي ومدني، يرجح كفة الحرية والتحرر كما ترسخت في أذهان وأفئدة جل سكان المعمور، وهو ما يعزز دينامية إصدار قرارات أممية أكبر وأخطر في المستقبل القريب.
واليوم، وكجواب على هذه التطورات والتعقيدات المتسارعة اختار المخزن الملكي أن يُمعن في قيادة الطائرة إلى أعماق الفضاء السحيق عبر تحويل دفة التحالفات السياسية والاقتصادية.. نحو الشرق الأقصى إلى روسيا والصين، بحثا عن حلول عاجلة غير عقلانية.
رد الداخلية المغربية المتأخر المتشنج وغير الدبلوماسي على تقرير الخارجية الأمريكية بصدد ملف حقوق الإنسان بالمغرب، يؤكد أن المغرب لا يتوفر على مؤسسة دبلوماسية بمعناها الاحترافي، بل مجموعة موظفين يأتمرون ب”التعليمات” التي تأتيهم من فوق.
ليتبين مرة أخرى، أن المسؤولين المغاربة لا يقيمون فرقا بين مستويات الأداء الدبلوماسي، والأفدح أنهم يضعون كل المؤسسات المحلية والإقليمية والدولية في سلة واحدة (البرلمانات والحكومات المحلية.. المحكمة الأوروبية.. البرلمان الأوروبي.. الاتحاد الأوروبي.. الأمم المتحدة.. مجلس الأمن…) في سلة واحدة وكأن كل العالم منسوخ من النموذج الذي يُسَيَّرُ به المغرب، أي أن كل السلطات القضائية والسياسية والاقتصادية المحلية والاقليمية والدولية.. توجد في يد واحدة.
إن أداء دبلوماسيا محترفا، كان يفترض أن تحركات أطره في كل الاتجاهات لعقد لقاءات عالية المستويات في عواصم أكبر بلدان العالم وأكثرها تطورا ونفوذا في الأمم المتحدة ومجلس الأمن، قد تم استنفادها – التحركات- قبل اللجوء إلى آخر الحلول: “التفعفيع”.. قطع الاتصال.. شتم الأمين العام للأمم المتحدة.. طرد موظفين أمميين.. تحويل دفة التحالفات من الغرب إلى الشرق.. استعمال لغة التشنج..
الأمر يتعلق فقط بربان لا يُحسن سوى التحليق في الأعالي ولا دراية له البتة – أو لا يريد أن يعرف- كمية الوقود الموجودة في خزان الطائرة، كما إنه لا معرفة له بتقنيات الهبوط الاضطرارية.
فهل ثمة ربان في الطائرة المغربية؟!