رؤيـة موضوعيـة وصريحـة

بقلم: اﻷستاذ عبد الله الفردوس

كان من الطبيعــي أن يحظى خطــاب الرئيس الفرنسـي السابق، السيد نيـكولا ساركـوزي، باهتمــام إعلامي واســـع، وبردود أفعال قلــما تحـــظى بـــها خــطابات بعض الساســة والرؤســـاء السابقــين. وأبرزت وسائل الإعلام الدولية بإيجابيـــة أن نيكــولا ساركوزي كان واعيــا بالتفــرد المغـربي، باعتبــار الأخير يعيــش «حــالة مـن الاستقــرار الواضح، ولا يشكـــل أي خطــر على أمــن الفـضاء الأورو- متوسطــي».  وبلغــة الدقـة والتدقيــق، قــال ساركوزي إنــه «بـاستثنــاء المغــرب، حيث يمكن الاعتمــاد على ملـك عظيـم، الذي نتمنــى لـه عمــرا مديــدا، نــرى أن هناك حـالة شبــه كاملـة مـن اللااستقرار، ليس فقط فـي المنطقـة المغاربيــة، بــل حتى فـي المنطقـة المشرقيــة».  وبقــراءة للمضامين الأساسية لهــذا الخــطاب، يرى المتتبعــون أن ما أثاره من اهتمــام إعلامي كبير لا يتعلق فقط بأهمية الموضوع الأمني في الظروف الراهنــة والحرجــة، ولكــن أيضا، بالأساس، يعـــود إلى طبيعــة التحليل الذي تنـــاول بـه الموضوع والنظــرة الموضوعيــة والصريحــة التي اعتمــدها في تحــديد خلاصاتـــه. وبخصوص ما قالــه ساركــوزي فـي حــق المغرب وملكـــه، فتــذهب كــل القــراءات إلى أن ذلــك، وبالإضافة إلى أنه بمثابة وثيقة فوتوغرافية في ما يهــم جانب الأمن والاستقرار، ينطلــق أيضا مـن عــدة حقــائق ومعطيات، نشير منها إلى:* الدور الريـادي الذي يقـــوم بـه جلالــة الملــك على الساحـة الـدوليــة من أجـل استتباب الأمن، وترسيخ قيــم التعايش والتسامح بين الشعوب، وتوسيع وتقــوية علاقات التعاون لما فيـه مصلحة حاضر ومستقبل الإنسانية.  * ما يعتــرف بــه الجميــع من الأهمية الكبرى للتحولات والإصلاحات التي دشنها المغرب ويواصل، على أساسها، استكمـــال بنـاء نموذجــه المتميـــز في مجــال ترسيـخ الديمقــراطية وحقـــوق الإنسان.* المساهمــة المتواصلة للمغرب وحضوره الــدائم في مهــام حمايــة الأمن، والتصـدي للنزاعات والأهوال التي تتهــدد حيــاة الشعوب وحقــوقها وسيادة ووحـــدة دولها. * الـدور الكبيــر الذي يقـــوم بــه المغرب، على الصعيدين الجهــوي والدولـي، في مجــال محاربـة الإرهاب والتصدي الفعلي والناجــح لمخططاتــه، وكذا في مجــال محاربـة الجريمة المنظمــة والاتجــار في البشــر وفي كل ما يلحق الإضرار بسلامة وأمن الشعوب. بمثل هـــذه الحقائق والمعطيات تمكن المغرب، وخاصة في السنوات الأخيرة، من احتلال موقعه المستحــق ضمن الـدول الفاعلــة التي تتمتــع بكل تقديـــر في المجتمع الدولي ومحافــله، وما من شــك في أن تصريحات نيكولا ساركوزي هي تعبيـر أيضا عـن علاقات التقديــر ومشاعر المودة التي  تعزز العلاقات المغربيـــة الفرنسيـــة.  وكما أشارت وســائل الإعلام الدولية، فــإن تناول زعـيم حزب الجمهــوريين، فــي ندوة داخليــة لحــزبه، لموضوع الحالة الأمنية في منطقـة جنوب البحــر الأبيض المتوسط، يعبـــر عن جرأة سياسيـة في تحليــل وتقييــم الأوضاع، مهمـــا كانت معقــدة، على الرغــم مما قــد يخلـــفه التحليــل المـوضوعــي من عــدم ارتياح، وحتى الغضب، لـــدى بعض الأوساط والجهــات التي لا تنظـــر إلى ما يجري على الأرض إلا من زاويتها الخاصــة والمحـدودة.  الشيء الذي جعل المغرب يشكل اليوم، عنصرا أساسيا لا محيد عنه في المعادلة الدولية، نظرا للمقاربة الجديدة التي تبناها تحت قيادة جلالة الملك محمد السادس، والتي جعلته يتقدم بخطى حثيثة على كل مستويات الإصلاحات الدستورية والسياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية والدينية وغيرها، لتعطي للمغرب إشعاعا كبيرا داخل محيطه الإقليمي والجهوي والدولي. فلم يكن من قبيل الصدفة أن يصبح المغرب اليوم محط إعجاب وتقدير من قبل العديد من الزعماء، بل من طرف الكثير من الباحثين والمحللين السياسيين، الذين أعجبوا بالتجربة المغربية داخل محيط إقليمي مضطرب وغير مستقر، ومن ثم لم تكن العبارات التي فاه بها الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي إلا تجسيدا لذلك الانبهار العقلي بإستراتيجية المغرب التنموية بفضل القيادة المتبصرة والحكيمة لجلالة الملك في مختلف المجالات، والتي كرسها وعززها دستور 2011، و كذا تأكيدا لقناعة المسؤولين الغربيين بأن المغرب يعتبر قاعدة آمنة لفرنسا والاتحاد الأوروبي، وشريكا فاعلا في ضمان الاستقرار جنوب البحر الأبيض المتوسط. إن تصريحات ساركوزي لم تكن إلا تحصيل حاصل بالنسبة للعلاقة المتميزة التي تربط  المغرب بشركائه الأوربيين، وهي تصريحات تعزز ما عبر عنه المسؤولون الإسبان أيضا في مناسبات عدة، حول الطبيعة الخاصة للعلاقات الإسبانية المغربية والتي جعلت صحيفة ظلت تكن عداء واضحا للمغرب منذ سنوات، مثل صحيفة « la vanguardia» تخرج عن خطها السياسي والتحريري وتغير من خطابها الإعلامي تجاه المغرب، لتعتبره شريكا أساسيا لإسبانيا، وهو الاعتراف الذي لم يسبق أن أبدته هذه الصحيفة الإسبانية من قبل، إلا بعد العملية النوعية التي قامت بها مصالح الشرطة الإسبانية بتنسيق كبير مع المديرية العامة للأمن الوطني، والتي نتج عنها تفكيك تنظيم إجرامي خطير يعمل في الهجرة السرية من دول جنوب الصحراء إلى أوروبا عبر جزر الكناري.وما هذا الاعتراف إلا تزكية أخرى للمغرب فيما يقوم به من جهود حقيقية لتثبيت دعائم السلم والاستقرار بالمنطقة. وإن  كانت هناك جهــات، في محيطنا الجهوي، لا ترتــاح لسمعــة ومكانــة المغرب، فأحسن جــواب يمكن توجيهه إلى هــذه الجهات هو مــواصلـة الخطـى على نفس الطريق وفي نفس اتجـــاه استكمال بنـاء المغرب الجديد كــدولة صاعـــدة وكديمقـــراطية ناضجـــة لها كــل مقـــومات رفـــع تحــــديات المــرحلة، وربــح رهانات الوحــدة الترابيــة والأمنية والتنمـــــوية.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد